23-مارس-2019

أعادت تغريدة ترامب الجولان إلى واجهة الصراع الإقليمي (رويترز)

الترا صوت – فريق التحرير

أعادت تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إمكانية اعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السوري المحتل، فتح محاور عديدة مرتبطة بتاريخ طويل من مباحثات السلام السرية بين النظام السوري وإسرائيل، ولفتت إلى تبدّل واضح في الخطاب الإسرائيلي حول الجولان، أسقطت بموجبه فكرة عقد اتفاق تسوية مع الأسد، كانت تل أبيب ميّالة إليه خلال ربع قرن من الزمن.

لم تتوقف محادثات السلام السرية بين النظام السوري والحكومات الإسرائيليةالمتعاقبة منذ 20 عامًا، حيث تم النقاش خلالها عن "تسوية إقليمية"، بدأت عام 1992 

20 عامًا من المحادثات السرية

في هذا السياق، كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن رئيس النظام السوري بشار الأسد بدأ في أيلول/سبتمبر 2010 محادثات سلام متقدمة بوساطة أمريكية مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بينيامين نتيناهو، جرى خلالها مناقشة الانسحاب الإسرائيلي إلى خط الرابع من حزيران/يونيو 1967، لكنها توقفت في عام 2011 بعد انطلاق الثورة السورية.

اقرأ/ي أيضًا: الجولان المُحتل ضمن قائمة هدايا ترامب ونتنياهو

ووفقًا للصحيفة الإسرائيلية فقد تم خلال المباحثات المتقدمة الاتفاق على وثيقة "النقاط الست"، والتي شملت بالإضافة للانسحاب الإسرائيلي إلى خط الرابع من حزيران، تعزيز الترتيبات الأمنية بين الطرفين بناء على نموذج يعيد نشر القوات العسكرية بعد تجريدها من السلاح تمهيدًا لإنشاء منطقة منزوعة السلاح، شريطة فك ارتباط النظام السوري بإيران وحزب الله اللبناني.

كما تضمنت المفاوضات مقترحًا إسرائيليًا لصفقة تبادل أراضٍ بين سوريا والأردن والسعودية، ينقل الأردن بموجبه مناطق للخارطة السورية تعادل مساحة الأراضي التي تبقى تحت سيطرة إسرائيل، مقابل أن تمنح السعودية شريطًا من الأراضي على طول البحر الأحمر جنوب العقبة للأردن.

يشير التقرير  الإسرائيلي المطول إلى أن محادثات السلام السرية بين النظام السوري والحكومات الإسرائيلية لم تتوقف منذ 20 عامًا، حيث تم النقاش خلالها عن "تسوية إقليمية"، بدأت عام 1992 عندما أبلغ وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق رابين، أن الرئيس السوري حافظ الأسد على استعداد لإجراء محادثات سلام مشابهة للمحادثات التي أجريت مع الرئيس المصري أنور السادت، ونتج عنها اتفاقية "كامب ديفيد".

يعكس التقرير الأخير تبدلًا واضحًا في الموقف الإسرائيلي خلال الأعوام الثمانية الماضية، ففي الوقت الذي كانت تسعى فيه تل أبيب لإبرام اتفاقية سلام مع النظام السوري تمكّنها من شرعنة احتلالها لهضبة الجولان، فإنها تبدو الآن غير معنية بإعادة فتح مباحثات السلام مع النظام السوري، نتيجة موقف الأسد الضعيف وتحالفه مع قوى إقليمية وعالمية لديها أزمات دبلوماسية وسياسية مع المجتمع الدولي، فيما بدا أنها أصبحت صاحبة القرار في البلاد، بطريقة عبرت عنها هآرتس بالقول: "انتهى عصر الخيار السوري".

مراسلات كيري – الأسد.. مفتاح مباحثات السلام الفاشلة

يأتي التقرير الأخير تأكيدًا لما ورد أساسًا في مذكرات وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري، الذي تحدث عن عمله كوسيط بين الأسد ونتنياهو عام 2010. حيث دعا الأسد إدراة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لدعم عملية السلام مع إسرائيل، وأكد من خلال رسالة نقلها مع كيري استعداده "لاتخاذ عدد من الخطوات مقابل إعادة الجولان من إسرائيل"، ما جعل نتنياهو يقف متفاجئًا أمام التنازلات التي قدمها رئيس النظام السوري مقابل المضي بتوقيع اتفاقية السلام حينها. 

استمرت إسرائيل بالعمل على تنسيق أمني مع النظام السوري، وأيدت لأكثر من مرة استعادة النظام السوري لكافة المناطق الخارجة عن سيطرته في جنوب وجنوب غرب سوريا على الشريط الحدودي الفاصل مع هضبة الجولان المحتل، كما أكدت على أن عودة النظام السوري يجب أن تشمل ابتعاد القوات الإيرانية وعناصر حزب الله عن المناطق الحدودية.

وكان نتنياهو قد أعلن في أكثر من مناسبة أن بلاده تنتهج سياسة "صفر مشاكل" مع النظام السوري، إلا أن ما يدفعها للتدخل عسكريًا في سوريا، حسب قوله، هو تواجد القواعد العسكرية الإيرانية، والنفوذ الإيراني المتزايد قرب المناطق الحدودية مع هضبة الجولان المحتل، وقد كان واضحًا في أحد تصريحاته المرتبطة بعلاقة إسرائيل مع الأسد، قائلًأ إنه ليس لدينا "أي مشكلة مع نظام الأسد منذ 40 عامًا، ولم يتم إطلاق رصاصة واحدة على مرتفعات الجولان".

الجولان كورقة ضغط  روسية!

عودة إلى تغريدة ترامب التي أعادت فتح ملف السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتل رغم معارضة المجتمع الدولي، فإن هذه الخطوة تأخذ منحى مختلفًا بالنظر لتشابك مصالح الأطراف المعنية بالقرار.

فقد أشارت تقارير روسية إلى أن الزيارة الأخيرة التي أجراها وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى سوريا، هدُفت إلى إيصال رسالة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحذر الأسد من التواطؤ مع إيران، مشددًا فيها على ضرورة الانسحاب الإيراني من سوريا، حيثُ تسعى موسكو من خلال علاقتها القوية مع تل أبيب إلى احتواء النفوذ الإيراني الذي بدأ يتزايد بشكل واضح خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يتعارض مع مصالحها في المنطقة، وهو ما جعلها تقوم بدفع الأسد للواجهة للتصدي للتمدد الإيراني في سوريا.

وكانت روسيا وإسرائيل قد أبرمتا اتفاقًا ينص على تشكيل مجموعة عمل حول سوريا لإخراج القوات الأجنبية من البلاد، وهو ما يرجح محاولة موسكو استخدام ورقة الجولان كورقة ضغط لدفع الأسد للتخلي عن إيران، خصوصًأ بعد الزيارة التي أجراها الأسد إلى طهران نهاية الشهر الفائت، فضلًا عن الاتفاقيات الاقتصادية المرتبطة بملف إعادة الإعمار التي أبرمها النظام السوري مع الجانب الإيراني، والتقارير الأخيرة التي تحدثت عن تمكين النظام السوري للإيرانيين من السيطرة على ميناء اللاذقية المطل على البحر المتوسط، والذي تراه موسكو إضعافًا لنفوذها في المنطقة. أما بالنسبة لنتنياهو فإن تغريدة ترامب تأتي أيضًا في توقيت توظيفها ورقة دعاية انتخابية لم يكن ليحلم بمثلها سابقًا، لكن الأهم من دور هذا التحرك الأمريكي في مسار دعاية نتنياهو هو عمق الخطوة إستراتيجيًا، خاصة بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والعمل الإسرائيلي الهادئ على ضم معظم مساحات الضفة الغربية، جنبًا إلى جنب مع التنصل من أي التزامات تجاه قطاع غزة الواقع ضمن حصار الاحتلال، برًا وبحرًا وجوًا، أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: موسكو تقود التنسيق بين بشار الأسد وتل أبيب.. ترتيبات ما قبل درعا

كما أشارت تقارير أخرى إلى أن ترامب في تغريدته الأخيرة قدم للمرة الثانية تنازلًا لإسرائيل دون الحصول على أي مقابل، بعد أن أصدر قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في أيار/مايو السابق، ولفتت في ذات السياق إلى تعرض ترامب لضغوط كبيرة منذ عام تقريبًا من قبل مسؤولين إسرائيليين، وأعضاء في الكونغرس الأمريكي لإصدار هذا القرار.

شكلت تغريدة ترامب ورقة دعاية انتخابية لم يكن ليحلم نتنياهو بمثلها سابقًا، لكن الأهم  هو عمق الخطوة إستراتيجيًا، خاصة بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والعمل الإسرائيلي "الهادئ" على ضم معظم مساحات الضفة الغربية

وبالنظر لهذه المعطيات فإن تغريدة ترامب حول الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتل مرتبطة بتشابك للمصالح بين الأطراف الفاعلة في الشأن السوري، تضع النظام السوري أمام خيارات متعددة تخيره إما الوقوف إلى جانب إيران أو إلى جانب روسيا بالمرتبة الأولى، وتأتي في سياق دعم نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بالمرتبة الثانية، وتعزيز سرديته الأساسية كرجل إسرائيل القوي في الخارج.  لكن الأوسع من كل هذا المنظور قريب المدى نسبيًا، هو ما يترتب على مثل هذه الخطوة من تعزيز للاحتلال الإسرائيلي، وترسيخ التفوق العسكري والأمني الإسرائيلي في المنطقة، عبر ما تتيحه أراضي هضبة الجولان من مزايا كمسرح استخباري وعسكري إستراتيجي، إضافة لما توفره الهضبة المحتلة من مليارات الدولارات للشركات الإسرائيلية ولخزينة الدولة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

 مراسلات الأسد-كيري.. انطلاق الثورة السورية أحبط التفاوض مع نتنياهو

 انتخابات الأسرلة في الجولان.. وهم "ديمقراطية" الاحتلال