14-ديسمبر-2015

لا تزال لوحات كيتي كولفز حاضرة في ذاكرة الفن التعبيري الألماني

ليس هناك من مناسبة معينة للحديث عن لوحات الرسامة الألمانية كيتي كولفز (Kathe Kollwitz 1867 -1945)، فهذا الزمان الزاخر بالمآسي كله مناسب لاستذكار وتأمل سيرة حياة هذه الفنانة، وتلمس ما رسمته يداها على الورق. 

حين أحرقت النازية كل أفكار التعبيرين الألمان، استطاعت كولفز أن تنجو وتبقى خالدة

هي واحدة من أكثر النساء أهمية في القرنين الماضيين، رغم وجود أسماء كثيرة وأعمال هامة لفنانين صنعوا بفكر وحرفية عالية أعمالهم الفنية داخل ألمانيا وبقية الدول الناطقة بالألمانية، إلاّ أن اسمها بقي خاصًا يبوح بشخصية تختزن لغة فردانية حسيّة عالية تحفرها الخطوط السوداء. فبالقليل من الأدوات والكثير من خيبة الأمل، وبالتحديد حين أحرقت النازية كل أفكار التعبيرين الألمان استطاعت كولفز أن تنجو وتبقى خالدة. 

بعيداً عن التصنيفات الفنية ونحو غرقٍ أكبر بفردانية امرأة متألمة لأن رؤيتها للعالم خابت أمام كوارثه ومصائبه، ولأن الحرب لعبة الأقوياء فماذا يمكننا نحن الضعفاء أن نفعل خلالها غير العمل؟ إذن سنرسم. وهذا ما قامت به كولفز خلال حياتها الطويلة. فلم تكن سنواتها السبعون بالأعوام الكافية لانتهاء المأساة، ولا السنوات الأخيرة المضطربة من حياتها كفيلة بأن تضع حدًا للمعاناة. 

عاشت جُل حياتها في دوامة الحرب وتوفيت قبل انتهائها، فقد عاصرت الحربين الكبيرتين وفقدت خلالها أغلى ما يمكن فقده، الأمل والطفل. فكرست حياتها وفنها للدفاع عن ضحايا الحروب والفقراء والاطفال والمهمشين اجتماعيًا. وأطلقت العنان لتعبيريتها المفرطة، لتأخذها أكثر نحو السواد الأعظم من المجتمع، فتعرفت ابنة الطبقة الوسطى على المعاناة بأقصى تجلياتها وبقيت متأثرة بها طوال حياتها الفنية، إلى جانب انعكاس ذلك على مآسيها الشخصية. 

حاولت نبش سواد الواقع المتأزم ورميه أمام أعين عصر كئيب لم يتحدد تاريخيًا بفترة ما بين الحربين، بل غاص في تفاصيل يومية لها ولأبناء أرضها وزمنها من المهمشين والفقراء والمستضعفين. فما كان منها إلا أن خطت على الورق خطوطًا سوداء حادة، تتبادى للناظر على هيئة أجساد بشرية تنازع تحت وطأة الكارثة، لها عيون تفتحت بضمور واضح ولم تعد تقوى على التحديق، ورؤوس صغيرة لوجوه أطفال سحقتها الحرب تتهدل عليها أيدي الأمهات وأجسادهن بثقل الوقت وكارثيته. 

"لوحة أمهات 1919" حيث يمكن اعتبار أن الأم والطفل من العناصر الأساسية الدائمة في لوحاتها، فتعبر من خلال ملامح هذين العنصرين عن عبء حاضر ثقيل وأوجاع مضنية. إضافةً إلى الكثير من البورتريهات الشخصية التي تصور فيها نفسها هرمة حزينة مستضعفة، وهذا ما تشارك عليه معظم فنانيّ التعبيرية، كفان كوخ على سبيل المثال.

وأبعد من ذلك، وإلى حدّ التشبه باللوحة والمنحوتة، راحت كولفز تتقمص أرواح هؤلاء الأطفال الجياع والأمهات المنهكات، حين أعطت للأجساد المتراكمة والمتجمعة مع بعضها البعض روحًا واحدة، لتلغي ميزتها الفردية أمام همها الجمعي العام، وكأنها تستنشق ألم الفقد والخوف مرة واحدة "أمهات 1921".

كانت اللوحات الأخيرة للألمانية كيتي كولفز بمثابة عزاء لتاريخ من الموت والظلم والتهميش

هي حرب ذلك الزمن الأسود حين تلامس خطورة الوجود الزاخر بالمآسي، فلا تجد جوابًا شافيًا سواء الغرق بالتعبيرية والالتقاء مع ضحايا الحروب والمعاناة، فلا شيء يتوهج إلا الموت والفقدان. كانت لوحات كولفز تشبه حاضرها الذي كرست له وعيها الفعلي وأدواتها، فمن مجموعة انتفاضة عمال النسيج  إلى مجموعة حرب الفلاحين التي حوت أهم أعمالها وأشهرها، صورت فيها أقسى أشكال الفقر والقهر والتهميش، فأصبحت هذه المجموعة أهم ما يميز أعمالها، وتضمنت أشهر لوحاتها "أطفال ألمانيا يتضورون جوعًا 1924" حيث ناقشت تلك المأساة بأسلوبها الواضح المباشر حدّ الفجاجة المفرطة، إلى جانب مجموعة حزن الأم التي خطتها بعد موت ابنها في الحرب العالمية الثانية.

الحدث الذي شكل تحولًا كبيرًا في حياتها، وأفردت له العديد من اللوحات وأظهرت فيها الأم والابن ولكن بأبعاد أكثر سوداوية وقتامة، فمرةً نجد الأم تحتضن طفلها بخوف فيضيع الأخير في تفاصيل الكارثة، ومرةً تقف مفجوعة بموته فيظهر حجم جسمها الكبير أمام صغر وتضائل جحم جسم الطفل، وكأن ثقل العالم يخنقها ويعيقها عن الفعل. مثل هذه التفاصيل جعلت من لوحات كولفز أيقونة إنسانية لعصر الحروب والفقر. وانتهاءً بمجموعة الموت التي جاءت أيضًا بعد وفاة زوجها وحفيدها، وإثر وقوع انفجار دمر بيتها ومرسمها حيث ضاعت معظم لوحاتها. 

من الجدير بالذكر والملاحظ عند تأمل أعمالها أنها فنانة تشبه زمنها، رغم أنها حاولت تطويعه والانتصار عليه، إلاّ أن الحرب لم تترك مساحة ملونة للتعبير، فلم تتخل كولفز عن اللون الأسود الذي شكل جوهر لوحاتها إلى جانب الشخوص، هذا اللون الذي لازمها كإحساس دائم باليتم والحرمان، فكانت اللوحات الأخيرة بمثابة عزاء لتاريخ من الموت والظلم والتهميش. 

لا تزال لوحات كيتي كولفز حاضرة في ذاكرة الفن التعبيري الألماني، حيث لا يمكن المرور بهذا الإرث دون التأمل والبحث مطولًا في وجوه شخصياتها الناطقة بفقر وعجز الحاضر أمام المأساة، ولا يمكن الدخول إلى عوالمها دون التهيؤ لاستكشاف مصائب التاريخ. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يوجد فن سيئ؟

جداريات الحرب في ليبيا