البرع.. رقصة الحرب اليمانية

البرع.. رقصة الحرب اليمانية

راقصو البرع (خالد عبد الله/ رويترز)

ما لا يقوله تاريخ الشعوب يقولُه تراثها، وما يقوله تراثها يحكيه الرقص بأساليبه وإيقاعاته ومؤدوه وأدواتهم. بشكلٍ آخر، يحكي الرقص فلسفة كلِّ شعبٍ من الشعوب الحضارية للحياة، وهو باختصار "كتالوج" هذا الشعب وشيفرتهُ الواشية.

في اليمن، تشتهرُ رقصةُ البَرَعْ، سيدةُ رقصاتِ هذه البلاد، التي على تنوُّعها وانقساماتِها السطحية والعميقة، تبدو متحدةً في "البَرَعْ"، وهي كلمة دارجة تعني لغةً "البراعة"، واصطلاحًا "الخطوات السريعة المنتظمة"، وعمومًا "الرقص"، بحسب ما أفاد لـ"الترا صوت" علي المحمدي، مدير عام الفنون الشعبية بوزارة الثقافة اليمنية، وقائد فرقتها الراقصة.

الرقص "كتالوج" الشعب وشيفرتهُ الوراثية

وفي تفسيره لماهية "البرع" أوضح المحمدي، أنها رقصة قتالية محضة، تؤدى عادةً أثناء احتشاد القبائل للمعارِك، وهدفها كما أوضح "تحفيز المحاربين لخوض المعركة"، وقراءته كأكاديمي متخصص في الموضوع، تتلخَّص بأنها "تدريب قتالي للمُحاربين قبل المعركة لتحضيرهم بدنيًا ونفسيًا لخوضها، وخصوصًا في مناطق المرتفعات شمال اليمن، والتي تقلُّ فيها نسبة الأوكسجين".

وعلى غير السائد حول رقصة البرع، بوصفها تعبيرًا حصريًا عن ثقافة الحرب لدى مجتمع القبائل في الشمال الغربيّ لليمن، يبين المحمدي أن هناكَ أنواعًا كثيرة لـ"البرع"، تُعرف بأسماء المناطق، فمِنها البرع التهامي، واليافعي، والمهري، والصعدي، والحُجَري أو "التعزي" وغيرها، مشيرًا إلى أن هناك أنواعٌ تؤدى بأسلحة، وأخرى بأدواتٍ أخرى كناية عن السلاح، كرقصة "العِدّة" الحضرمية التي يستخدمُ فيها "العصا" و"الترس"، وبعضٌ أخير يؤدى أعزل من الأدوات.

لكنّ المحمدي عاد وميز بين جميع أنواع هذه الرقصات، وبين "البرع الصنعاني" السائِد رسميًّا وإعلاميًا، والذي يتميز عنها بكونه يؤدى على 4 إيقاعات، تبدأ من المرحلة الأبطأ إلى الأسرع، "الدسعة (الخطوة)، الوسطى، السارع، الهوشلية/ الفوضى"، حيثُ يؤدى بالسلاح الأبيض، منذُ القِدم، قبل أن يدخل عليه البعض "البندقيّة" في العقود الأخيرة.

وإذا كان تكريس البرع "الصنعاني خاصةً" المتسم أداؤهُ بحضورٍ طاغٍ للخنجر اليمني "الجنبية" والبندقيَّة، من قبل نظام صالح على مدى عقودٍ مضت، كصورةٍ ثقافية عن جائحتهِ القتاليَّة المأزومة، وطبيعته كتعبيرٍ عن دولةِ القبيلَةِ التي تباهى بفوضويتها. فإن جماعة الحوثي قد عززت ذات الصورة لهذا الفنّ مصحوباً بالزامل "نوعٌ من الإنشاد القبَليّ"، مدخلاً لأدلجة القبائل اليمنية، واستقطابها للقتال تحت لواء الجماعة.

 بيد أن الكاتب اليمني أحمد محمد راجح يرفض ما يسميه بـ"الغمز واللمز الذي لا تحتمله مقاربة التعبيرات الفنية الشعبية"، مشيراً إلى أن البرع من "تعبيرات البهجة الوحيدة لدى القبائل"، ومعتبرًا إياه "حالة جمالية رائعة تبعث النشوة والفرح والسوية النفسية".

يستخدم الحوثيون إنشاد "الزامل" القبلي لتسريب فكرهم العدمي بين أبناء القبائل على طريق تجميل الموت والانتحار 

راجح فرّق، في حديثه لـ"الترا صوت"، بين رقصة البرع و"الزامل"، وهو إنشادٌ شعريّ قبليّ يسبقُ الرقص، معتبراً أن الزوامل، جمع الزامل، التي يرددها الحوثيون في خطابهم الأيديولوجي والإعلامي، "تعبيرات موازية للحرب" فيها تحريض وتعبئة وتسريب لفكرهم العدمي وتجميل للموت والانتحار وتأجيجٌ لمشاعر الأتباع".

واعتبر راجح أن الزامل من أسلحة الحوثيين لـ"مغازلة عاطفة رجال القبائل باللغة التي يفهمونها مع خلطة دينية مذهبية"، منافحاً في الوقت ذاته عن "البرع"، نافياً علاقتها "بتهيئة الأفراد للحرب، وثقافة القتال"، ورافضاً إسقاط التأويلات عليها، غير أن المحمدي أكد كمتخصص في الفنون الأدائية، على أن "البرع" تعبر عن الحرب والتهيئة لها.

من جهتها أشارت الأديبة والمختصة النفسية اليمنية ريم القاضي إلى دلالة الرقص في التعبير عن ثقافة الشعوب، وسلوكها الفردي والاجتماعي، مشيرةً إلى دور الرقص في الكشف عن خصوصيات المجتمعات، "كما يبدو من خلال الرقص لدى بعض الشعوب الآسيوية كاليابان والصين، والذي يوحي في أدائه الجماعي ودقةِ الراقصين، عن التماسُك والنظام والدقَّة التي يتميز بهِ أبناء هذهِ الشعوب".

وناقضَت القاضي بين هذه التعبيرات التي يوحي بها الرقص في اليابان والصين، وأخرى توحي بها بعض الرقصات الفردية ذات المنشأ الغربي، والتي تشير إلى الثقافة الفردية السائدة في تلك الجتمعات، مقاربةً حالة الفوضى والعنف التي تسودُ الرقصات السنغالية، والتي "شأنها كشأن غالبية الرقصاتٍ الأفريقيّة، والتي يحضر فيها عنصر العُنف والفوضى، وسلوك الحرب"، وبين رقصة البرع، التي يحضُر فيها "عُنصر المبارزة والأسلحة، والتحفز الدائم للمواجهة".

واختتمت القاضي حديثها بالقول إن الرقص تحرير للأعماق من العلائق، وطقس استكشافي لمواضع الجسد، معتبرةً أنه "محاولة لتليين ذواتنا المتخشبة"، واصفةً "خفقات الرقص" بأنها "تملأُ فراغاتٍ معينة في الوقت والروح كذلك".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

العود في اليمن.. من صفائح زيوت السيارات

ليست سرقته الأولى.. حسين الجسمي يسطو من جديد على موسيقى اليمن