31-ديسمبر-2015

غرافيتي في مدينة الرجبان، في الجبل الغربي في ليبيا

من الواضح أن الإنسان العربي لا زال رازحًا تحت نير التشظي والانقسام بين ذاتين: ذات مواطنين وذات رعايا. وهذا راجع لكونه لا يزال يعيش ضمن بنيات راكدة آسنة تقليدية متهالكة من حيث العمق، حديثة متطورة من حيت السطح. 

يصعب علينا فهم الأوضاع السياسية في البلدان العربية دون الرجوع إلى الذهنية القبلية

إن هذا الانقسام والتشظي ما برح يعم كل مكونات المجتمعات العربية المعاصرة التي تهمش الثقافة العلمية وتفتح المجال أمام الثقافات البدوية التي تعتمد العصبيات والمذهبيات وأساطيرها، والسحر وتقنياته، وتطمس أدنى بوادر الانتقال التطوري من ثقافة تقوم على تضامن تكراري انطوائي إلى أخرى تقوم على تضامن إبداعي انفتاحي.

إن هذا التعايش بين التراث والحداثة، التتريث والتحديث، البداوة والحضارة، أدى إلى إنتاج بنى مركبة متناقضة تصل وتفصل الماضي عن الحاضر، وتعمل على إنجاب ثقافة بدوية انطوائية تعمد إلى التتريث (تجديد التراث) وإخضاع المتعدد للواحد الأوحد مقابل تحقيق الرعاية والحماية، وتجنب النبذ والاستبعاد والإقصاء. وبالتالي سرعان ما تتحول هذه البنيات إلى معتقلات ذاتية يرتضيها الفرد لنفسه حفاظًا على أمنه ومنبع رزقه. ومن ثم، فإن العدو اللدود الذي تعمل محركات هذه البنيات جاهدة من أجل محاربته هو روح الانطلاق والحرية إذ تعتبرهما زيغًا عن الثوابت والأصول. 

يصعب علينا فهم الأوضاع السياسية في البلدان العربية دون الرجوع إلى الذهنية القبلية، ويكفي أن مفكرًا كبيرًا كابن خلدون قد تنبه منذ وقت مضى إلى أهمية المزاوجة بين العصبية القبلية وبين العصبية الدينية في تشييد الأسس التي تقوم عليها الدولة، وتقوي استمرار وجودها وقوتها أو انهيارها. وفي زمننا الراهن لا زالت أنظمة الحكم العربية تضمن استمرارها باللجوء إلى العصبيات القبلية، حيث نجد في كثير من البلدان العربية استمرار العلاقة العضوية بين النظام الاجتماعي والسياسي وبين القبيلة، أي أن الدول العربية لا زالت تتخذ من البدولوجيا مصدرًا لإضفاء المشروعية على حكمها الجائر، حيت نجد الحاكم في الدول العربية يسود ويملي ويوجه ويلزم المحكومين بقراراته وبكيفية تنفيذها، يعاقب ويسامح في كل المجالات من الدين مرورًا بالأخلاق، وصولًا إلى الاقتصاد والهندسة ومكانة العلوم وكرة القدم والروحانيات. 

يحيط بهذا الحاكم طائفة من المقربين ترفض الظهور إلا لرجل واحد يكون أقرب المقربين من الحاكم وعادة ما يكون هذا الرجل وزيرًا حازمًا أو مستشارًا داهية، وهذا ما دفعنا إلى القول بأن العلاقة بالسلطة في الدول العربية تجد جذورها في القديم.

لا تخلو إدارة عربية من هياكل تنظيمية تنبع من الأسس العلمية والقانونية لكن القوى المحركة لها تنبع من الهياكل التقليدية 

صحيح أن هذه الدول تعرف تكنولوجيا متقدمة في نظم المعلومات والتعامل، وتشهد هياكل تنظيمية اقتصادية ومجتمعية (نوادي ثقافية، جمعيات، أحزاب، نقابات مهنية...) توحي بالتحديث، لكن كل هذه التنظيمات والهياكل تبقى جوفاء عمياء إذا لم ينعشها أفراد. وهؤلاء الأفراد قادة وأتباع، كيف يفكرون، كيف يتصرفون، كيف يتخاطبون؟ إذا كانوا قد نشؤوا في أحضان ثقافة القبيلة، وإذا كانت تربية القبيلة هي كل ثقافة الأم، مجسدة في سلوكها وكلامها ونصائحها، ألا يؤدي ذلك إلى تحويل فرع الحزب والنقابة والجمعية وسائر التنظيمات الحديثة في المدينة إلى قبيلة مصغرة تنتج ثقافة الخضوع والانقياد والنية والتوسل؟

رغم أن القائمين على الحكم في هذه الدول لا يبرحون ينادون بحكم المؤسسات وحكم القانون ونظم الإدارة الحديثة إلا أنهم يتصرفون وفق منطق بدولوجي، فلا تخلو أي إدارة عربية من هياكل تنظيمية رسمية تنبع من الأسس العلمية والقانونية إلا أن القوى المحركة لها لا زالت تنبع من الهياكل البدوية التقليدية القائمة على العائلة والطائفة والعشيرة.

أضحى معمر القذافي الذي حكم ليبيا زهاء إحدى وأربعين سنة مثالًا واضحًا عن هذا الترابط العضوي بين الدولة والقبيلة الذي يختزل الواحد في المتعدد، واحد خيل إلى محكوميه أنه الرجل المنشود طالما أن القبائل العربية تنتج شيوخها لا دولها، وتبحت عن رجلها لا عن حكومتها الحديثة، حيث صورة الرجل المنشود تطغى عندها على مطلب الدولة ورجالاتها، مما أتاح للقذافي قلب دولة الملك إلى جمهورية سماها "جماهيرية" أي لا دولة بالمعنى الدقيق المضاد لمفهوم الدولة، أو بمعنى ديمقراطية القبائل حيت تكون القبيلة هي الحزب والسلطة والشعب معًا. وتكون كلها مختصرة في شخص "ولد الخيمة"، الشرط الأساسي لدوام سلطته كما في قول محكوميه "معمر يا ولد الخيمة...أنت القايد ديما ديما".

اقرأ/ي أيضًا:

المغرب.. أحزاب أم قبائل؟

المغرب.. كل شيء ساخن على جبهة الحريات