الصحافة السودانية..

الصحافة السودانية.. "حرمان ملكي" من الدخول إلى بريطانيا

الصحفيات المحرومات مؤخرًا من السفر إلى بريطانيا (فيسبوك)

لم يخطر على بال الصحفية السودانية شمائل النور، وهي تتلقى دعوة رسمية لمشاركة تجربتها بجامعة أكسفورد أن خيبة أمل كبيرة تخبئها لها السفارة البريطانية في الخرطوم. شمائل هي وزميلاتها درة قمبو من الـ(bbc) اكسترا، ولينا يعقوب مديرة موقع (باج نيوز) الإخباري، تلقين دعوة من كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، لتقديم أوراق عمل حول تجربتهن الشخصية في المجال الصحفي، وتجربة المرأة عموماً في الصحافة السودانية، لكنهن فشلن في الحصول على تأشيرة عبور إلى هناك، بلا سبب مقنع بالنسبة إليهن، ما خلف ردود أفعال غاضبة في الوسط الصحفي.

تتكرر حالات رفض بريطانيا تقديم تأشيرات للصحفيات السودانيات وهذا ما فسرته الأخيرات بالفضيحة مقابل ما تدعيه بريطانيا من دعم للحريات

درة، شمائل، لينا، لسن الصحفيات الوحيدات اللاتي واجهن رفض السفارة البريطانية في الخرطوم، فقد تساقطت تباعاً أمال العديد من الصحفيين السودانيين في الحصول على تأشيرة المملكة المتحدة، وكانت الأعذار مختلفة وأحياناً مباغتة، تقذف في وجه كل صحفي سببًا مغائرًا. فقد بررت السفارة لرئيسة تحرير موقع (باج نيوز) السوداني لينا يعقوب بأنها "ليس لديها أملاك وغير متزوجة"، فيما لم يحمل التبرير لشمائل سبباً واضحاً، إلا أن أبرز خيوط الاعتذار نحت إلى أن الصحفيات "آنسات"، وهنا للمفارقة تتشابك حجة بريطانيا مع حجة المملكة العربية السعودية في عدم منح تأشيرتها للنساء دون محرم، إلى حد أن تتساوى السعودية وبريطانيا في النظر إلى النساء!

اقرأ/ي أيضًا: مصادرة "الجريدة" السودانية.. تقويض المختلف

جدير بالذكر أن مهلة الحصول على تأشيرة بريطانيا تأخذ نحو شهر، ويتم تحويل الطلبات من سفارة الخرطوم إلى سفارة بريطانيا بجنوب إفريقيا للبت في طلبات التأشيرة المقدمة من السودان ودول إفريقية أخرى، إذ لم يشفع للسودان كونه مستعمرة بريطانية سابقة، ما يبعث على الأسئلة: تُرى ما هو السبب الخفي وراء تمنُع بريطانيا في عدم منح تأشيرتها للصحفيين السودانيين تحديداً؟

كما لا توجد إجابة واضحة، فإنه لا يوجد عذر مقنع لكثير من الصحفيين السودانيين. تقول الصحفية درة قمبو إنها فوجئت بجوازها بلا تأشيرة مثل ما أنها فوجئت بصيغة الاعتذار وتضيف لـ"ألترا صوت": "الرفض حسب الخطاب الذي وصلني فيه جملة أسباب، منها أنهم لم يتمكنوا من التواصل مع ممثل الجهة الداعية د.أحمد الشاهي، ومع مخدمها"، لكنها حجة يسهل دحضها بحسب قمبو، والتي تشير إلى أن الشاهي خاطب السفارة قبل تقديمهن للحصول على التأشيرة وأودع كل عناوينه لديهم.

ولا تتردد قمبو في وصف سلوك السفارة البريطانية بالتعسفي ضد الصحفيين، وأنه يفضح دعاوى بريطانيا بخصوص مساندة حرية الصحافة والتعبير. بجانب أن المشاركة كانت فرصة لعرض تجاربهن كصحفيات سودانيات يعملن في ظروف قاهرة وإشكالات مزدوجة مقارنة بزملائهم الذكور، لافتة إلى أنه "مورس علينا اضطهاد كنساء وكسودانيات وكصحفيات"، بينما يترتب على الرفض تأثير مباشر على  أي فرصة تعامل قنصلي لهن مع دول الاتحاد الأوروبي  والدول المتعاونة معاها أمنيًا، كما تشير قمبو، والتي نقلت عن جامعة أكسفورد أسفها من قرار منعهن من دخول بريطانيا والمشاركة في المؤتمر، وقالت الجامعة في رسالة مكتوبة "إنها المرة الأولى في تاريخ المؤتمر التي يُرفض فيها لمشاركين منح تأشيرة الدخول"، واصفة القرار بـ"المحزن".

اقرأ/ي أيضًا: صحافة السودان.. آه يا أمن

في حقيقة الأمر، دوافع بريطانيا المضمرة في خطاباتها الاعتذارية للصحفيين السودانيين بلا استثناء تنحو إلى مخاوف بعدم العودة، وهنا تلزم الإشارة إلى أن عدد الصحفيين السودانيين الذين تخلفوا من العودة للخرطوم في أوقات سابقة، لا يتعدى إثنين فقط، هما إدريس الدومة رئيس تحرير جريدة (الجريدة) السودانية، الذي تمت دعوته للمشاركة سابقًا في مؤتمر بلندن ففضل البقاء وطلب اللجوء أسوة بزميله ياسر محجوب الحسين، رئيس تحرير (الصيحة)، الذي سبقه بالمغادرة إلى بريطانيا مستفيداً من التأشيرة التي منحتها له السفارة لدورة تدريبية، فقرر طلب اللجوء لجهة تضييق السلطات السودانية عليه واقتحام مكتبه في الخرطوم أكثر من مرة وإيقاف صحيفته وقتها.

يؤكد المتابعون للشأن السوداني أن رفض بريطانيا منح تأشيرتها للصحفيين السودانيين يندرج في إطار مخاوف من عدم عودتهم وطلبهم اللجوء في أراضيها

بعد ذلك توقفت بريطانيا من منح تأشيرتها للصحفيين السودانيين، ويبدو أن الأمر مرتبط بالتخلف هناك وطلب اللجوء، رغم أن عددًا كبيرًا من الصحفيين السودانيين غادروا إلى بريطانيا وعادوا بصورة طبيعية، إلا أن حالة كل من الحسين والدومة يبدو أنها كانت كافية، عند البريطانيين، لتعميم الحرمان.

شبكة الصحفيين السودانيين أصدرت بياناً تضامنت فيه مع الصحفيات، ووصف البيان الذي تلقى "ألترا صوت" نسخة منه، خطوة السلطات البريطانية بـ"التناقض بين مبادئ حقوق الإنسان التي طالما توهجت بها بريطانيا، وتصرفات سلطات الهجرة التي منعت الصحفيات حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان". وقال البيان إن "الخطوة أظهرت حجم الاتساق الذي تحدث عنه كبار الفلاسفة والمفكرين بين رأسمالية متوحشة بدأت تسود في بعض الدول الغربية والتطرف الذي تعاني منه بعض دول الشرق". وطالبت شبكة الصحفيين السودانيين سلطات الهجرة في بريطانيا مراجعة موقفها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السودان.. أدباء مصححو صحف!

"الرجل البمبان" في السودان.. تصاعد وتيرة الاحتجاجات والقمع والاعتقالات