13-أكتوبر-2015

رحلة لجوء طويلة (محمد عبد/أ.ف.ب/Getty)

المكان: عكا، فلسطين.

الزمان: اليوم الأخير من سنة 1928، الأم اللبنانيّة، واحدة من زوجتين لرجل إقطاعي، تصرخ. الرجل في الخارج ينتظر البشرى، تركض "الدايّة" مزغردة: بنت بنت اسم الله حولها وحواليها. يحمد الرجل ربّه.

وُلدِت أم أمين.

عكا، الطفولة المبكرة والمراهقة، العائلة الكبيرة الغنيّة. ذكريات كثيرة. صمم بالأذن اليمنى رافقها منذ سنوات العمر الأولى حتى اليوم، ذكريات المزرعة، والتي كان اسمها لسبب ما "كسرى"، لا تنتهي. تبقى أم أمين تتحدث عن كسرى كأجمل ذكرياتها البعيدة المرميّة هناك في فلسطين المحتلة. عشرون سنة أولى ما زالت عالقة في ذاكرة المرأة، التي قارب عمرها الوصول إلى التسعين وأصيبت بالزهايمر أخيرًا، كأنّها حدثت يوم أمس.

تركتْ المدرسة مبكرًا وتعلمتْ الخياطة لتصبح أمهر من الآخرين، أقرانها بالعمر. تحكي أم أمين قصتها لواحد من أحفادها للمرة الألف: والدي كان إقطاعيًّا، كان لئيمًا ربما.

لا حكايات لدينا من تلك الفترة ولا مصادر أخرى غير ذاكرة المرأة، تقول أن والدها قُتل ذات يوم واستولى الفلاحون على المحاصيل الزراعيّة التي يملكها، إلى أن جاء الصهاينة واحتلوا هذه الأرض وكلّ ما حولها. العائلة هربت إلى لبنان في نكبة الفلسطينين الكبرى.

استولى الفلاحون على المحاصيل الزراعيّة التي يملكها إلى أن جاء الصهاينة واحتلوا هذه الأرض

"كنّا نذهب في مواسم الحصاد إلى كسرى، مرتين في السنة، حبّي الأول كان هناك. أحد الفلاحين من عمال والدي كان يحبني. عرف والدي بالأمر ومنعني من الذهاب إلى المزرعة بعد ذلك. كل يوم أستيقظ من نومي وأحلم بالذهاب إلى كسرى، أريد العودة إلى تلك الأرض الطيبة".

بعد النكبة استقرت العائلة في لبنان، من دون والد معيل، فاهتم الأخ الكبير بمصاريف العائلة وتساعده أم أمين بعملها في الخياطة. كان الأخ يأخذ كلّ النقود التي تحصل عليها من عملها بحجة أنّه كبير العائلة وبدعم من الأم. ما زالت أم أمين نادمة على إعطاء تلك النقود لأخيها. بقيت تنتظر الزواج. كان الطالبون كُثر لكن الإخوة الشباب لم يقبلوا بأيٍّ منهم.

ماتت الأم، بعد صراع غير قصير مع المرض، وتحكم الشباب بمصير أختهم. إلى أن قبلوا بشكل أو بآخر برجل من الشام ينوي الذهاب والعمل في الكويت، كان الرجل يكبرها بأكثر من عشرين سنة.

تزوجت أم أمين.

الكويت كانت أجمل أيام حياتها، تقول. أنجبت أربعة أبناء، توأما في البداية وطفلة بعد سنة وذكرا آخر بعد سنة أخرى، كان الأطفال محور حياتها. عشرة سنوات كويتيّة بعدها قرر الأب العودة مع عائلته إلى مدينته دمشق.

في سورية، عاشوا في العاصمة في حيّ المزة. بيت كبير تزرع في حديقته ما تشاء من النباتات التي تحب. هذه المزروعات ظلّت رفيقة دربِها حتى حين وقوع نكبتها الثانية.

في دمشق كثرت المشاكل مع أقرباء لها كانوا قد أتوا إلى سورية، بعضهم سرق مالها على سبيل المثال. خلاف ذلك كانت حياتها هادئة مع زوجها وأولادها إلى أن أصيب الزوج بمرض اللوكيميا، فحوّل حياة عائلته إلى جحيم. صراخ طوال الوقت في المنزل.

كانت تسند زوجها على ظهرها وتمشي به حتى يتحرك الدم في جسده، إلى أن مات بعد سنة من إصابته. لم يترك للعائلة شيئًا لترثه سوى هذا البيت، وثيابه التي اضطرت أم أمين أن تبيعها لاحقًا بسبب الفقر والعوز والحاجة.

اقرأ/ي أيضًا: نكبة فلسطينية.. نكبات سورية

هنا بدأت رحلة البحث عن عمل يسد الرمق ويحفظ الكرامة، وكان هذا العمل في معمل خياطة في أحد أحياء العاصمة دمشق.

الابن الأكبر قرر مساعدة أمه، كان يذهب للعمل في مكان لا يعرفه أحد من العائلة. يعمل ويصرف على البيت مساعدًا والدته، لكن هذا العمل لم يشغله عن دراسته إذ كان طالبًا في كلية المحاسبة. أخته التوأم كانت طالبة مجدّة، درست الطب وما زالت، إلى جانب اهتمامها بأم أمين، تمارس مهنتها في المملكة السعوديّة.

البنت الأخرى في العائلة كانت طالبة في كلية الهندسة، والابن الأصغر، كثير المشكلات، لم يكمل تعليمه واستمر في تغيير المهن إلى أن أصبح أخيرًا مصورًا في إحدى قنوات التليفزيون السوري.

بقيت حياة العائلة طبيعيّة إلى أن أصيبت أم أمين بمرض السكري، ولحسن حظ جنسيتها الفلسطينيّة أنّها استطاعت أن تتعالج لدى الأونوروا. تراجع سمع أذنها اليسرى وأصيبت بما يشبه الصمم. ومن ثمّ أصيبت بمرض في عينها وأصبح نظرها سيئًا، إذ بالكاد تستطيع أن ترى.

تزوجت ابنتها الطبيبة وغادرت إلى الرياض، والابن الأكبر غادر لاحقًا إلى الإمارات ومن ثم لحقت به الأخت الصغرى، فلم يبقَ لأم أمين سوى آخر أبنائها. باعوا بيت العائلة الكبير وتقاسم الأولاد الإرث، بعد أن عاد أكبر أبنائها من الإمارات للاستقرار في دمشق.

بدأ عذاب الأم وهي متنقلة بين بيتي ولديها، إلى أن هاجر الأكبر إلى كندا فاستقرت في بيت الصغير في منطقة قدسيا في محيط العاصمة السوريّة.

بدأت الثورة وتجاوزت مراحل مظاهراتها وسلميتها وبدأت مرحلة الكفاح المسلح ووصلت الاشتباكات إلى منطقة قدسيا، ما اضطر الابن الأصغر، مصور التلفزيون السوري، إلى إرسال أمه إلى السعودية لتعيش مع ابنتها الكبرى.

غادرت الفلسطينيّة العكاويّة سورية مع من غادرها من مهاجرين ولاجئين جراء الحرب المفتوحة الدائرة في البلاد فكانت نكبتها الثانية أصعب من الأولى. عاشت أم أمين في السعودية في بيت لا تستطيع أن تفتح شباكه، كانت القطة التي تملكها العائلة هي تسليتها الوحيدة فتقضي معظم وقتها معها، إلى حد يصل إلى حوالي عشر ساعات يوميًا.

اقرأ/ي أيضًا: من اليرموك إلى أوروبا.. اللجوء متواصل

حاولت أن تبحث عن عمل لها رغم تقدمها بالعمر وأمراضها وعدم قدرتها على السمع والنظر جيدًا، حاولت أن تعود إلى مهنة الخياطة لكن ذلك أشبه بالمستحيل. الطامة الكبرى كانت في موت ابنها الأصغر بعد سنتين من مغادرتها سورية. كان سندها في آخر سنواتها هناك. لم تستطع عائلة ابنتها الكبرى أن تخبرها بذلك، خافت أن تموت الأم بحسرة الابن. إلى اليوم أم أمين لا تعرف شيئًا عن موت ابنها.*

أخيرًا تطورت حالة أم أمين وأصيبت بالزهايمر، ودخلت مرحلة الخرف الشيخوخي، تأخذ أدوية كثيرة لجميع أمراضها، رغم غلاء الأدوية في المملكة السعوديّة، وهذا ما يسبب ثقلًا على الابنة الكبرى. لم تستطع أم أمين الذهاب إلى كندا للعيش مع بكرها، لعدم حصولها على تأشيرة دخول رغم محاولاتها المتكررة مع السفارة الكندية.

انقطعت أخبار ابنتها الصغرى بشكل شبه تام. لا تستطيع أم أمين العودة إلى سورية إذ لم يبقَ لها شيءٌ هناك. والآن هي وحيدة مع ابنتها الخمسينيّة تصارعان الحياة على كلّ الجبهات.

أم أمين، مثل هذه البلاد، تنتظر الموت ببطء، وتحلم كل صباح بالعودة إلى كسرى أو إلى حديقة المزة لتلاعب بتلات الورد وتغني: "ايمتا حتعرف أنت، إني بحبك أنتَ".


*هذا النص مكتوب بموافقة عائلة أم أمين. والكاتب على ثقة تامة بأنّها لن تعرف بخبر موت ابنها عن طريق هذا النص