29-أبريل-2016

طفل يهرب من القذائف في حلب (تصوير بهاء الحلبي)

بات من الواضح أن النظام السوري، بدأ السعي جديًا لكسب المزيد من الوقت، قبل انعقاد مباحثات السلام السورية في أيار/ مايو المقبل، دون الإشارة لتاريخ انعقادها، ما يسمح للنظام وحلفائه بالإجهاز على ما تبقى من الأجزاء التي تسيطر عليها المعارضة السورية في مدينة حلب.

سكان الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة في حلب، مهددون بخطر الإبادة الجماعية، بحجة القضاء على "المجموعات المسلحة"

ولعل ما تتعرض له هذه الأجزاء من استهداف للمباني السكنية والخدمية، خير دليل على ذلك، بعد تكثيف الطيران الحربي قصفه لها، وسقوط أكثر من مائتي شهيد ومئات الجرحى، في خطوة تصعيدية هي الأعنف منذ خروجها عن سيطرة النظام، وحملة البراميل المتفجرة التي شنها خلال عام 2013.

اقرأ/ي أيضًا: في قريتنا ماسوني

ورغم المناشدات التي أطلقها نشطاء الثورة السورية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتنديد الدولي "الخجول" بمجازر النظام السوري المرتكبة في أماكن السكن المدنية، فإن ذلك لم يشفع لها عند أصحاب المناصب العليا في "الدول الديمقراطية"، الذين تضامنوا قلقًا مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ما يجعل ما تبقى من سكان الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة، مهددين بخطر الإبادة الجماعية، بحجة القضاء على "المجموعات المسلحة" و"القوى المتطرفة"، ومحاربة الإرهاب أيضًا.

وعلى وقع المناشدات الدولية التي نادى بها نشطاء الثورة السورية، بدا العالم أكثر انهيارًا للقيم الإنسانية، في ظل تجنبه التنديد بالاحتفال اليومي من قبل إعلامي النظام السوري، في صور "السيلفي" الملتقطة مع جثث عناصر من فصائل المعارضة الذين قضوا في صد تقدم قوات النظام على أطراف المدينة، عفوًا، أقصد عناصر "المجموعات التكفيرية"، خوفًا من خدش حياء قاموس المصطلحات الدولي.

إذن، يبدو أن تلك الصور لا تهم موثقي انتهاكات حقوق الإنسان من اللجان الدولية، بما أن الحليف الروسي، يملك الإثباتات الكافية التي تؤكد أن معارضة النظام السوري، ليست إلا جماعات إرهابية سواء كانت عسكرية أو مدنية، شيوخًا أو نساًء أو حتى أطفالًا.

التنصل من مسؤولية المحرقة التي تحدث في حلب، ليس إلا نصبًا تذكاريًا، للمقتلة الأعنف التي سيكون بطلها في القرن الحادي والعشرون الشعب السوري، ويمكن أن نضيف إليها تصريح الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف، الذي وجه أصابع الاتهام لطائرات التحالف الدولي، في استهدافها لمشفى القدس في حي السكري، أخر المشافي التي كانت تعالج مرضى الداخلية والقلب، والأطفال المرضى، المتواجدة في معاقل المعارضة من مدينة حلب، في تبرئة واضحة للنظام السوري من عملية القصف.

هذه التبرئة الروسية، رافقها تردد واضحٌ في توجيه أصابع الاتهام للنظام السوري، من قبل المجتمع الدولي بعد خروقاته الفاضحة للهدنة، بل أكثر من ذلك ما يثير الذعر فيما تتعرض له مدينة حلب في ظل الهلع الدولي من الاعتراف فيما يحصل، هو ما أعلن اليوم صباحًا عن الهدنة المزمع تنفيذها عند الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، في مناطق دمشق واللاذقية، من دون الإشارة لمدينة حلب.

كأن قدر هذه المدينة، التي اختارتها منظمة اليونيسكو عام 2006 عاصمًة للثقافة الإسلامية، أن يباد ما تبقى من أجزائها المعارضة لنظام الأسد، طالما أن خبراء الأثار الروس بدأوا ترميم الـ 80% المتبقية من أثار مدينة تدمر، على الأقل ستتوقف إحدى المنظمات الدولية لفترة زمنية ليس بالبعيدة عن القلق.

اقرأ/ي أيضًا: خطاب ثوري وجماهير لا تكترث

وللحقيقة علينا أن نعترف بأن ما يحدث في حلب تحديدًا، نظرًا لمكانتها الاستراتيجية والتاريخية، وكونها الحلقة الفصل في مباحثات السلام التي ستعقد خلال الشهر القادم، هو أن الملف السوري خرج من يد مجموعة "أصدقاء سوريا"، الداعمين الرئيسيين للمعارضة السورية، لصالح روسيا وإيران، أصحاب النفس الطويل في المفاوضات. إضافة لأن ما قدمه النظام السوري للمجتمع الدولي من ضمانات، يأتي على رأسها ملفات إعادة الإعمار، كان مقبولًا أكثر مما قدمته المعارضة السورية لحلفائها، الذين ما زالوا يتأرجحون في مواقفهم ناحية المعارضة بين المد والجزر.

يصر المجتمع الدولي على تجاهل النزيف اليومي في كافة الأراضي السورية، بحجة البحث عن قوى الاعتدال

حتى إذا ما حاولنا التحليل بعض الشيء، في اختيار المبعوث الأممي السويدي الأصل – إيطالي الجنسية ستافان دي ميستورا، نلمس في أن هذا الأخير، تعود أصوله إلى بلد، شهد آخر نزاع مسلح في العقد الثامن من القرن الثامن العشر، وكان يقف على الحياد خلال الحربين العالميتين، على ما تذكر كتب التاريخ عن السويد، لذا علينا عدم الدهشة في تصريحاته التي يبدو فيها ميالًا للنظام، أكثر من مطالب المعارضة، بما أن رؤيته للحل السياسي تتماهى أشد التماهي مع أصدقائه الروس، وأربابهم من أنصار العلمانية الحديثة.

يصر المجتمع الدولي على تجاهل النزيف اليومي في كافة الأراضي السورية، بحجة البحث عن قوى الاعتدال لمحاربة الإرهاب في سوريا، هي معركة فرضتها كافة الأطراف الدولية وغير الدولية على السوريين، معركة لم يبحثوا عنها يومًا، لكن للروس كلمتهم الفصل، طالما أن ديكتاتورية البروليتاريا لن تغير من شخصية الكرملين الأولى، على الأقل خلال الأعوام القليلة القادمة، عكس ما يحصل حاليًا في صناديق اقتراع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عند مجموعة أصدقاء سوريا.

اقرأ/ي أيضًا:

لم يعتقلكَ أحد

غزة.. الحرب قبل الحب