ultracheck
  1. قول

أنا الدمية السوداء

2 ابريل 2016
ناشطون من المجتمع المدني الباكستاني في وقفة ضد تفجيرات لاهور (Getty)
سعاد عباس سعاد عباس

"الله لا ينسيكي ياه" جملة عزاءٍ اقشعرّ لها بدني حين سمعتها أول مرة توجَّه لأمٍ فقدت طفلها، إذ كنت أتصوّر أن هدف التعزية هو صرف انتباه الفاقد وتركيزه عن المتوفى ليتمكن من متابعة الحياة ونسيان هيمنة الموت، لكن الشرح جاء سريعًا: "لا ينسيك المصيبةَ إلا مصيبةٌ أخرى ولن تنسى الميت إلا بميت جديد".

غالبًا ما نجد على وجوه الموتى ما يشبه ابتسامة السكينة التي يعزوها المؤمنون إلى الخلاص

سنواتٌ مرت لنا فيها كل يوم موتى جدد يعبرون مسننات القتل المتعددة، وحتى نداء واستجداء البعض بألا نعتاد الموت لكيلا نتحول إلى أرقام في عدّاد الموت، حتى هذا حيله فَتَرَ وخَفَتَ صوته حدّ الصمت. صارت صورنا مقبرتنا. خبرٌ واحدٌ هو القهر، ولا نسيان تأتي به المصيبة التالية، نحمّل الموت أسماءً اخترعها آخرون بين الاغتيال أو الشهادة أو القتل، كأننا نتسلح في وجه عجزنا بالتراتبية التي تجعل "موتانا" أعلى شأنًا من سواهم.

اقرأ/ي أيضًا: "هزُلتْ" هكذا كان سيقول جدي

نحمّل الموت أيضًا جمالًا لا يتسع له، فبعيدًا عن تمزق الملامح في القتل الوحشي، غالبًا ما نجد على وجوه الموتى ما يشبه ابتسامة السكينة التي يعزوها المؤمنون إلى الخلاص والانتقال إلى الرحمة والنعيم، وقد تعزوها الثكالى إلى الجمال الأبدي للابن الذي لن يشيخ، والصبايا يذرفن الدمع على شبابٍ كالورد.

نتوقف كل يوم أمام الصور. نحزن، نتضامن، نكبّر، نبكي، وأحيانًا نهلل، ثم يعبرنا كما الأمس موتُ مئات الباكستانيين فنصمت ونشيح. قد يكون للعالم الأبيض هنا معايير مختلفة للتعاطف أو التضامن أو التجاهل، ولست بواردها فقد فندها كثيرون تحليلًا وتحقيرًا. لكن، لعالمنا البني الأسمر "الحنطي" ردود فعلٍ لا تكاد تذكر، وكهجمةٍ ارتداديةٍ على الصمت الذي قد لا يعدو أن يكون اعترافًا باللاجدوى، تنهال تهم العنصرية أو اللاإنسانية، على الرغم من أن أي مقهور يعلم أن صيحته لن تنقذهم، والعالم يعرف أن التعاطف لن يغير مصائرهم، ففي النتيجة هم رفاق القاع، يموتون كموتنا باختلاف لون القاتل ربما، أو بنفس اللون أحيانًا، لا سيما أن وعي أكثرنا قد تشكّلَ على هذه القصص، فالذاكرة تعجُّ بصور أشلاء مسلمين نسفهم مسلمون، وملونين نكّل بهم ملونون.

اقرأ/ي أيضًا: تلك "الأقلية" اللامرئية في دمشق

هو توقع البشاعة في مناطقنا القاتمة، وصدمة اللامتوقع حين يهجم الموت على أولئك البيض الجميلين المكشوفين للشمس بشعورهم الحرة، ما يجعل موتهم مستفِزًا حتى للضحايا الغامقين، هي الحسرة على الذات ما يجعل بعضنا لا يلتفت ربما لقتلى تماهوا مع الفقر حتى صاروه، أو لعله اليقين بالاستحقاق، فنحن نشبه الدمية السوداء، في التجربة النفسية الشهيرة حيث يضع العالم على طاولةٍ صغيرةٍ دميتين، إحداهما سوداء والأخرى بيضاء ويطلب من أطفالٍ سود البشرة أن يختاروا أي الدميتين هي الجميلة، أيهما الجيدة، اللطيفة، وتأتي أغلب الإجابات بأن الدمية البيضاء جيدة والسوداء قبيحة وسيئة. الأسوأ حين يسأل إحدى الطفلات أي الدميتين تشبهك فتشير إلى السوداء. تقول في صمتها "أنا الدمية القبيحة".

كأننا نتسلح في وجه عجزنا بالتراتبية التي تجعل "موتانا" أعلى شأنًا من سواهم

نحن الدمى القبيحة. هكذا نعبر عن أنفسنا وهكذ نتعاطف مع القتلى ذوي العيون الملونة. حبيبان متعانقان بأناقة، أم رشيقة تضم طفلا ذهبيًا، جميعهم أجمل من جثثنا المضرجة في أسمالٍ بالية قاتمة، للسبب عينه ربما هاج العالم حزنًا مع إيلان الكردي بكنزته الحمراء وأناقة موته حابيًا على الشاطئ. لا صور كهذه في لاهور أو في إدلب. نحزن حقًا ولكننا نشيح بوجهنا عن اللاجمال بلاقصد وبلا عنصرية. 

بكل الأحوال بعيدًا عن الألوان والصور البهية وعن تهليلاتنا جميعًا هناك آخرون يحرقون القلب بغيابهم، أولئك اللاموعودين بالحور ولا الساعين إلى الموت بل إلى الحياة، من لا يحمّلون أحدًا وزر أهدافهم وقضاياهم ولا يدسون عقيدتهم في أنفك لتتنفسها أو تموت، هؤلاء الذين لا يبالي القتلة بتبني ولا بنفي اغتيالهم. يموتون غيرَ مثابين، فلا توشّى أكفانهم بأوسمة وطنٍ ما، ولا يكافئهم إلهٌ بعذراء بيضاء لا سمراء ولا حتى حنطية.

اقرأ/ي أيضًا:

أنا فلسطينية ولكن دمي ليس فلسطينيًا

دقائق الصمت المهدورة

كلمات مفتاحية
الجيش المصري

السيسي يعزز التزام مصر تجاه السعودية.. هل تنخرط القاهرة في مواجهة الحوثيين؟

رفع الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، سقف الالتزام المصري بأمن السعودية

السودان

أسئلة ما بعد الحرب.. حدود السودان وجيرانه من الأزمة إلى التكامل

تثير كارثة استهداف الطيران الحربي المصري للمعدنين السودانيين سؤال الحدود بين السودان وجيرانه

جندي إثيوبي

إثيوبيا وإريتريا.. ألغام التاريخ وسطوة الجغرافيا

لم يكد سكان تيغراي يلتقطون أنفاسهم حتى عاد شبح القتال يخيّم على شمال إثيوبيا

المستوطنون يسرقون الزيتون ويعتدون على قاطفيه: جمعة من الاعتداءات في الضفة الغربية
سياق متصل

المستوطنون يسرقون الزيتون ويعتدون على قاطفيه: جمعة من الاعتداءات في الضفة الغربية

رغم أن عنف المستوطنين يسجل ذروات جديدة باستمرار، فإن موسم قطف الزيتون بات أبرز محطة يستغلها المستوطنون لتوسيع هجماتهم وتصعيدها، في امتداد للعنف اليومي الذي تشهده الضفة الغربية، لا في انفصال عنه.

كأس أمم أفريقيا
رياضة

نهائي أمم أفريقيا أمام "كاس".. هل يبقى اللقب في المغرب أم يعود إلى السنغال؟

النتيجة النهائية ستحدد ما إذا كان لقب أمم أفريقيا سيبقى للمغرب استنادًا إلى قرار "كاف"، أم أن "كاس" ستلغي القرار وتعيد الاعتبار إلى النتيجة التي انتهى إليها النهائي على أرض الملعب

النفط
أعمال

هامش الأمان يتقلّص.. العالم يقترب من استنزاف مخزونه النفطي الاحتياطي

أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية النفطية لا تزال موجودة عالميًا، والجزء الأكبر منها غير متاح عمليًا للاستخدام الفوري

نوبل
علوم

جائزة نوبل للكيمياء.. عالمان يحلان لغزًا عمره أكثر من قرن

فاز العالمان الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر