الحقّ في الركض

الحقّ في الركض

ناشطات جزائريات: "مكاني أينما أريد وليس في المطبخ"

عندما كانت العدّاءة الجزائرية حسيبة بولمرقة تركض مندفعة إلى خطّ الوصول بتبّانها القصير في احدى مضامير الألعاب الأولمبيّة في برشلونة صيف العام 1992، كانت بلدها تشتعل نارا وتغوص في الدماء وتندفع إلى الوراء بسرعة جنونيّة. كان ذلك عقب إيقاف المسار الانتخابي وإلغاء نتائج الدورة الأولى من الانتخابات التشريعيّة التي كان حزب جبهة الإنقاذ الإسلامي قد اكتسحها. أصبحت حسيبة بولمرقة بعد فوزها في سباق الألف وخمسمئة متر أوّل امرأة جزائريّة تفوز بميداليّة ذهبيّة أولمبيّة، وقد أهدت الجزائر أوّل ذهب لها في تاريخ مشاركاتها في الأولمبياد.

ضرب شاب جزائري فتاة تمارس رياضة الركض، وراح يخبرها أن مكانها هو المطبخ

عند وصول حسيبة الأولى بين المتسابقات إلى خطّ الوصول، كان المبشّرون بالجنّة والنّار قد بدؤوا دعواتهم منذ وقت إلى الركض في الاتّجاه المعاكس، أي من خطّ الوصول إلى خطّ الانطلاق، حيث لا يهمّ من يصل أولا، فالجميع سيفوز والجنّة ستسع الجميع.

اقرأ/ي أيضًا: عين الفوارة... عادوني يا ماليا

مضى على هذا الانتصار ربع قرن تقريبًا، ولولا حادثة وقعت قبل مدّة، لما عاد لذاكرتي بوضوح، حيث خرجت ريمة الشّابة الجزائريّة كعادتها من منزلها في العاصمة الجزائريّة قبل ساعة تقريبًا من موعد الإفطار كي تمارس رياضة الركض. لم يشفع للشابّة الخمار الذي كانت ترتديه، إثر مصادفتها شابًا استولى على الفضاء العام ونصّب نفسه حاكمًا عليه، فانهال عليها بالضرب وأمرها بالاتجاه إلى خطّ الانطلاق. إنّ هذا الخط ليس معلومًا أو متفقًا عليه كخط غرينيتش أو كخطوط الاستواء، إنّه تقديري جدًا، وهذه المرّة قرّر الشابّ الذي يبدو أنّه تكوّن في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعوديّة، أن خطّ البداية الذي ستنطلق له الفتاة وتلازمه يقع في مطبخها.

ردًّا على هذه الحادثة نظّم بعض الناشطين حصّة ركض جماعي للنساء والرجال في نفس المكان تنديدًا بما وقع من اعتداء على أبسط حق من حقوق المرء، إنّه الحق في الركض، وكان الشعار الذي رفعته بعض النساء في هذا التجمّع : "مكاني أينما أريد وليس في المطبخ". ردًا على هذا الشعار اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، في شهر الصيام، بتعليقات وصور المدافعين من النساء والرّجال عن المطبخ، أقصد عن خطّ البداية الذي يقع في المطبخ، أقصد أنّهم كانوا يقصدون المرأة التي تقف عند خطّ الانطلاق الذي يقع في المطبخ، المطبخ نفسه الذي يقع فيه خط الوصول أيضا، مغربَ كل يوم طويل وشاق من الصيام. هكذا انتقل النقاش من حريّة الفرد في الركض مثلًا إلى نقاش حول المطبخ وداخله.

ليست هذه أوّل مرّة يتدخّلُ فيها مواطن أو مواطنون جزائريون لفرض ما يرونه شريعة وتقاليد والذود عنهما، فقد تناول مرتادو مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو في الأيام الأولى من شهر رمضان لسيّارة ألمانيّة بترقيم أجنبي في مدينة جزائريّة، ربّما تعود لمغتربين جزائريين، لم نر من يركب السيّارة لكنّ إيقاف السيّارة بدعوى أنّ من بداخلها يأكل في وضح النهار في شهر الصيام ثمّ التفاف مجموعة كبيرة من الشباب، الذين لا يحملون أيّ تعبير عن التزامهم الدّيني، حول السيّارة ومحاولة إلحاق الأذى بها وبمن يركبها بشكل همجيّ، تجعلنا ننسى أنّنا في دولة مدنيّة وتدفعنا إلى التساؤل: لمن تعود ملكيّة الأماكن العامّة أو الفضاء العمومي؟ وهل يحق لفرد ما أن يجبر فردًا آخر مساويًا له في الحقوق وفي الواجبات على اتباع تصوّره وفهمه للإسلام أو للدولة؟ أم أنّ دولة بكاملها تركض نحو خطّ الانطلاق بعدما قطعت مسافة مهمّة عنه؟

هل يحق لفرد ما أن يجبر فردًا آخر مساويًا له في الحقوق وفي الواجبات على اتباع تصوّره وفهمه للإسلام أو للدولة؟

اقرأ/ي أيضًا: 8 ملاحظات رفقة كرنفال ذكرى استقلال الجزائر

إنّ السلطة لا تحسن التصرّف في شأن تسيير الفضاء العمومي وحمايّة حريّة الأشخاص داخله إلاّ في مناسبات معيّنة، في نهاية العام الماضي، فوجئ الجزائريون في مدينة سطيف بالشرق الجزائري برجل ملتحٍ يحملُ مطرقة ويحاول تكسير تمثال المرأة العاريّة التي تعتلي نبع ماء يدعى "عين الفوّارة" أهمّ ساحات مدينتهم، أُوقف الرّجلُ من قبل الشرطة ومَثُل أمام القضاء بعدما نال من وجه المرأة ومن ثدييها، كما سارعت وزارة الثقافة حينذاك لإعادة ترميم جسد التمثال وحفظه في وقت قياسي، إنّ هذا أمر يدعو إلى الإعجاب لكن ماذا عن أجساد الجزائريين الحقيقيّة؟ وبشكل خاص تلك التي تمتلكها النساء فلا يبدو أنّ هناك من يحميها أو من يكترث لها حتّى وإن هُشّمت كلّها؟ 

 

اقرأ/ي أيضًا:

المرأة الجزائرية.. هل تكفي القوانين للحماية من التنميط؟

"مكاني أينما أريد لا في المطبخ".. جزائريات يركضن ضد التحرش والتنميط