ultracheck
  1. قول

الأمازيغية في الجزائر.. من السجن إلى الدستور

7 يناير 2016
أطفال يكتبون بالأمازيغية
عبد الرزاق بوكبة عبد الرزاق بوكبة

لا زلتُ أذكر تفاصيل المشهد العائد إلى مطلع القرن الجديد، كأنه حدث البارحة فقط: نخبة من الشرطة تهجم على نخبة من الشباب الأمازيغ، في مدينة سطيف شرقًا، لتفرّق مظاهرتهم المطالبة بدسترة اللغة الأمازيغية. ومما علق في البال أكثر، عصا أحد رجال الشرطة وهي تهوي على وجه شاب متظاهر، عثرت به قدمُه فلم يتمكن من الفرار. كان يتلقى الضربات، من غير أن يكفّ عن الهتاف للغة الأجداد.

أثبت الزمن الجزائري الذي لا يشبهه زمن آخر، أن دسترة أمر لا يعني أنه سيؤول بالضرورة إلى الرعاية والحماية

ليلًا.. التقيت الفتى في طابور المطعم الجامعي، والكدمات تعوي في كامل وجهه، فقال لي عبارة بقيت هي الأخرى عالقة في البال: "شكرًا للشرطي الذي أورثني ندبة في وجهي، لأنني سأجد دليلًا ماديًا أقدّمه لولدي، على أنني ناضلت من أجل لغتي"، قلت له: وهل قدر ولدك ألا يرث عنك إلا الندوب؟

كان ذلك المشهد ينتمي إلى العهدة الأولى للرئيس الحالي، وقد تكرّر أكثر من مرة في عهدتيه الثانية والثالثة، بل إن بعض المشاهد أزهق أرواحًا، ولم يكتفِ بالتسبّب في ندبة أو رعاف فقط، وها هو الرئيس نفسُه، بغض النظر عن كونه على علم أو على جهل، في ظلّ حالته الصحية غير المعروفة بدقة لدى الشعب، يأمر بدسترة اللغة الأمازيغية، لتصبح لغة وطنية رسمية إلى جانب اللغة العربية.

هنا يطرح هذا السؤال العنقودي نفسه: هل فعل السيد بوتفليقة ذلك تكفيرًا عن ذنب ظل يستشعره في حق تلك الأرواح، وخوفًا على سقوط أرواح أخرى، بعد أن أكدت له التجارب، أن الدسترة مطلب غير قابل للنقاش في أوساط الأمازيغ؟ أم هي محاولة منه لاحتواء الغضب الأمازيغي المتنامي، والقابل للانفجار في أية لحظة، خاصة في ظل بوادر تقول إن هناك حراكًا شعبيًا ضد قانون المالية الجديد، وستكون شرارته الأولى، كالعادة، على يد المواطنين الأمازيغ؟ أم دشّن هذه الخطوة التي عمرها من عمر الاستقلال الوطني، لإدراكه كونَها خطوة حضارية في حق لغة أصيلة داخل الفضاء الجزائري، صمدت قرونًا من الزمن، في وجه كل العواصف التي عصفت بلغات أخرى في النسيج اللغوي العالمي، وبقيت سيدة الملايين من الألسنة الجزائرية، رغم كل محاولات المحو؟

من التعسف الحكم على نية الرجل، كما أنه من المبالغة التهليل للخطوة، من طرف المرحبين بها في الوقت نفسه، فقد أثبت الزمن الجزائري الذي لا يشبهه زمن آخر، أن دسترة أمر في الجزائر، لا يعني أنه سيؤول بالضرورة إلى الرعاية والحماية، وهو المقصود أصلًا من الدسترة، فاللغة العربية ذاتها، كانت في طليعة الثوابت الوطنية المدسترة، منذ أول دستور عرفته الجزائر المستقلة مطلع ستينيات القرن العشرين، مع ذلك فهي منهكة ومنتهكة، على يد واضعي الدستور أنفسهم.

على الذين ساهموا في دخول الأمازيغية إلى الدستور، أن ينسحبوا لصالح أهل العلم حتى يقرّروا طرائق تدريسها وتطويرها

لقد تابعتُ النقاشات التي أثارها القرار، بين النخب المثقفة، ولاحظتُ أن بعضهم ما يزال نائيًا عن قراءة لحظته الجزائرية، بعيدًا عن التعصب والانغلاق، بل إن بعضهم راح يتباكى على لغة القرآن، وكأن الأمازيغية ستحل محلها، بصفتها لغة الشيطان، أو كأن ملايين الأمازيغ الذي اعتنقوا الإسلام دينًا والجزائر وطنًا، على مدار قرون من الزمن، سيصبح هاجسهم الأكبر، بعد دسترة لغتهم، أن يمحوا العربية والعرب من هذا الفضاء المشترك.

إن كان هناك ما يجب أن يقوله عاقل في هذه المناسبة، فهو أن الرهان بات جماعيًا، بين الجزائريين كلهم، لبذل ما يجب أن يُبذل من جهود، قصد تطوير هذه اللغة التي ترتبط بالأصول، وتنقيتها من أبعادها الشفوية، بإلحاقها بمخابر البحث لا بمخابر السياسة، وتشجيع المنابر التي تحتفي بأدبياتها وفنونها وترجمتها، فقد استطاع الجزائريون أن يضيفوا إلى اللغة الفرنسية، حتى لا أقول لغة الاحتلال، فلماذا لا يفعلون ذلك مع لغتهم الأم؟

هنا يتعيّن على السياسيين الذي ساهموا في دخول اللغة الأمازيغية إلى الدستور، أن ينسحبوا لصالح أهل العلم والاختصاص، حتى يقرّروا، بشروط العلم لا السياسة، طرائق تدريسها وتطويرها، وطبيعة الخط الذي تُكتب به. 
 
اقرأ/ي أيضًا:

اللغة الأمازيغية تدخل الجامعات الليبية

شعر أمازيغ الجزائر.. ذاكرة الألم

كلمات مفتاحية
عزمي بشارة

هجوم "معاريف" على عزمي بشارة: "صناعة عدو" وتغطية للفشل في معركة الدعم الأميركي

عندما تبدأ أقدم تحالفات إسرائيل وأكثرها موثوقية في منطقة الشرق الأوسط بالتآكل بشكل واضح، يُتاح أمام المعلقين والباحثين المهتمين بالشأن الإسرائيلي عادةً مسارٌ يستحيل انتهاجه

الحوار المهيكل

إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا بين منطق التسوية وإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية

يقف المشهد السياسي الليبي أمام مفارقة مركّبة: من جهة، تبدو الحاجة إلى سلطة تنفيذية موحّدة شرطًا عمليًا لإنهاء الانقسام المؤسسي وتوفير بيئة انتخابية قابلة للإدارة

إيتمار بن غفير

من "العائلات الثكلى" إلى "المواطن الأمني": كيف تعيد إسرائيل توزيع العنف داخل المجتمع؟

أثار قرار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بتعيين أفراد من "العائلات الثكلى" كمراقبين على أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية جدلًا واسعًا

كأس العالم 2026
رياضة

مباراة لا يريدها أحد.. لماذا تُقام مواجهة المركز الثالث في كأس العالم؟

رغم الانتقادات المتكررة، فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم يتمسك بإقامة مباراة المركز الثالث في كأس العالم، فلماذا يصرّ على ذلك؟

الفيضانات في السودان
علوم

هل ستتآمر ظاهرة "النينيو" مع الحرب هذا العام على السودانيين؟

في السودان، يرتبط نشاط ظاهرة "النينيو" تاريخيًا ومناخيًا بتأثيرات مباشرة على موسم الأمطار من حزيران/يونيو وحتى تشرين الأول/أكتوبر

مقاتلون من الجبهة الوطنية لتحرير أزواد
سياق متصل

جذور الصراع في أزواد.. من حلم الاستقلال إلى حرب الجميع ضد الجميع (الجزء الثاني)

في الجزء الثاني والأخير، نتتبع مسار الأزمة الأزوادية منذ انهيار الدولة المالية في شمال البلاد، مرورًا بصعود الجماعات الجهادية والتدخلات الدولية واتفاق الجزائر للسلام

الجريمة في المجتمع العربي
سياق متصل

تحويل ميزانيات الداخل الفلسطيني إلى الأمن: هل تعالج إسرائيل الجريمة أم تعيد تعريفها؟

تفتح خطوة الحكومة الإسرائيلية اقتطاع مئات ملايين الشواكل من ميزانيات مخصصة للمجتمع العربي وتحويلها إلى الأجهزة الأمنية فصلًا جديدًا في العلاقة المتوترة مع فلسطينيي الداخل