31-مارس-2024
لوحة لـ سليمان منصور/ فلسطين

لوحة لـ سليمان منصور/ فلسطين

قبل نحو خمسة عشر عامًا طلب منّي أحد المخرجين كتابة مسلسل عن ياسر عرفات، نعم هكذا، كان المخرج والشركة التي تُفكّر في إنتاج العمل يرون أنّه سيكون عملًا ناجحًا فقط لأنه يروي سيرة زعيم فلسطيني تبدو سيرته مشوّقة كثيرًا على الصعيد الدرامي. وافقت على العمل وبدأت في تجميع المصادر، وعملت شهورًا عديدة على إعداد معالجة درامية موسّعة وصلت إلى أكثر من مئة صفحة ودفعت بها إلى المخرج المتحمّس كثيرًا لبدء العمل.

بعد شهر تقريبًا، جاءني المخرج ومعه ملاحظات على معالجتي الدرامية يُمكن تلخيصها على الشكل التالي: لا يُمكننا الحديث عن أيلول الأسود، لا يُمكننا قطعًا الحديث عن تلّ الزعتر ولا عن حرب المخيّمات فنحن في سوريا، لا يُمكننا الحديث عن احتلال الكويت ولا عن حرب الخليج بشكل عام، لا يُمكننا الحديث عن اتّفاقات أوسلو، ومنذ البداية لا يُمكننا التطرّق إلى أنّ ياسر عرفات ورفاقه كانوا في تنظيم الإخوان المسلمين قبل تأسيسهم حركة فتح. لا أدري ما الذي يُمكننا الحديث عنه إذن؟

كان هذا مثال على طريقة تعامل صنّاع الدراما العربية مع موضوع فلسطين، ومن الواضح أنّهم يُفضّلون عدم التطرّق للموضوع، وإلاّ فما معنى غياب فلسطين والقضيّة الفلسطينية بعد المسلسل الملحميّ "التغريبة الفلسطينية"؟ لقد تمّ إنتاج أعمال تلفزيونية حول الموضوع الفلسطيني قبل "التغريبة" مثل مسلسلي "عزّ الدين القسّام" و"بأم عيني" اللذين أنتجتهما منظّمة التحرير الفلسطينية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ولكنّهما كانا قبل فورة الدراما التي بدأت بقوّة في أوائل التسعينيات. وهما في كلّ الأحوال من إنتاج جهة فلسطينية. ثمّ تمّ إنتاج بعض المسلسلات التي تدور حول جزئية معيّنة من التاريخ الفلسطيني، مثل "الاجتياح" أو "عائد إلى حيفا" أو "أنا القدس" و"روح القدس".

غياب الشخصية الفلسطينية في مسلسلات مثل "ليالي الحلمية" و "رأفت الهجان" يُظهر نقصًا واضحًا في التمثيل الحقيقي للقضية الفلسطينية في الدراما العربية

لكنّ هذه الأعمال لم تلقّ رواجًا كبيرًا ولم تُحقّق نسبة مشاهدات عالية، رغم أنّ مسلسل الاجتياح قد حصل على جائزة إيمي العالمية عام 2007، إلاّ أنّه لم يحظَ بنسبة مشاهدات عالية من الجمهور العربيّ. الكلام هنا عن المسلسلات التي تتناول الموضوع الفلسطينيّ بشكل مباشر وخاصّ. ولكن يحضر هنا سؤال: ماذا عن فلسطين والفلسطينيين في الدراما العربية؟

إنّ مصطلح الدراما العربية للدلالة على المسلسلات التلفزيوينة التي يتمّ إنتاجها في مصر وسوريّا ولبنان بشكل رئيسيّ، يدلّ على أنّ صانعيها يتوجّهون إلى مشاهد عربيّ، وينقلون صورة مجتمعاتهم عبر هذه الدراما، هل هذه هي فعلًا صورة هذه المجتمعات؟ هل هي خالية فعلًا من الفلسطينيين؟ هل أذكّركم بأسماء صنّاع سينما فلسطينيين؟ جبرائيل تلحمي مثلًا هو من أوائل المنتجين السينمائيين في مصر منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ثمّ حسين القلاّ، الذي أنتج أجمل أفلام ما يُطلق عليه سينما الموجة الجديدة في الثمانينيات. ويذكر جيل كبير من نجوم الدراما السوريّة الفنّان يوسف حنّا على أنه كان أستاذهم قبل أن يكون هناك معهد للتمثيل في دمشق.

لقد اندمج الفلسطينيون في المجتمعات التي استضافتهم وتفاعلوا معها، تأثّروا وأثّروا بها، فلماذا لا نراهم في الدراما إذًا؟ لماذا لا يوجد فلسطيني واحد في مسلسل كبير مثل "ليالي الحلميّة"؟ حتّى أنّه لا يرد اسم فلسطين في هذا المسلسل الملحميّ الطويل، رغم أنّه يستعرض المجتمع المصري منذ الأربعينيات وحتى التسعينيات، حيث يرد ذكر الحروب المصرية مع إسرائيل دون ذكر سبب تلك الحروب!!

وفي المسلسل الشهير "رأفت الهجّان"، الذي يحكي قصّة جاسوس مصريّ عاش زمنًا طويلًا متخفّيًا في فلسطين المحتلّة، لم نرَ طوال حلقاته فلسطينيًا واحدًا، ولم نسمع كلمة عن فلسطين! أليس موضوع فلسطين والصراع المرير الذي "يخوضه" العرب ضدّ إسرائيل أمرًا يعيش في قلوب ووجدان المواطنين العرب جميعًا؟ ويستحقّ أن يأخذ حقّه ضمن الأعمال الدرامية العربية؟ أم أنّه موضوع شائك ومزعج للصائمين؟ بينما الأعمال التي تدور أحداثها في عشوائيات المدن والملاهي الليلية والتي تتحدّث عن الخيانة والسرقة والجريمة وتُبرز شخصيات غريبة، هي الأعمال التي يراها صنّاع الدراما مناسبة للشهر الكريم!