إدارة الحوار أو إدارة التوحش

إدارة الحوار أو إدارة التوحش

تغوّلت "داعش" حتى تمكنت من النيل من عاصمة الأنوار(تيري شسنو/Getty)

لقد تأسّست الدولة الحديثة في عالمنا العربي بالحديد والنار وتحت رعاية الاستبداد، ما جعل مكتسبات الحداثة تواجه مخلّفات الاستبداد السياسي، وأهمّها النزوع للتطرف والعنف مع غياب ثقافة الحوار وإدارة الاختلاف بشكل حضاري. وبقدر ما عبّرت عنه منظومة الحداثة الغربيّة من دعم وحفظ للحقوق والحرّيات، العامة والخاصّة، إلاّ أنّ دول ما بعد الاستقلال العربيّة لم تتوان في انتهاك جميعها، وأهمّها الحرّيات السياسيّة والدينيّة.

إنّ التقاء مفاعيل الاستبداد مع تجهيل ديني قسري في المواطن العربي المسلم جعله يتحوّل إلى كتلة من العنف 

للأسف الشديد كانت هذه الانتهاكات بإيعاز من دول وجهات ترفع لواء الديمقراطيّة والحريّة في العالم، وهو ما جعلها تقع في ازدواجيّة المعايير المعتمدة وتناقض الخطاب مع الممارسة. إنّ التقاء مفاعيل الاستبداد مع تجهيل ديني قسري في المواطن العربي المسلم جعله يتحوّل إلى كتلة من العنف ونوع خاص من المحروقات جاهز للاشتعال في كل مكان وفي كل وقت.

مثّل الربيع العربيّ نقطة تحوّل في المنطقة والعالم إذ أسقط أنظمة منتهية الصلوحيّة السياسية والأخلاقيّة منذ زمن، كما أسقط ورقة التّوت عن "ميكانيزمات" تعاطي النظام الدولي مع العالم العربيّ والإسلاميّ وعلى رأسه القضيّة الفلسطينيّة. ورغم الطبيعة السيكولوجية للمجتمعات العربية المقهورة وحجم الندوب التي تعتريها، إلاّ أنّها فضّلت نداءات الحرّية والكرامة على دعوات الحقد والكراهية، كما طالبت بـتأسيس دول ديمقراطيّة تحترم شعوبها ومجتمعاتها. ومع ذلك وجهت هذه المطالب في أكثر من دولة بمخططات استيعاب أو تدمير لأحلام الشعوب، أحلام بسيطة ولكنها ثمينة جدًا.

تدخّلت المنظومة العالمّية في أكثر من موضع محاولة التصدّي لمطالب الحريّة والعدالة، ممّا زاد في تنامي الإحساس بالقهر والغلبة لدى هذه الشعوب، كما غذى بذور العنف والتطرّف لدى أشخاص وجهات لها الاستعدادت النفسية والثقافية لتتحوّل إلى عبوات ناسفة متنقلّة .

إنّ عمليّة الوقوف ضدّ دمقرطة العالم العربي لن تستفيد منها إلاّ قوى التطرّف والإرهاب الرامية لتكريس حرب الكلّ ضدّ الكلّ وتحويل العالم إلى ساحة فوضى واقتتال. لقد تنامت مؤخرًا الظاهرة الإرهابيّة وتغوّلت "داعش" حتى تمكنت من النيل من عاصمة الأنوار "باريس".

فرنسا التي أنجبت "ديكارت" و"دور كايم" و"أوغست كونت" تنجب اليوم شبابًا يطوّق صدره بالأحزمة النّاسفة ويدمّر أجمل المدن والأماكن في العالم. وليست فرنسا استثناءًا في ذلك، حيث تحوّل الإرهاب إلى ظاهرة عالميّة يغذيها الظلم والحيف العالميّ. لكن ما حدث في باريس لليلة واحدة يحدث كل لحظة في سوريا والعراق وفلسطين.

إنّه من الضّروري أن نتعامل مع مثل هذه الأحداث الإجراميّة جميعها دون تمييز بما يؤسّس لأرضيّة مشتركة ترفض الإرهاب وتضع حلولًا جدّية لمكافحته، وأولى الخطوات لذلك هو منح الشعوب حقها في تقرير مصيرها وفتح أفق الحوار الحضاري بينها.

اقرأ/ي أيضًا:

علم فرنسا وسوريا المتخيلة

كفنوني بالعلم الفرنسي