ما هو الجديد في الليبرالية الجديدة؟

ما هو الجديد في الليبرالية الجديدة؟

تتنكر النيولبيرالية للأخلاقيات التقليدية لليبرالية (Getty)

حيث يتم استخدام مصطلحي الليبرالية والنيوليبرالية في سياق واسع، تغيب الحدود الواضحة بين هذين المصطلحين في كثير من الأحيان، وقد يربط ناقدو النيوليبرالية نقدهم بسخط حتى على الأفكار الليبرالية التقليدية، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، غير أن ما لا بد من التمحيص فيه، هو العلاقة الحقيقية بين الليبرالية والنيوليبرالية، وربما البحث إن كان هناك علاقة أصلًا. في هذه المداخلة المترجمة عن "نيو ريببليك"، مساهمة مفيدة للتفريق بين هذين التوجهين.


في إطار الترشح للانتخابات العامة لعام 2015، أكد نايجل فاراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP)، دعمه لـ "نظام النقاط الأسترالي" كوسيلة للسيطرة على الهجرة، وهي السياسة التي أولاها حزبه الأولوية على حساب كل شيء آخر. ما كان غريبًا في بيان فاراج، لم يكن الالتزام السياسي الذي صرّح بهِ، حيث كان معروفا بذلك، ولكن الخطاب الليبرالي الذي كان يستخدمه لتبرير ما يريد. كتب فاراج في صحيفة الديلي تلغراف: "لا يرغب حزب استقلال المملكة المتحدة في خذل المهاجرين ولا وصمهم أو تثبيطهم أو إلقاء اللوم عليهم لمجيئهم إلى هذا البلد، محاولين خلق حياة أفضل لأنفسهم"، وأكد أن "نظام النقاط" هو الأساس العادل الوحيد لإدارة الهجرة.

يشير مصطلح "النيوليبرالية/الليبرالية الجديدة" إلى عدة أشياء مختلفة، ولكن ربما يكون مفهومًا على أفضل وجه في سياق أنه حركة فكرية وسياسية تسعى إلى إعادة اختراع الليبرالية في السياق الرأسمالي في القرن العشرين

ومن النظرة الأولى، فسنجد بأن هذه حالة بسيطة من حالات التثليث الخطابي: فالحزب المعروف بأنه أقل الأحزاب حُبًا للمهاجرين والهجرة، يستطيع الآن أن يتكلم بنبرة ليبرالية، ويعطي مظهرًا شاعريًا للسياسات المناهضة للمهاجرين. ولكن الأولوية المتعلقة بـ"نظام النقاط" تشير إلى أن هناك شيئًا أكثر أهمية هنا، حيث يرتكز الخطاب الليبرالي لحزب استقلال المملكة المتحدة بثبات على النزاهة المزعومة لنهج "النقاط" نفسها. وكما ذكر الموقع الإلكتروني للحزب، فإن "نظام النقاط الأسترالي" يلتزم "بمبدأ المساواة في التطبيق لجميع الناس". ما الذي يمكن أن يكون أكثر ليبرالية من ذلك؟

في جوهر هذه المناقشة السياسية يكون الانشقاق بين "الليبرالية" و"النيوليبرالية/الليبرالية الجديدة" كفلسفتين أو عقلانيتين سياسيتين متنافستين. ويفترض مفهوم "نظام النقاط" الخاص بالهجرة أن مسألة الهجرة المشروعة هي مسألة اقتصادية في نهاية المطاف تتمثل في منح الجنسية فقط لفئات اقتصادية معينة من المهاجرين. ومع ذلك، فإن الكثير من الليبراليين الاقتصاديين يجادلون بأنه ينبغي للحدود ببساطة أن تخفف في جميع المجالات، من أجل تعزيز مرونة أكبر في سوق العمل بشكل عام. ومن الواضح أن حزب استقلال المملكة المتحدة لا يسعى لذلك.

اقرأ/ي أيضًا: مبررات ترامب الفاشلة.. عداء للاجئين أم لكل ما هو غير "أبيض"؟

يعمل "نظام النقاط" من خلال تخصيص درجات مختلفة لكل مواطن محتمل، استنادًا إلى مؤهلاتهم وقدراتهم اللغوية وخبرتهم العملية. ثم يُطْلَبُ عدد معين من النقاط للحصول على الإذن بالدخول. ولذلك فإن الغرض من هذا النظام هو التمييز بين المهاجرين المتنافسين، وهو ما يتماشى بالضبط مع سياسة حزب استقلال المملكة المتحدة. وبما أن التحيزات العنصرية أو الثقافية تركز على دولٍ عشوائية، فإن الوعد بـ "نظام النقاط" هو وعد لحساب القدرات البشرية المختلفة وفقا للاستعارة الاقتصادية لرأس المال البشري، وهو مفهوم نشأ في الستينات عند الخبير الاقتصادي في مدرسة شيكاغو، غاري بيكر.

ويمكن النظر إلى "نظام النقاط" على أنه مثال عملي للسلطة الليبرالية الجديدة، ويسلط الضوء على عدد من الفروق الجوهرية بين الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية، والليبرالية الجديدة. كل واحدة من هذه الفلسفات أو العقلانيات الثلاث لها نسقها التاريخي والفكري المميز، والثلاثة أنظمة ما زالت على قيد الحياة جنبًا إلى جنب حتى الآن، وأحيانًا يكملن بعضهن البعض، وفي أحيان أخرى يصطدمن. ولكن من الممكن والمفيد أن نبين الفروق الحاسمة بين المصطلحات الثلاثة، وذلك ليتسنّى لنا رؤية الصراع أو الاختلاف بين الليبرالية والليبرالية الجديدة.

تُفهم الليبرالية بالمعنى السياسي على أنها فلسفة تعامل الأفراد بصفتهم أصحاب حقوق معينة معترف بها في إطار نظام من قوانين السيادة. والأهم من ذلك أن لهم الحق في الحياة والضروريات التي تصاحب ذلك الحق، والتي تشمل بعض الضروريات الاقتصادية. وقد اُعْتِرف منذ فترة طويلة بأن الملكية حق فردي أساسي في الأطر الليبرالية، وهو ما يفسر جزئيًا الصلة بين الليبرالية السياسية والاقتصادية. وثمة فرضية حاسمة عند الفكر الليبرالي والسياسة الليبرالية وهي أن الأفراد جميعًا يتمتعون بوضع متساوٍ كمواطنين قانونيين، بغض النظر عن أوجه عدم المساواة والاختلاف الأخرى التي قد تقسمهم. وفي كثير من الأحيان (ولكن ليس بالضرورة)، يتمم هذا بفلسفة المساواة في المواطنة الديمقراطية.

تُفهم الليبرالية بالمعنى السياسي على أنها فلسفة تعامل الأفراد بصفتهم أصحاب حقوق معينة معترف بها في إطار نظام من قوانين السيادة. والأهم من ذلك أن لهم الحق في الحياة والضروريات التي تصاحب ذلك الحق

وإلى حد كبير، فإن الالتزام الليبرالي بالشرعية والمساواة أمام القانون هو الذي يستثني طرفًا مثل حزب استقلال المملكة المتحدة في المقام الأول. حيث أن الإحساس بأن القضاة قادرون على إبطال الحكومات المنتخبة ديمقراطيًا ودعم مواثيق حقوق الإنسان التي تعامل جميع الثقافات والأمم على قدم المساواة، كان واحدًا من الدوافع الرئيسية للسياسة اليمينية في الغرب منذ الستينيات. وفي الولايات المتحدة، كان دور المحكمة العليا في إضفاء الشرعية على الإجهاض أحد المحفزات الرئيسية لـ "الحروب الثقافية" التي أحيت المحافظين والأصوليين في الثمانينات.

وبطبيعة الحال، يمكن للسياسة الوطنية أن تسعى إلى الانسحاب من الاتفاقات والقوانين الدولية، بغية تقليص نطاق الليبرالية السياسية لتشمل المواضيع الوطنية فقط. ومع ذلك، لا يزال هذا الشكل من الليبرالية السياسية يضطهد أولئك المجتمعيين الذين يريدون أن يروا حياة جماعية تحكمها التقاليد والهوية، بدلًا من القوانين القانونية المجردة. وفي غياب الدكتاتوريين أو الأقلية في التعبئة ضدهم، فإن الخطر الذي تواجهه الليبرالية السياسية هو أنها تتحول بشكل متزايد إلى الاهتمام الخاص، وهو عمل للمحامين والناشطين في مجال حقوق الإنسان.

ولذلك فإن مشاركة الليبراليين السياسيين لنفس أجندةِ الليبراليين الاقتصاديين هي من أهم الموارد بالنسبة لسلطة الدولة الأولى. حيث ينطلق الليبراليون الاقتصاديون من فرضية النفعية التي تنص على أن التبادلات غير المنظمة في السوق هي لتعزيز الرفاه، وهذا الادّعاء كان الأساس لآدم سميث حينما دشّن حقل العلوم الاقتصادية. وهذا يخرج لنا البرنامج السياسي المعروف باسم "اقتصاد عدم التدخل"، والذي تقدم فيه الدولة أشكالًا قليلة من التنظيم القانوني والحماية القانونية، مثل حقوق الملكية وقانون العقود وبعض القوانين الجماعية مثل الدفاع الوطني، ولكنها تسمح للأسواق بتنظيم نفسها بنفسها. من الناحية التاريخية، كانت ذروة هذا البرنامج السياسي في الاقتصاد البريطاني بين 1820 و1870.

والفرضية الأساسية لفهم "اقتصاد عدم التدخل" هو أن العوالم السياسية والاقتصادية (المقابلة بشكل كبير للدولة والسوق) موجودة ولكنها منفصلة عن بعضها البعض. يمكن للشخص أن يكون مواطنًا كاملًا بالمعنى السياسي، ولكنه فقير بالمعنى الاقتصادي. ويمكن للدول أن تعاقب المجرمين أو أن تشن الحرب، ولكن لا ينبغي لها أن تتدخل في علاقات السوق بين الجهات الفاعلة، وهلّم جرًّا. وقد اُنتقدت فكرة العوالم السياسية والاقتصادية المنفصلة على نطاق واسع، ليس فقط من قبل الماركسيين (على أساس أنها توفر غطاءً للاستغلال الطبقي)، ولكن أيضا من قبل كارل بولاني، الذي قال بأن الأمر كله وهم ولا يمكن تطبيقه. ومن وجهة نظر بولاني، القائلة بأنه لا يمكن للدولة أن تكون غائبة تمامًا عن المجال الاقتصادي، لأنها تعمل باستمرار على إنتاج وإنفاذ الحريات الاقتصادية التي يعاملها أنصار "اقتصاد عدم التدخل" على أنها "طبيعية".

من السهل نسبيًا تصور سياسة الهجرة التي تم "صياغتها زورًا" حول مبادئ الليبرالية الاقتصادية، بل إن حكومة توني بلير كانت على استعداد لفترة وجيزة للدفاع عن مستويات الهجرة المتزايدة على أساس تعزيز الرفاه الكلي في السنوات السابقة لـ11 أيلول/ سبتمبر. ولكن مرة أخرى، فإن الشعور بأن السوق سيحل كل المشاكل لوحدهِ، في حين أن الحكومة تقف في الخلفية تنظر وحسب، هو استفزازٌ لأي شخص يعتقد بأن الأسواق تحتاج إلى تصميم وبناء وتلاعب لتحقيق أكبر فائدة محلية. ويشمل ذلك الشعبويين مثل حزب استقلال المملكة المتحدة، ولكنه يشمل أيضًا الليبراليين الجُدد.

لم تسعَ الليبرالية الجديدة إلى بناء دولة ضعيفة؛ بل هي فلسفة سياسية كانت تنظر إلى الدولة كطريقة لإعادة تشكيل المجتمع حول المثل العليا

يشير مصطلح "النيوليبرالية/الليبرالية الجديدة" إلى عدة أشياء مختلفة، ولكن ربما يكون مفهومًا على أفضل وجه في سياق أنه حركة فكرية وسياسية تسعى إلى إعادة اختراع الليبرالية في السياق الرأسمالي في القرن العشرين. هذا السياق يختلف عن سياق الليبرالية الفيكتورية اختلافًا شاسعًا، وخصوصًا من حيث حجم المركزية البيروقراطية في كل من مجال الأعمال والحكومة. فكريًا، بدأت الحركة في ثلاثينات القرن الماضي، وجمعت حولها زخمًا كبيرًا عن طريق مراكز البحوث والتبادلات الأكاديمية في فترة ما بعد الحرب، ومن ثم وضعت يدها على الحكومات والمؤسسات متعددة الأطراف ابتداءً من السبعينات وما بعدها. والتباين بين هذه الليبرالية "الجديدة" وسَلَفيها الليبرالية السياسية والاقتصادية يمكن تبسيطه إلى ثلاثة اختلافات.

أولًا، لم تسعَ الليبرالية الجديدة إلى بناء دولة ضعيفة؛ بل هي فلسفة سياسية كانت تنظر إلى الدولة كطريقة لإعادة تشكيل المجتمع حول المثل العليا. بذل ميشيل فوكو الكثير من الجهد ليؤكد على أنها ليست شكلًا آخر من أشكال اقتصاد عدم التدخل، بل تمنح الدولة دورًا رئيسيًا في تشكيل تعريف الحرية الاقتصادية وتثبيتهِ. لذلك، في حالة الهجرة، فإن المفهوم الليبرالي بأن الرفاه الاقتصادي سيتعاظم ببساطة عن طريق فتح سوق العمل الوطنية لجميع القادمين سيتم مقاومته من منظور الليبرالية الجديدة. ومن المعقول تمامًا، من المنظور الليبرالي الجديد، أن تسعى الدولة إلى تنظيم شيء مثل تدفقات العمل، لخدمة أهداف اقتصادية استراتيجية معينة.

اقرأ/ي أيضًا: سفينة أكواريوس وسياسات الهجرة الأوروبية.. استخفاف بالأرواح

إن الاعتقاد في دولة قوية لا يشكل في حد ذاته تناقضًا للتقاليد القديمة للليبرالية السياسية. لقد جعل أساس توماس هوبز من الفلسفة السياسية الليبرالية، من الدولة شرطًا مسبقا للحرية، مما يتطلب احتياطيات لا توصف من السلطة المركزية من أجل الحفاظ على المجتمع المدني. عادة ما يبني الليبراليون الجدد على هذا التقليد المتشائم للفلسفة الليبرالية، ويتقاسمون نفس الفكرة عن الدولة المطلقة كإطار مسبق للحرية. إن الليبراليين الأكثر تفاؤلًا، ينظرون إلى الأسواق والمجتمع المدني على أنها مساحات للحكم الذاتي والتنظيم الذاتي المحتمل.

ثانيًا، تتخلى الليبرالية الجديدة عن الخوف الليبرالي من الفصل بين الحياة السياسية والاقتصادية. في نهاية المطاف، كل شيء يمكن معالجته من الناحية الاقتصادية، بما في ذلك الدولة والقانون والديمقراطية والقيادة والمجتمع المدني. وتعامل المثل والقيم السياسية على أنها خطرة ويمكن أن تؤدي إلى الاستبداد. من وجهةٍ نظرٍ ليبرالية جديدة، يكون الوضع أكثر أمنًا إذا ما تم النظر إلى جميع مجالات السلوك الإنساني باعتبارها اقتصادية وإعادة تشكيل الأماكن السياسية أو الثقافية حول نموذج السوق.

وهذا لا يعني بالضرورة الخصخصة الكاملة للسلع العامة، حيث يمكن لـ "شبه الخصخصة" أن يكون نتيجةً لأشباه الأسواق: كالتعليم والصحة والفنون، وما إلى ذلك، بحيث يتم تقييمها وتصنيفها وحكمها كما لو كانت سوقًا عاديًا. ويعتبر ذلك أفضل من حكمها بشروطها الخاصة والتي تعتبر عرضة للفساد والسلوكيات التي تخدم المصالح الذاتية. في نهاية المطاف، تعد المؤسسات السياسية للقانون والتقاليد والسيادة، "هراءً" من منظور الليبرالية الجديدة. ويمكن لمسائل المواطنة والعدالة (التي تخلق أسئلة الهجرة للليبراليين السياسيين) أن يتم تجاهلها ببساطة ضمن الإطار الليبرالي الجديد، والاستعاضة عنها بمسائل تكنوقراطية تتعلق بالإنتاجية والحوافز والمخاطر والعائد على الاستثمار. ويمكن النظر إلى "نظام النقاط" على إنه نتاج هذه التكنوقراطية المتخلفة عن الشواغل السيادية.

ثالثا، تعامل الليبرالية الجديدة التنافس باعتباره أهم قيم الرأسمالية. وهناك سبب بسيط لذلك: من خلال عمليات المنافسة، يصبح بإمكاننا معرفة من هو وما هو الشيء القيّم. وكما قال فريدريش هايك: المنافسة "عملية اكتشاف". في غياب المنافسة المنظمة، ستكون هناك وجهة نظر واحدة ومحسورة ومفروضة من قبل المثقفين والمخططين (مشكلة الاشتراكية). أو سيكون هناك مُرّشحين يتبادلون الصراخ وكلهم يسعون إلى إغراق وقتل بعضهم البعض (مشكلة الديمقراطية). ولكن هذا يثير الضرورة الملحة للمنافسات التي يجري تخطيطها وإداراتها جيدًا، وبالتالي تظهر هنا أهمية المدققين والتصنيفات والمدربين والتقنيات تحفيزية والاستعارات الرياضية في الثقافة المعاصرة.

وبالنسبة للليبراليين الاقتصاديين والسياسيين مثل سميث، فإن الميزة الكبيرة للسوق هي أنه يجمع الناس معًا. ونه أنتج شكلًا جديدًا من أشكال المساواة، حيث يتعاون الناس مع بعضهم البعض ويتعاطفون مع وجهات نظر بعضهم البعض. وفي النهاية، سيؤدي التبادل الاقتصادي إلى تحقيق السلام الاجتماعي. بالنسبة لليبراليين الجُدد، فإن الأمور مختلفة جدا. فالملكية المركزية للرأسمالية ليست التكامل وإنما التمييز: التنافس يفصل الزعيم عن أتباعه والفائز عن الخاسر والمتسلق عن المتزلج والمهاجرين الناطقين بالإنجليزية عن المهاجرين الطفيليين. أي شيء يمكن أن تفعله الدولة لدعم عملية الفرز هذه (مثل إصلاح نظام التعليم) يعتبر موضع ترحيب. وعلى المستوى الكلي، يجب على الدول نفسها أن تسعى جاهدة للتميز عن بعضها البعض، مثل الشركات أو العلامات التجارية التي تتبع استراتيجيات متباينة مثل "القدرة التنافسية" في "السباق العالمي".

بالنسبة للليبراليين الاقتصاديين والسياسيين مثل آدم سميث، فإن الميزة الكبيرة للسوق هي أنه يجمع الناس معًا، وأنه أنتج شكلًا جديدًا من أشكال المساواة!

هناك منطق سياسي واقتصادي لهذا، وليس مجرد دفعة يمينية رجعية. في الواقع، لا تزال هناك بعض الانطباعات الليبرالية هنا، ولكن مدفونة عميقًا. إن الافتراض الذي تقوم عليه النظرة الليبرالية للعالم هو النظرة الاجتماعية، أي أننا نعيش في ظل ظروف الحداثة، حيث يجري باستمرار تجديد نسيج الوجود الإنساني. والسؤال هو ما إذا كنا نريد أن نمتاز بالمؤسسات السياسية والجماعية في تلك الديناميكية أو أن نمتاز اقتصاديًا وفرديًا. إن نزعة الليبراليين الجدد هي أن الخيار الأول أكثر أمانا للليبرالية من السابق، حتى لو كان يعني هذا العيش في ظل احتكار القلة للشركات وفي ثقافة ريادة الأعمال المستمرة التي تؤدي في النهاية إلى النرجسية الاكتئابية.

اقرأ/ي أيضًا: ما بعد الحداثة كبروباغندا للأنظمة

ما الذي يبقى من الليبرالية في الليبرالية الجديدة؟ هل يمكن حقا لحزب استقلال المملكة المتحدة أن يسيطر على لغة الإنصاف؟ تقدم الفكرة التي تقول بأن العدل الآن، يتكون من منهجية تقييمية تمييزية "تطبق على قدم المساواة على جميع الناس"، تصورًا دقيقًا إلى حد معقول عن الضعف المعياري لـ "الليبرالية الجديدة". وهو أمر لا يمكن النظر إليهِ على أنه ليبرالية.

الشيء الوحيد الذي امتلكه رواد الليبرالية الجديدة والذي قد يأخذه الليبراليون المعاصرون في عين الاعتبار هو روح إعادة التصميم والابتكار. فبدلًا من مجرد النظر إلى السوق أو القانون لدعم المثل العليا، كما فعل الليبراليون الاقتصاديون والسياسيون، رأى النيوليبراليون الحاجة إلى إعادة اختراع أفعال لكليهما. وستكون هناك حاجة إلى أدوات سياسية جديدة لبناء ليبرالية جديدة للقرن العشرين، وقد وجد بعضها الآن طريقها إلى أيدي المحافظين واليمينيين مثل فاراج. والسؤال المطروح هنا، هل من الممكن إعادة اختراع أي شيء جديد اليوم، استنادًا إلى خيال ليبرالي مختلف عن ذلك الذي لا يتمتع إلا بالاقتصاد والقدرة التنافسية، ويمتد إلى كل تفاصيل الحياة؟

 

اقرأ/ي أيضًا: 

لورين برلنت.. خارج مستنقع السلبية أمام عادية العنف وبنيويته

حنة آرندت.. فيلسوفة تفكيك الشمولية