الاحتيال السعودي والأسد الذي لم ينتصر

الاحتيال السعودي والأسد الذي لم ينتصر

لا تأبه فاشيات المعازل العرقية والطائفية للدمار، فهو جوهر مشروعها (Getty)

لا يعد من الممتع أو المستجد العودة لحكاية بذور الربيع العربي 2011، بالتوازي والتضاد مع ديناصورات الثورات المضادة التي افترسته. لولا أن مفاعيل مجريات ذلك العام وما تلاها باقية في ساحة الفعل والتأثير على المصائر العربية المتردية بفعل حالة التضامن الحديدي المستعدي الشعوب، بذات القدر الذي استعدى فيه مطالبها، ليس بالحرية أو دمقرطة الفضاء السياسي وحسب، بل وبالخبز أيضًا.

ربما تشكل الحالة السورية أخصب المساحات وأعنفها للتدليل على فوضى الشعوذة السلطوية المعممة منذ 2011 حيثما صرح الناس حتى بالحد الأدنى من عدم قبول التسلط القائم في حيواتهم. أما المآلات التي عرفتها ثورة الشعب السوري، من تهجير وتكفير وتطهير عرقي وخلافه من ادعاءات نصرة ودعم لم يثبت إلا عمق أبعاده التدميرية لمجمل الشعب السوري، على تنوع مواقفه وانتماءاته الإثنية والمذهبية والسياسية، بقدر لا يقل إجرامًا وخطورة عما لمنهجية نظام الأسد الابن، فتشكل استدلالًا مضافًا على الأبعاد المركبة لتحديات الفعل الثوري وآفاق المطالب الشعبية في المنطقة العربية بالمجمل، لا الساحة السورية فقط.

لا يتحرج التهليل "الممانعاتي" لادعاء انتصار الأسد بشكل لا يتجاوز حدود التعويم الخطابي من إنكار واقع استجلاب احتلالات مركبة لسوريا

لكن ما اشتد إلحاح التوقف لديه مؤخرًا أكذوبة متصاعدة على ضفتين، أولهما التهليل "الممانعاتي" لانتصار الأسد بشكل لا يتجاوز حدود التعويم الخطابي بما يجافي أدنى متطلبات الدقة حتى ميدانيًا، رفقة توسع مناطق سيطرة داعمي النظام في الجغرافية السورية ضمن أطر دعمه وتغطيته جوًا وبرًا. بل والقتال نيابة عن قواته من طرف معسكر نفخ الروح فيه. وهو معسكر بدأت تناقضاته واختلاف أجنداته تتبلور في العلن دون اكتراث سواء من طرف موسكو أو طهران بتجميله. فالتجميل صنعة الأسد وحده، أينما لا يصير التدخل الأجنبي والارتهان للقناصل وضباط الصف الأجانب احتلالًا أو استعمارًا مستجدًا بل وتطبيع هذا التدخل بادعاء تدخل مضاد. وربما لا يصطف التجميل خيارًا في حالة مماثلة، فالأطراف عدة والأجندات أكثر من عدد المتدخلين حتى، ولم تعد غنائية الإسناد الاستشاري مقنعة حتى لمنصات من روجها في بدايات عسكرة الثورة واغتيالها نحو الحرب الأهلية  والحرب بالوكالة بما تجاوز حالة البلقنة وأمسى بحاجة سرد اصطلاحي يجترح ضمن خصوصية كارثيته.

اقرأ/ي أيضًا: الطائفية والثورة في مجتمع طوائف

لم يكن خيار داعمي بشار الأسد الأصلاء انتظار تغيرات شكلانية لممارسة ما لفعل الثورة المضادة من ثقل يصون ما لهم من تبعيات في الأرض السورية، كما للمتصالحين، في خندق الرياض وأبوظبي، مع بقائه من سيناريوهات بدأت واستمرت في ليبيا وتونس ومصر لفوارق قد تبدو شاسعة، لكن حربهم في اليمن وكذلك على الشعب البحريني بذات أدوات الحالة السورية من شيطنة ومسخ ديمغرافي تصرح بأن لا إشكال أخلاقي لهؤلاء مع الإجرام، بل سؤالهم يكون من يمارسه، فهو حلال منزل لهم، حرام على غيرهم إلى حين التوافق عليه أو على بقائه كما حالة الأسد.

وفي هذا ما يحيل إلى الضفة الثانية لتصاعد الأكذوبة التي تغطي الاحتلالات بخطابات النصر، فخلاصة "دعم" السعودية للثورة السورية، أو زيف ادعاء عدائها للأسد بشكل أكثر موثوقية، هذا أن من التجني على كل ضحايا نظام الأسد ومن عارضه القول بالدعم السعودي لثورتهم المغدورة، تتجلى  بعد أسابيع قليلة من قفزات وزير خارجية الرياض عادل الجبير نحو سيناريو العهد الترامبي بأن لا مشكل يمثله الأسد، لتنتقل تخبطات الرياض المكوكية نحو الرقة التي لا يمكن القول بعد بمغادرة ظلال داعش لفضائها، تمامًا كمجمل الجغرافية التي عرفته، أو التي كانت مغزى "لفتوحاته" أو تلك التي تنتظر.

 من التجني على كل ضحايا نظام الأسد ومن عارضه القول بالدعم السعودي لثورتهم المغدورة

البعيد عن الاستغراب أيضًا للمطالع العادي للفوضى السعودية، خاصة في عهد السلمانيين المستجد، أو عهد آل سعود أبناء زايد، الخلط المتعمد للتسلل في ملف الأسد نحو الملف الكردي على ضفتي الفرات، سواء باللعب مع سوريا الديمقراطية/ وحدات حماية الشعب أو العزف المستتر في ملف "الاستفتاء البرزاني" الذي يصادر حق تقرير مصير الكرد من الكرد أنفسهم.

يبدو أن خيطًا غليظًا بوقعه يجمع عناصر "كنتنة" المنطقة العربية وفرزها لملل ونحل وطوائف وقبائل بما ينفي مصالح ساكنتها الممكنة فقط بإحقاق المواطنة في أوطان ديمقراطية، بدأ بوطن قومي يهودي، وللسخرية "ديمقراطي" ليهوده فقط، معرجًا على مسرح الدمى السمج لمشروع وطن سعد حداد وأنطوان لحد وبشير الجميل، وصولًا للفاشيات المتصاعدة من عراق بول بريمر وكردستان برزاني حتى ابن سلمان وأبناء زايد، ولا تغيب عنهم سوريا الأسد والاحترافية في حرق البلد.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تحت مرمى الهويات القاتلة

الجيش في سوريا.. من عقائدية المؤسسة إلى مليشيا العائلة وطائفيتها