أحمد زويل في باريس عام 2009 Photo by Francois Durand/Getty Images

"العلم هو العين الحقيقية التي يستطيع بها الإنسان رؤية العالم وهو قادر على حل كل المعضلات اليقينية في المستقبل".

منذ أيام رحل عنا العالم الجليل أحمد زويل ولن أناقش في هذا المقال تجربته الشخصية ولا خياراته السياسية شديدة السوء بشكل مباشر، ولكن لكي ترى أهمية أحمد زويل العلمية ولتفهم لماذا كانت قراءة زويل للواقع وخياراته السياسية هكذا لابد أن تدخل في معضلة كبيرة من ميكانيكا الكم والنسبية العامة في بداية القرن العشرين قد انعكست تأثيراتها في كل العلوم بما فيها العلوم الاجتماعية ألا وهي اكتشاف مبدأ هايزينبيرغ لعدم التيقن والذي ينص على أنه من المستحيل قياس أي شيء بلا تشويشه، واكتشاف أينشتاين للنسبة العامة التي نسفت مبدأ حيادية المشاهد واستقلال الزمان عن المكان، فعلى سبيلِ المثالِ، أي محاولةٍ لقياسِ موقعِ جسيمٍ سيغير سرعته عشوائيًا نتيجة اصطدام الفوتون الذي ينقل الصورة بالجسيم المقصود تصويره كما لو أن راكب القطار لن يستطيع تحديد إن كان القطار يتحرك أم لا ومدى سرعة هذا القطار دون رؤية الرصيف المقابل للقطار، وهكذا.

قديمًا كان ينظر إلى العلم الطبيعي على أنه مصدر لمعرفة دقيقة (موضوعية) وغير محددة اجتماعيًا، فمثلًا لو أمكن لنا أن نعلم موضع القمر وسرعته الكتليّة واتجاهه، لاستطعنا باستخدام قوانين نيوتن "أنّ نحدد" و"أنّ نتنبأ" بحركات وأوضاع القمر فى المستقبل، ولكن هكذا -وبعد اكتشاف هاتين النظريتين- صار الإنسان غير محايد وغير قادر على معرفة كل شيء بدقة 100%، إنما هناك قدر لا يعرفه ولا يستطيع قياسه يتوقف على موقعه مما يشاهده أو وفقًا لهايزنبرغ "إن عدم استطاعتنا معرفة المستقبل لا تنبع من عدم معرفتنا بالحاضر، وإنما بسبب عدم استطاعتنا معرفة الحاضر".

تم تفكيك الرؤية اليقينية النيوتنية لصالح الرؤية اليقينية المراوغة لهايزنبرغ فأضحت طبيعة العلم الطبيعي هي نفسها نتاج اجتماعي

تم تفكيك الرؤية اليقينية النيوتنية لصالح الرؤية اليقينية المراوغة لهايزنبرغ فأضحت طبيعة العلم الطبيعي هي نفسها نتاج اجتماعي، وهكذا تم تفكيك الرؤية اليقينية النيوتنية لصالح الرؤية اليقينية المراوغة لهايزنبرغ فأضحت طبيعة العلم الطبيعي هي نفسها نتاج اجتماعي، فهي في التحليل الأخير مشتق من التحالف بين العلم والبرجوازية الذي كان ضروريًا من أجل المعركة ضد الإقطاع ومن أجل تطوير الصناعة الحديثة. فمثلما صورت البرجوازية قوانين الرأسمالية على أنها طبيعية وخالدة، فقد صورت البرجوازية إنجازات العلم على أنها حقيقة مطلقة.

اقرأ/ي أيضًا: زويل.. وصفحة السيسي الساخرة!

فتاريخ العلم أضحى سلسلة من الحقائق النسبية المؤقتة التي يتم إنتاجها بدافع حاجات إنسانية عملية متطورة والتي تبرهن بدورها على صحتها عمليًا، أي بتوفير إمكانية أداء مهام محددة بالتالي فالعلم الطبيعي ليس مطلقًا، وإنما تاريخي ومتغير إلا أن الفارق الرئيسي بين العلم الطبيعي والعلم الاجتماعي هو امتلاك العلم الطبيعي للموضوعية النابعة من موضوعها البحثي المنفصل عن الإنسان.

لذا فبعد هاتين النظريتين تغيرت رؤية العالم كله لطبيعة العلم في علاقته بالميتافيزيقا وذلك بإحلال مبدأ قابلية التكذيب محل مبدأ قابلية التحقق كمعيار للتمييز بين العلم والميتافيزيقا كما يقول كارل بوبر. ولأنه لا يمكن فصل قضايا العلم عن مجالات السياسة والدين سادت هذه الرؤية اللايقينية التي تقدم مبدأ قابلية التكذيب على مبدأ قابلية التحقق القرن العشرين ليقدم المنهج العلمي وتوفير المناخ الملائم للجدل، الجدل والنقاش الديمقراطي والعلمي على حساب حتمية حسم القضايا العلمية محل الجدل بشكل مطلق.

اقرأ/ي أيضًا: في ضيافة فولتير

وفي هذا السياق التاريخي والفلسفي جاء اختراع العالم أحمد زويل الناصري خريج جامعه الإسكندرية لميكروسكوب يستطيع تصوير حركة الجسيمات بسرعه جديدة (الفمتو ثانية) ليعيد طرح وجهة النظر النيوتينية القديمة في هذا الموضوع والتي ستجدها في كتابه عصر العلم ومحاضراته حول الزمن والتي يحاول فيها إعادة تقديم مبدأ التحقق والحسم على حساب مبدأ قابلية التكذيب البوبري وهذا عبر اختصار المعضلة في أن المشكلة بالأساس (تقنية) وأنه كما أن اختراعه يستطيع تصوير الجسيم وتفاعلاته في فترة زمنية أقصر وهو ما سيحلحل نسبيًا هذه المعضلة. فالعلم وفقًا لزويل محايد وقادر مع الزمن على الحسم وحل هذه المعضلة بشكل أفضل عبر خلق (تقنية) أدق وزمن جديد في المستقبل.

وبالتالي وفقًا لزويل فالعلم هو العين الحقيقية التي يستطيع بها الإنسان رؤية العالم، وهو قادر على حل وحسم كل المعضلات اليقينية في المستقبل وبالطبع انعكس هذا الطابع المؤيد لفكرة حيادية العلم وتقديم فكرة الحسم على رؤيته للعالم على خياراته السياسية. أخيرًا قد تختلف أو تتفق مع ما طرحه أحمد زويل ولكن يبقى صاحب وجهة نظر في فلسفة العلم تستحق الدراسة والبحث.

اقرأ/ي أيضًا:
أحمد زويل.. الشخصية العامة
الحياة العاطفية للفلاسفة