06-مارس-2024
المقاطعة في يوجياكرتا بأندونيسيا

(Getty) مظاهرة في يوجياكرتا في إندونيسيا

لا يبالغ من يقول إن الحرب الأخيرة على غزة كانت من أكثر الحروب انعكاسًا على حياة الناس في العالم العربي.

شخصيًا، لم أكن أتصور أن تختفي منتجات عمرها مئة عام (مثل: بيبسي وكوكاكولا) من الأسواق، وأن تخلوَ مطاعمُ ومقاهٍ من رواد اعتادوها عقودًا.

كذلك، ربما لم تُبَع الكوفية الفلسطينية وأعلام فلسطين وخريطتها كما بيعت في هذه الفترة، ولم تُنتَج أغانٍ وأناشيد ومقاطع مرئية بهذا الكم في هذه الفترة الزمنية القصيرة، لم تُرسَم لوحاتٌ فنية بهذا القدر.

نستطيع أن نقول إنّ الحرب غيّرت معادلة سوق الاستهلاك العربي. 

لكن يتساءل سائل دائمًا: كيف يمكن أن ينزل هذا الكم من الدمار على غزة فيكون الرد بشراء هذا الكم من الكوفيات؟ كيف نرد على صرخات أب مكلوم فوق جثة ابنه الشهيد بالانشغال برسمه أو منتجة الفيديوهات التي تتعاطف معه؟ كيف يكون شراء قلادة لخريطة فلسطين ردًّا على موت طفل من الجوع في جنوب تلك الخريطة؟ كيف نقابل صوت الرصاص بالغناء والدبك على أغاني المقاومة؟ هل هذا الدعم المطلوب؟ هل الإسناد المعنوي الرخو هذا هو ما ينتظره الفاقد والخائف والجائع هناك؟

ربما لم تُبَع الكوفية الفلسطينية وأعلام فلسطين وخريطتها كما بيعت في هذه الفترة، ولم تُنتَج أغانٍ وأناشيد ومقاطع مرئية بهذا الكم في هذه الفترة الزمنية القصيرة، لم تُرسَم لوحاتٌ فنية بهذا القدر

هذه الأسئلة لا تسخّف بالطّبع أيّ محاولة لدعم القضية مهما كانت، لكنها تفتحُ الباب لتحليل الظاهرة من ناحية نفسية، فيما يُعرَف بالإحلال الاستهلاكي.

الإحلال الاستهلاكي

يُعرَّف الإحلال نفسيًّا على أنّه تحويلٌ للمشاعر من مصدرها إلى شيء آخر (وضع شيء مكان شيء)؛ كأن يغضبَ رجلٌ مثلًا من مديره في العمل، فيعود إلى البيت ويحوّل مشاعر الغضب من المدير إلى زوجته وأطفاله.

وقياسًا على المشهد الحالي في غزة، يَحُلّ استهلاك المنتجات الداعمة للقضية (سواء أكانت بدائل المقاطعة أو الرمزيات من كوفيات وأعلام وغيرها) مكان حاجة الدعم النابعة من الشعور بالأسى على ما يُشهد من مقتلة في فلسطين. فيجد المرء نفسَه منكبًّا وملزمًا بشراء كل ما له علاقة بالقضية الفلسطينية إحلالًا للغضب الذي لا يستطيع تفجيرَه هناك في قلب المذبحة.

هذه الفكرة هي ما سارع التجار إلى التقاطها، فزادت السلع ذات الصلة بالقضية الفلسطينية في محلّاتهم، كلوحات الحائط المليئة بصور الأمهات الثكالى، وصورة مريم العذراء تبكي المسيح في المغارة، والقلادات والأساور، والملابس المليئة بالشعارات: "شِبِر شِبر" و"من المَيّة للمية" و"غزة". وأيضًا الكوفيات. إن هذه الحرب كفيلة بزيادة عدد المناصرين الأشداء للقضية الذين يملؤون بيوتهم بالرموز والأعلام، والذين تكون خلفيات هواتفهم وملصقات أجهزتهم كلها عبارة عن شعارات وصور تُبيّن إحساسهم العالي بالقضية.

مرة أخرى، نحن لا نقيّم ولا نحكم، نحن نفسّر الظاهرة فقط: هذه الأدوات الرمزية كلها لا تخرج من دائرة الإحلال الاستهلاكي الذي يوجّه صاحبه الأذى النفسي اللاحق به من همّه الوطني إلى طاقة شرائية للأشياء المعبّرة عن أذاه وقضيته، إنّه يضع غضبه بالامتلاك، وبأن تظلّ كل دلالات الصراع ماثلة أمامه.

استغلال الإحلال الاستهلاكي

في فصل "خطورة علم النفس" من كتاب "وضع الإنسان المعاصر"، بيّن إيرك فروم كيف تكون المعرفة النفسية خطيرة إذا ما اجتمعت مع هدف استغلال الناس، فرأى أنّ الشركات على سبيل المثال أصبحت من خلال علم النفس تعرف نفسية العميل وما الذي يسرّه وتجرّه إليها، فوضعت الاستراتيجيات التي تجذب هذا العميل من دون أن يدرك أنه مدروس ومستهدف ومسحوب لهذه الشركة بخطة نفسية محكمة.

بإسقاط نظرية فروم على الحرب اليوم، نجد أن الانعكاسات الاستهلاكية الاستغلالية أضحت عالية في السوق. وفي الوقت الذي لا نستطيع فيه لوم المستهلك الذي يجد في شراء المنتجات الكثيرة ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية دعمًا وسبيلًا وحيدًا للنصرة، نستطيع بقوة أن نلوم تحويل بعض التجار القضية إلى سلعة يبيعونها، ذلك حين تصبح الأسعار مضاعفة، ويقف الباعة قرب المظاهرات يبيعون الأعلام والكوفيات بأسعار مرتفعة جدًا مستغلين عاطفة المتظاهرين ورغبتهم العارمة بحمل هذه الرموز.

وفي هذه الصورة، يتعدّى الأمر من بيع الرموز إلى بيع الجروح، كلمات الفاقدين، ووجوه المجروحين أصبحت تُطبع وتُباع في استغلال عميق للجرح الإنسانيّ في غزة!

يقول رجل من غزة في منشور على صفحته بفيسبوك: "أتمنى أن يكون بديل البيبسي لديكم لذيذًا"، في إشارة إلى أنّ المقاطعة التي تؤتي أُكلها اليوم لم تقطعنا من الطعام والشراب، بل ما زال لدينا ترف الاختيار بين العديد من المنتجات الغذائية، بينما هذا الرجل في القطاع يسأل ساخرًا من سهولة هذا الدعم الذي يعدّه المقاطعون حدثًا جللًا ومُشرفًا، وهو داخل القطاع محاصرٌ لا يجد حتى الماء!

أخيرًا، لا بدّ من التعاطف، لا بدّ من المقاطعة، لا بدّ من شراء الرموز، لكنها شعرة صغيرة تلك التي تفصل بين الدعم الواعي والدعم الذي يدل على الانغماس في ثقافة الاستهلاك والغرق في الرأسمالية حد الأنوف.