الجزائر... فيسبوك وفضيحة تسريب أسئلة البكالوريا

الجزائر... فيسبوك وفضيحة تسريب أسئلة البكالوريا

خلال الامتحانات في الجزائر

لم يكن مشهد نقل أوراق أسئلة البكالوريا/الأهلية العامة في الجزائر، صبيحة أمس الأحد، من طرف رجال الجيش والشرطة والمخابرات، إلى مراكز الإعادة الجزئية للامتحانات، إلا مظهرًا من مظاهر الفساد الذي باتت تعرفه منظومة الاختبارات والمسابقات، في بلد يحصي عشرة ملايين متمدرس في الأطوار التعليمية المختلفة.

فيسبوك الذي كان أداة تسريب أسئلة الامتحانات، تحول إلى منصة لفضح الغش الذي بات عنوان المنظومة التربوية في الجزائر

إعادة امتحان شهادة البكالوريا التي أقرها "مجلس التضامن الحكومي"، بعد فضيحة تسريب الأسئلة في جملة من المواد المقررة، خاصة العلمية منها، في الدورة العادية التي انطلقت يوم 29 أيار/مايو الفائت، لم تكن جزية في الحقيقة، ذلك أن عدد الطلبة الذين التحقوا أمس بمراكز الامتحانات، تحت حراسة وصفت بالمشددة من طرف أسلاك الأمن، عكس الدورة العادية التي تولى فيها الأساتذة عملية الحراسة، بلغ أكثر من 550 ألف مترشح من بين ما يزيد عن 800 ألف.

اقرأ/ي أيضًا: فضيحة التسريبات تهز امتحان البكالوريا في الجزائر

فيسبوك الذي كان أداة التسريب في الدورة العادية، من خلال عشرات الصفحات التي أنشئت للغرض، بما حمل الشرطة الإلكترونية على فتح تحقيقات في الأمر، هو نفسه تحول إلى منصة لانتقاد الغش الذي بات عنوان المنظومة التربوية في الجزائر.

في هذا الإطار تحالف رواد أول موقع تواصل اجتماعي يستعمله الجزائريون، على زرع جدرانهم وصفحاتهم بتعليقات وصور ورسومات ساخرة، تجمع بين شعورهم بالقرف من قرار الإعادة في عز الحر والصيام، وشعورهم بالمرارة من تمييع أهم امتحان في المشهد التربوي، بسبب ما أسموه ارتجالًا وإهمالًا من طرف القائمين على الوزارة الوصية، والذين باتوا يلهثون، بحسبهم، خلف المكاسب المادية والرحلات إلى الخارج، أكثر من تفكيرهم في تحصين نظام التعليم من الانزلاقات والاختلالات المختلفة.

في السياق، وجّه أحدهم رسالة إلى وزيرة التربية نورية بن غبريت يقول فيها: "ألا تعلمين أن رمضان شهر للقرآن، وليس لمراجعة الكيمياء والفيزياء والرياضيات؟ وما دمت تحبين هذه المواد، لماذا لم تستفيدي منها في حماية البكالوريا من الغشاشين؟".

آخرُ وجّه لها رسالة أخرى: "لقد ظهر أن الرئيس متمسك بك، من خلال تثبيتك في منصبك، بعد أن أجرى تعديلًا حكوميًا، وهذا يدل على أنك نافذة، فلماذا لا تستغلّين نفوذك في فرض إصلاحات حقيقية، بخبراء حقيقيين، عوض اللجوء إلى نفس الخبراء الفرنسيين الذين نجني ثمار فشل إصلاحاتهم على مدار ربع قرن".

أمام السلطة القوية لفيسبوك لجأت وزارة التربية إلى العمل على وقف تدفق الإنترنت على الفضاء الجزائري

أمام هذه السلطة القوية لفيسبوك، سواء في التسريب والغش، أو في انتقاد الوزارة والحكومة والسخرية منهما، لجأت الوزارة إلى عقد اتفاقية مع "وزارة البريد والتكنولوجيات الحديثة"، تقضي بوقف تدفق الإنترنت على الفضاء الجزائري، إلى غاية موعد نهاية جولة الإعادة، الخميس القادم، لكنها تراجعت، أمام قدرة قطاع واسع من الشباب على اختراق الشبكة، من خلال مواقع بحث أمريكية، وحددت ساعات القطع بساعات الامتحان خلال النهار. مما دفع بعضهم إلى التعليق: "حكومة تصف نفسها بالقوة الإقليمية، وتطير خوفًا من أطفال فيسبوك".

اقرأ/ي أيضًا: الطلبة الجزائريون.. بين ماض ثوري وحاضر خامل

يقول عبد الله بوكفة الطالب الجزائري المغترب في فرنسا لـ"الترا صوت" إنه لم يهاجر إلى فرنسا طلبًا للعلم فقط، ولكن هروبًا من ثقافة الغش أيضًا. "يتحدث الجزائريون عن الغش في الامتحانات، في البكالوريا فقط، لأنها امتحان مهم شعبيًا، ويخضع لإضاءة إعلامية كبيرة، لكنهم لا يتحدثون عن الغش الموجود في الامتحانات الأخرى، وتلك التي تجرى خلال الفصول".

يضيف بوكفة: "من ينتبه إلى آلاف الطلبة الذين ينتقلون إلى الصفوف الموالية من غير جهد يذكر؟ أو عن عدد مهول من مذكرات التخرج التي يستنسخها الطلبة ويتقدمون بها لنيل الشهادات العليا؟".

من جهته قال عبد العالي مزغيش رئيس "جمعية الكلمة" ذات الحضور الجامعي، إن البكالوريا ليست مجرد امتحان، بل هي ترتبط أساسًا بمفهوم هيبة الدولة. "هناك من نال البكالوريا في العقود السابقة في أصعب الظروف، بل فيهم من راجع دروسه تحت ضوء الشمعة في غياب الكهرباء عن البيت بشكل دائم، فكان النجاح مع ذلك أمرًا باهرًا".

مزغيش قدم في حديثه لـ"الترا صوت" شهادة حية: "شاهدت بأم عيني كيف تجرى بعض امتحانات الجامعة، حيث لم يعد لها معنى، لأنها فرص للتواطؤ في فرض النجاح بكل أساليب الغش المتاحة، وربما ساهم بعض الأساتذة في هذا التعفن". ويختم بالتعبير عن أمنية أن "أرى عودة البكالوريا إلى زمن، كانت فيه الشهادة ترفع من مرتبة المتحصل عليها بين الناس".

اقرأ/ي أيضًا:

الثانوية العامة.. الحكومة هي المجرم

طلبة جزائريون.. ظاهرة العمل في العطل