جنازة زعيم الحزب الشيوعى بالسودان إبراهيم نقد Photo credit should read ASHRAF SHAZLY/AFP/Getty Images

من بين أحداث الأيام الماضية في المشهد السياسي السوداني، استرعى انتباهي اثنان كان التعاطي معهما من الناشطين السياسيين على مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما "فيسبوك"، يتسم بحدة وعنف ونفاد صبر على النقاش، لا أذكر أنني شهدته من قبل. الحدث الأول كان إعادة انتخاب السكرتير السياسي السابق للحزب الشيوعي السوداني، لدورة جديدة في بداية الشهر، والثاني هو توقيع فصائل من المعارضة المسلحة والمدنية، على "خريطة طريق" قبل ثلاثة أيام، ومن ثم انخراطها في مفاوضات مع النظام الحاكم في السودان.

لست ضد أي تسوية تقود لوقف حرب ضحاياها مواطنون سودانيون، أكثرهم مدنيون يعيشون حياة قاسية لا تطاق، وموقفي هذا يأتي من انقطاع أملي منذ زمن

في الحدث الأول، واجه شيوعيون سخرية بعض الناشطين من إعادة انتخاب السكرتير السياسي لحزبهم، بلغة حادة واتهامات للمتهكمين بالحقد على الحزب واستهدافه، بل وصل الأمر إلى اتهامهم بخدمة أجندة أمنية للنظام، قبل أن يظهر نفاد الصبر في تعليقاتهم التي تقول محصلتها بعدم السماح لمن ليسوا أعضاء في الحزب بالتدخل في أموره الداخلية.

اقرأ/ي أيضًا: جنوب السودان.. صراع متجدد في دولة هشة

أما في ما يخص التوقيع على "خريطة الطريق" للمفاوضات مع النظام، فكان الخلاف بين الرافضين للخطوة والمؤيدين لها. فبينما يقول المؤيدون وأنصار الفصائل الموقعة إن وقف الحرب أمر مهم يجب دعمه وأي فرصة للسلام عبر التفاوض، رأى الرافضون أن الجلوس إلى مائدة التفاوض خيانة. وهو ما رد عليه الفريق الأول باتهامهم بأنهم يجلسون في الظل ولا يعرفون شيئًا عن الحرب وقسوتها.

عنِّي، لست ضد أي تسوية تقود لوقف حرب ضحاياها مواطنون سودانيون، أكثرهم مدنيون يعيشون حياة قاسية لا تطاق، وموقفي هذا يأتي من انقطاع أملي منذ زمن، في من يتصدرون واجهة المعارضة، إذ لا توحي قرائن الأحوال حتى الآن بقدرتهم على الخروج بالبلاد مما أوصلها إليه الإسلاميون، وتغذي عدم الأمل هذا الثقافة الشائعة في المجتمع السوداني، بشقيه المعارض والموالي للحكومة، لذا بقدر عدائي للحاكمين، لست أرتجي من معارضيهم اليوم أكثر من وقف نزيف الدم هذا، إن استطاعوا.

لكن الملاحظة التي أود تسليط النظر عليها، هي أن الخطاب السياسي بدأ يجنح للعنف بين المعارضين أنفسهم. فالمعترضون على إعادة تنصيب سكرتير الحزب الشيوعي، حسب ملاحظتي، يدفعهم أمران، أولهما أمل كظيم في الحزب ودوره، يهدده -الأمل- أن يشبه الحزب غيره من أحزاب الطائفة والزعماء الذين يفارقون مناصبهم بالموت، لذا بدا لي غريبًا أن تنتج عضوية حزب يتحدث كثيرًا باسم "الشعب"، خطابًا يطالب أفرادًا من هذا الشعب بعدم التدخل في شؤونه ولو بإبداء عدم الرضا، فقط لأنهم عدّوا أي نقد للحزب هجومًا.

هي أزمة حقًا، كون من يتعاطون العمل السياسي، حاكمين ومعارضين يضيقون ذرعًا بالرأي، ويعمدون إلى الحيلة الحكومية القديمة التي تقول إن الكيان "مستهدف"، سعيًا خلف تماسك داخلي يغطي على الثقوب التي تكشف عورة ذلك الكيان. وما يجعلها أزمة، هو أن هذا القصف المتبادل، أبطاله شباب على وشك أن يرثوا المشهد السياسي، وليسوا شيوخًا منغلقين على أوهام شيخوختهم السياسية. لذلك حين أفكر في أن هؤلاء هم المستقبل؛ يتعمق تشاؤمي أكثر.

اليوم، وفي ظل سيطرة منطق "التنزيه" وسط المعارضين والحاكمين معًا، وكأن تنظيماتهم لا تخطئ؛ هذه السيطرة مصحوبة بثقافة الإقصاء والتعصب وغياب العين الناقدة، أو قمعها إن وجدت؛ فإن النظر إلى ما ستكون عليه حال السودان بعد عشر سنين، ليثير قشعريرة حتى في المتفائل.

اقرأ/ي أيضًا:

صباح سنهوري: ستغمر المحبة العالم

السودان.. دعوات إلى "انتفاضة ثالثة"