29-أغسطس-2023
هدم الجبانات في مصر

(الترا صوت) أصدرت محافظة القاهرة قرارًا بإزالة 2700 مقبرة تقع في نطاق حي الخليفة

"إنني أجدد معكم العهد وأصدقكم الوعد بأن نبدأ جمهوريتنا الجديدة، المولودة من رحم ثورتكم العظيمة في 30 حزيران/يونيو، عازمين على المُضي قُدمًا نحو المزيد من العمل والبناء".

منذ عامين تقريبًا، استهل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خطبته بهذه الجملة، معلنًا تدشين ما أسماه "الجمهورية الجديدة"، وهو المصطلح الذي سينتشر فيما بعد بشكل واسع، ويتردد على ألسنة الإعلاميين والمسؤولين والشخصيات العامة، حيث تدخل مصر، كما هو مقرر، عهدًا جديدًا، لكن هل الجمهورية الجديدة تقتضي محو تلك القديمة؟

أقرت الدولة المصرية مجموعة من الإجراءات غير المجدية، خاصة خلال العامين الأخيرين، نتج عنها هدم العديد من الأماكن التراثية والأبنية القديمة وحتى الأضرحة التي طالما شكّلت هوية المدينة القديمة، جاءت مبررات أعمال الهدم متفاوتة ما بين أبنية خطرة وآيلة للسقوط، وبين الرغبة في تطوير المناطق القديمة وإدخال شبكات طرق وجسور حديثة، أو ادعاءات أخرى لتبرير الهدم، وبطبيعة الحال نالت القاهرة القديمة، بمساجدها وأضرحتها وبيوتها المميزة للعصور التي مرّت بها، القدر الأكبر من الهدم والتجريف، بينما لم تنجُ بعض المناطق والمحافظات الأخرى.

نرى دولًا تحوّل ديكورات ومواقع تصوير أفلامها الشهيرة لمزارات سياحية كجزء من تاريخ وتراث المكان، بينما تقوم مصر بإزالة 2700 مقبرة تقع في نطاق حي الخليفة، ضمن الجبانات التاريخية

بعد إعلان السيسي تدشين الجمهورية الجديدة، في تموز/ يوليو 2021، بأيام معدودة، وقفت الجرّافات أمام قصر أندراوس باشا بمحافظة الأقصر جنوب مصر، المدينة الأثرية الأكبر في مصر والعالم كله، تستعد لدك المبنى بعدما صمد 124 عامًا، تخللتها أحداث تاريخية وزيارات لشخصيات هامة مثل سعد باشا زغلول والأمير إمبرتو ولي عهد إيطاليا.

نجا المبنى من عوامل الزمن وتعاقب الحكومات والأنظمة، ظل صامدًا رغم عمليات النهب والسرقة لمحتوياته والتنقيب عن الآثار التي طالت أرضه من اللصوص والمهربين، حافظ على وجوده رغم جرائم القتل التي لحقت بالورثة داخل القصر، ثم بقرار واحد تهدّم القصر وصار خرابًا.

نتقدم بالزمن أقل من عامٍ نحو الأمام، حزيران/ يونيو 2022، نقف الآن في مواجهة العوامات التاريخية المطلّة على نهر النيل بمنطقة الكيت كات، التي شكّلت أيضًا جزءًا من الهوية العمرانية للمكان على مدار ما يقرب 150 عامًا، وقد صدر لها قرار إزالة، أكثر من 30 عوّامة تاريخية شهدت على الكثير من الأحداث وسكنها الفنانون والشخصيات العامة، ودُوّنت وسُجّلت في الأعمال الأدبية والفنية، فكانت مسرح الأحداث للرواية الشهيرة والفيلم الأشهر "ثرثرة فوق النيل" للأديب المصري نجيب محفوظ، على وشك التدمير والإزالة.

نرى دولًا تحوّل ديكورات ومواقع تصوير أفلامها الشهيرة لمزارات سياحية كجزء من تاريخ وتراث المكان، ونجد أن مسلسلًا تلفزيونيًا مثل "فريندز" يتحول ديكوره الأساسي، مقهى سنترال بيرك الذي يتقابل به الأصدقاء إلى تحفة ومثال لأصحاب الأعمال، فنجد نسخًا عديدة من مقاهٍ في دول مختلفة، يختار أصحابها تصميمها كنسخة من مقهى سنترال بيرك، ألم يكن من الأجدى ضم العوّامات إلى قائمة المزارات السياحية كشاهدة على ذاكرة المكان.

نتحرك على مؤشر الزمن عامًا آخر إلى الأمام، آب/أغسطس 2023، وقد وضعت الجهات المسؤولة علامات تُشير إلى رقم إزالة لمقبرة علي باشا فهمي المبنية عام 1910، ضمن خطة الدولة لتطوير منطقة القاهرة التاريخية، ومشروع تطوير القاهرة التاريخية هو مشروع قديم منذ صُنفت كموقع للتراث العالمي من منظمة اليونسكو عام 1979، لكن الحديث عنه تجدد منذ عامين تقريبًا على لسان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وبدأت الدولة بالفعل في تنفيذ بعض الإجراءات بهدم بعض الأبنية والمقابر القديمة بدعوى التطوير، وهو ما لاقى رفضًا شعبيًا تجاهلته السلطات واستمرت في تنفيذها للخطة المزعومة.

فأصدرت محافظة القاهرة قرارًا بإزالة 2700 مقبرة تقع في نطاق حي الخليفة، ضمن الجبانات التاريخية كمقابر الإمام الشافعي ومقابر السيدة نفسية، والتي يعود تاريخها إلى القرن السابع الميلادي، والتي تضم رفات عدد كبير من الأدباء والشعراء والسياسيين والشخصيات الهامة التي مرت على مصر، وبالفعل تهدّمت مقبرة الشاعر حافظ إبراهيم، الملقّب بشاعر النيل، وأحد أهم الشعراء المصريين، إلى جانب مقبرة الأديب يحيى حقي، ومقبرة الشاعر والسياسي محمود سامي البارودي، ومازالت مقابر أخرى مهددة بالهدم دون تراجع من الدولة، على الرغم من أن لجنة الخبراء التي شكّلها السيسي لتقييم الموقف أوصت بأنه لا حاجة لهدم المزيد من المقابر ولا حاجة للمحور المروري الجديد المزمع إنشاؤه لتطوير المنطقة، وأن هناك حلولًا بديلة يمكن اتخاذها.

تقدمت مها عبد الناصر، النائبة البرلمانية عن الحزب المصري الديمقراطي، يوم السبت الماضي، بسؤال برلماني إلى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بشأن الاستمرار في هدم الجبّانات التاريخية، وكانت عبد الناصر تقدمت بأكثر من طلب إحاطة للحكومة عن هدم الجبّانات في القاهرة التاريخية، وبعد أن توقف الهدم لفترة إلا أن أعمال الهدم والإزالة عادت مجددًا بقرار هدم 98 مقبرة تاريخية، "بغرض محو حقبة من تطور العمارة الجنائزية، والاستيلاء على القطع الثمينة التي تحتويها من تركيبات رخامية أو حجرية وشواهد فريدة تحمل أجمل نماذج الخط العربي، وتقص تاريخ أعيان مصر"، حسبما قالت.

كتبت دكتورة هبة رؤوف عزت، تعليقًا على هذه القرارات، أنه "يُسمّى في الدراسات التاريخية وتراث الفنون (أيكونوكلازم)، أي محو الرموز البصرية لعصر سابق، لتكريس شرعية الصور والرمزيات الجديدة، أو رفع ذاكرة فوق أخرى في ثقافة متعددة التواريخ، فالمدن العريقة هي أقرب إلى رَق كُتبت عليه نصوص بعضها فوق بعض، فهي تعيش بأكثر من روح ونبض، ليس فقط في الأحياء باختلاف الفقر والغنى، بل أيضًا في مستويات الذاكرة بائتلافها أو اختلافها، وحين تعجز المدن عن تحقيق هذا التآلف أو إدارة ذاك الاختلاف للحد الأدنى من التدبير، تندلع الثورات أو تنفجر الحروب الأهلية".

تعتقد عزت وأوافقها الرأي، أن "هذا المشهد الواضح ليس مصادفة ولا قلة كفاءة في إدارة طبقات المدينة الثقافية والتاريخية، بل هو قرار، تُمحَى به معالم وتواريخ لصالح معالم وتواريخ أخرى، وصور لصالح صور أخرى، بعضها قديم وبعضها جديد، إنه سؤال الهوية للأحياء، لا الموتى".