أسباب لرفض الانتخابات المحلية الفلسطينية القادمة

أسباب لرفض الانتخابات المحلية الفلسطينية القادمة

Getty

فلنبدأ الحديث عن الانتخابات المحلية بالعودة إلى عام 2011، حين نفذ شابان من قرية عورتا قضاء نابلس، عملية في مستوطنة إيتمار المقامة على أراضي القرية، ملأ ضجيجها الدنيا وسقط من التداول كثير مما جرى بعدها. وما جرى أن الاحتلال حاصر القرية حصارًا مريرًا قلّ نظيره، ولا حتى في اجتياحات المدن في الضفة الغربية سنة 2002. جمع جيش الاحتلال الناس في المدارس ونكل بهم، وفتش بيوتهم ودمر ما فيها، ثم أعادهم لبيوتهم لأيام طويلة من القهر والإذلال والتنكيل، كل هذا بحثًا عن منفذي العملية.

إسقاط واقعنا كشعب تحت احتلال، لم يحصل على مؤسسات بقدر حصوله على عمليات طويلة من إعادة ترتيب العلاقة مع الاحتلال، يضيّع كل جهودنا في مراكمة نضال ضد الاحتلال ولتحسين حياتنا، بل ويعمل ضد هذا النضال

في أيام الحصار تلك حصل حدث مهم جدًا، بداياته كانت قبلها بأشهر، حين وافق المجلس المحلي في القرية على اقتراح ممولين بالتنسيق مع السلطة باعتماد نظام جديد لجباية أثمان المياه، صار اليوم مفروضًا على كل الفلسطينيين في الضفة الغربية من خلال السلطة وبقرارها. والنظام قائم على الدفع المسبق للحصول على الماء. تدفع من خلال ملء بطاقة أو ما شابه وتعرضها لقارئ ذكي مركب على محول الماء في بيتك، فيبدأ ماء المجلس المحلي بالوصول إلى البيت بالقدر الذي اشتريته، وحين ينفد الماء، تذهب لمكان الشحن والدفع وتعيد الكرة.

خلال الحصار ذاك، انتهى مخزون الماء في بيوت الناس، والجيش يملأ الطرقات، ولا سبيل لشحن البطاقات، والآلة الذكية لا تفهم ما يجري. عطش من لا يملكون الآبار، وعطش مالكوها بعد حين، وصار النظام وخلفه المجلس البلدي الذي سوّقه كإنجاز، شريكًا بحصار الناس وكسر صمودهم.

لم يكن هذا مقصودًا بالتأكيد، ولكن التفكير والتصرف والعيش بتغافل كامل عن السياق الكامل لوجودك، غباء وحماقة وتواطؤ ندفع ثمنه من دمنا. وإسقاط واقعنا كشعب تحت احتلال، لم يحصل على مؤسسات وبنى دولاتية بقدر حصوله على عمليات طويلة من إعادة ترتيب العلاقة مع الاحتلال، يضيّع كل جهودنا في مراكمة نضال ضد الاحتلال ولتحسين حياتنا، بل ويعمل ضد هذا النضال.

هذه نقطة مركزية عامة لنقاش أي فعل أو خيار أو توجّه في واقعنا، وهذا ينسحب على المشاركة في الانتخابات المحلية. وبعد هذه النقطة الأولية المركزية أطرح هنا نقاطًا تفصيلية تبرر رفض المشاركة في هذه الانتخابات المزمع إجراؤها في الأيام القادمة:

اقرأ/ي أيضًا: مقاومة المرأة الفلسطينية في زمن الليبرالية الجديدة

- إعطاء السلطة بوضعها الحالي جرعة شرعية: صورة الناس يضعون الأوراق في صناديق بيضاء دون سياق ديمقراطي خدمت الدكتاتوريات في بلادنا العربية أكثر ما خدمت الديمقراطية، حتى ليتمنى المرء في لحظات حنقه أنها يا ليتها ما كانت ولا بأي شكل. هنا في مناطق السلطة، يريد المانح والممنوح هذه الصورة، ولن يعبأ كثيرون في مدة ولاية الرئيس ولا التشريعي المنتهية، هنالك ناخبون وصناديق في مساحة اللعب المباح، بلا تسييس ولا مساءلة للسلطة التنفيذية التي تبتلع كل شيء في مناطق السلطة. الانتخابات البلدية هنا هي جزء من الأداء الديمقراطي الزائف الذي يغدو محلِّلًا لسلوكيات غير ديمقراطية قطعًا. لا يمكن نسيان التضييق على الصحفيين والتعبير عن الرأي في هذا السياق، من يدعي الحرص على صوتك في الصندوق، لماذا يعتقلك إن سمعه في العلن؟!

الانتخابات البلدية الفلسطينية هي جزء من الأداء الديمقراطي الزائف الذي يغدو محلِّلًا لسلوكيات غير ديمقراطية قطعًا. لا يمكن نسيان التضييق على الصحفيين والتعبير عن الرأي في هذا السياق

-  تعزيز الاستقطاب العشائري والعائلي المهلك: تعطي الانتخابات الفلسطينية للمهوسين بالعشيرة والقبيلة فرصة كل عدة سنوات ليعيدوا ترتيب صفوفهم، وليؤكدوا لمحيطهم الاجتماعي أن ثمة مغانم لا تنال إلا بالعشيرة، ومغارم لا يدفعها إلا رجالها. ولا يخفى على أحد كيف تستثمر هذه النزعات في تفتيت النسيج الاجتماعي وخلق أوهام عن مصالح ومنافع من مجالس محلية في قرى نائية بالكاد تستطيع تزفيت شارع، ومن شروخ العوائل والعشائر يتسلل الاحتلال والاقتتال الأهلي وغيره.

- قريبًا من هذا وعلى مستوى التنظيمات والأحزاب، التي تشبه العشائر بما لا يغيب عن عين فاحصة أو حتى ساهية، تعطي الانتخابات، وتحديدًا لتنظيمات السلطة، مجالًا للحفاظ على بقايا حياة في أجسامها التنظيمية، فالتنظيمات التي تكلست حتى استحال عليها أي فعل، لا وطني ولا سياسي ولا جماهيري، تُضخ فيها دماء كل أربع سنوات، وتشحذ سيوف التنظيم ويكتشف طاقاته البشرية الجديدة ليستخدمها في هذا اللعبة الواسعة. يعيد التنظيم بناء صورته كمجال للكولسة والألاعيب السياسية والطموح الحار لأبنائه، ولكن ويا للطرافة، في انتخابات بلديات لا تغير ولا تقدم. يُجدد التنظيم نفسه وولاءاته في هذه المساحات، وهو نفسه التنظيم الذي لم يدع جماهيره لمظاهرة منذ سنوات، ويجد المتشابهون في فسادهم وبرامجهم السياسية وموقفهم من الاحتلال، مساحة للعب جماهيري وبناء مناصرين وتلميع أنفسهم، من هذا المدخل يطل دحلان مثلا في فيديو مسجل ليتحدث عن الانتخابات، ويراها "فرصة لتعيد فتح قوتها وكرامتها"!! طبعًا هبة القدس الجماهيرية لم تكن فرصة لتعيد الحركة قوتها وكرامتها.

يضاف إلى ذلك أن الانتخابات تتحول إلى استعراض قوة للفائز لتأكيد شرعيته وشعبيته وتضخيم الفوز ومعانيه ودلالاته بما لا يحتمل قطعًا، وكل ذلك دون وجود منافس حقيقي، وهذا المنافس محاصر أو مضيق عليه، شيء يشبه احتفال فتح بالفوز بانتخابات جامعة القدس المفتوحة بالضفة واحتفال حماس بالفوز بانتخابات الجامعة الإسلامية في غزة.

اقرأ/ي أيضًا: متلازمة "الجيب" الفلسطينية

- مع الوقت أصبحت البلديات والمجالس المحلية بالنسبة للسلطة، بمثابة حيّز أمان أو منطقة عازلة، أو ما يمكن تسميته "Buffer Zone" بلغة الممول، تقيها غضب الناس واحتجاجاتهم الاجتماعية والمعيشية والمطلبية، فجزء وافر من السخط على السلطة يتم تذريره في السجال مع المجالس المحلية والبلديات. وتبدو السلطة مرتاحة تمامًا بهذا الوضع، فلها تنسب الإنجازات وتنسبها لنفسها على صعيد الخدمات الحياتية، أما عند الأزمات فتستخدم السلطة "جماعتها في الشارع" لتوجيه الغضب ضد البلديات، ويكتشف الناس بالصدفة المحضة أنها منتخبة وهم يتحملون مسؤولية خياراتهم، وتعيش السلطة في منأى عن الاحتجاجات الحقيقية فهي لا دخل لها.

مع الوقت أصبحت البلديات والمجالس المحلية بالنسبة للسلطة، بمثابة حيّز أمان أو منطقة عازلة، تقيها غضب الناس واحتجاجاتهم الاجتماعية والمعيشية والمطلبية

وفي حقيقة الأمر فإن السلطة بسلوكها التمويلي، ومسارعتها للتوقيع على أي اتفاقية يشترطها الممول، تضع المجالس المحلية في سياق مضبوط ومسيطر عليه بالكامل بل ومكبل بكل الاتفاقيات تلك والأفق السياسي الذي وضعته السلطة، هذا ناهيك عن هامش لعبها الضيق جدًا كمجالس محلية يتوقع الناس منها في أقصى خيال أن تبني جدارًا استناديًّا أو تعالج شبكة صرف صحي.

ومهم هنا الالتفات إلى الدور الذي تقوم به المجالس المحلية والبلديات نيابة عن السلطة، حتى ينتهي الحال بالمجلس البلدي في مدينة كرام الله كموظف لتطبيق تصورات السلطة عن مركزها الحكومي، هنا يختار الناس ممثلين ليعملوا لدى السلطة التنفيذية، في سابقة عجيبة. فبلدية رام الله تعمل بمثابة دائرة بروتوكول لوزارة الخارجية الفلسطينية والرئاسة، تستقبل الضيوف السياسيين وتتولى رعايتهم وتنشئ النصب في حفلات استقبالهم – لا ينسى متابع كيف استقبلوا رئيس الوزراء الهندي ليفتتح ركنًا صغيرا في حديقة عامة، ثم ذهب لتل أبيب ليوقع صفقة أسلحة- هكذا تتورط هيئة محلية منتخبة في أدوار السلطة، وتخدم مهرجاناتها السياسية وتنشغل في ترويج رموزها وخياراتهم السياسية. توفير ساحة واسعة للكرنفال السياسي ببساطة.

- يضاف إلى ذلك، وفي ظل هيمنة تنظيم واحد وسلطة واحدة في الضفة وغزة، لا ينجح مرشحوها إلا بدعم التنظيم المتسيّد، تتحول المجالس المحلية إلى ممثل للسلطة وسياساتها في البلدات والقرى والمدن بدل أن تكون ممثلًا للناس والناخبين. نلحظ في الضفة كيف يصبح خطاب الهيئات المحلية متساوقًا مع خطاب السلطة في كل شيء، ويكاد يغيب الاحتلال من خطابها وشغلها إلا بما يتناسب مع المساحات المصرح بها. حين كان المستوطنون يهاجمون القرى ليلًا بالكاد سمعنا عن مجلس محلي دعا الناس للتشاور في طريقة حماية بيوتهم ومحاصيلهم ونظم هذا الفعل الأهلي البديهي، ولكننا سمعنا عن مخاتير وظيفتهم المسارعة للاتصال بالأمن لاستلام المستوطنين الضائعين قبل عثور الناس عليهم.

- تنتشر نغمة في الأوساط التكنوقراطية، أو تلك الحزبية المتنكرة ببدلات التكنوقراط، أو تلك المسلوبة بخيالات الممول الأوربي عن الفعالية السياسية في مجتمعات هامشية، تتحدث عن دخول الشباب للانتخابات وإحداثهم للفارق وتغيير المجتمع ورفض الحالة الحزبية والعشائرية وغيرها. وهذه في المحصلة طريقة أخرى لتبديد الفعالية السياسية للشباب في مسارات مضبوطة والسيطرة عليها محكمة، ثم بالمحصلة لا تحمل أي تغيير جذري، وتزيد من الاندماج في مسار الفعل المضبوط وفي أوهام السلطة وكأنها شيء يشبه الدولة. يضاف إلى ذلك ما فعلت هذه الذهنية التكنوقراطية التمويلية بالنشاط الأهلي والمحلي وتحويله من جهد تطوعي نابع من الالتزام تجاه المجتمع وقضاياه إلى وظائف بامتيازات مفرغة من أي بعد سياسي، في واقع لا يمكن أن يكون فيه ترف اللاتسييس إلا خطة سياسيةً مضادة.

لعل أهم أسباب رفض المشاركة في الانتخابات المحلية الفلسطينية هو إمكانية الانقلاب على خيار الناخبين كما حصل سنة 2006

- الانقلاب على خيارات الناس من خلال الممول الذي يحكم كل شيء في النهاية. هل نسي الفلسطينيون ما جرى قبل عشر سنوات في 2006؟ حين أغلقت صنابير الأموال لأن الناس اختاروا خيارًا لا يناسب تصورات الممول الأوروبي والأمريكي، الخاسر حينها استفاد وحرض الناس على التناسي، والفائز المنكوب في سياق لم يُقم لفوزه اعتبارا، يتناسى لأسباب مفرطة في عبثيتها اليوم، يقول إنه سيدعم مستقلين، كأنه لم يشبع من اعتقال أعضائه والتنكيل بهم بعد كل جولة تصريحات حالمة تنطلق من غزة، ويريد أن يضم إليهم أي خصم منافس للسلطة ومرشحيها، انتظروا وإن فكر مستقلون بالنزول للانتخابات فإن تهمة دعم حماس لهم جاهزة، والزهار نائم عن شواردها، وحين يستيقظ قد يسمي الأمر لعبًا سياسيًّا.

- إن الانتخابات المحلية أو أي انتخابات على هذا المستوى تغدو مهمة في إشاعة وعي ديمقراطي في مجتمعات ودول في بداية تحولها نحو النظام الديمقراطي، أي لا تزال تحبو في دروب الانتخابات والديمقراطية، وتبرير أهميتها في حالات كتلك مفهومة، أما استخدام هذه المبررات في الحالة الفلسطينية فهو بلا معنى بل وينطوي على تلاعب كبير، فالمسيرة الديمقراطية والوعي الديمقراطي فلسطينيًّا بلغ نقاطًا أبعد وأهم وأشمل، وتم الانقلاب عليها وتكديرها، وهذا لا يتساوى مع حالات لم تعرف تجربة ديمقراطية أو تحيا ديمقراطية في مراحل نشأتها فقط. هنالك من يخطط دومًا لإرجاعنا إلى النقطة صفر، ويظل ينجح سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وحتى رياضيًّا، يظل يقنعنا أننا معه كفلسطينيين نعرف الأشياء أول مرة وهو يأخذ بيدنا لنتعرف عليها بمعيته العظيمة، وهذا تدليس واضح، يساهم فيه الكثير من بريئي النوايا.

- أخيرًا، لأن الكذبة الكبرى إن تمادت دون كشف، تصبح حقيقة في أعين الناس، يعيشون داخلها ولا يستطيعون الشعور بكونها كذبة كبيرة جدًا، لا يمتلكون فرصة النظر إليها من بعيد ليكتشفوا أنها كذبة. والكذبة الكبيرة هذه تتكون من كذبات صغيرة جدًا، هكذا أصبحت كذبة السلطة والسيادة والديمقراطية تحت الاحتلال ممكنة، من التغاضي عن الكذبات الصغيرة التي تشكل المشاركة في انتخابات من هذا النوع إحداها.

اقرأ/ي أيضًا:

عشقي في تل أبيب.. تعقيب بشأن التطبيع

جاهة وكنافة في سجن نفحة!