07-ديسمبر-2015

تفقد موقع سقوط الطائرة الروسية في مصر (Getty)

ما الذى تقدمه الصحافة كل صباح؟ لا شيء، الصحف تصدر لأنها لا بد أن تصدر، وليس لأن عندها ما تقدمه. لديّ مبدأ ليس عصيًا على الفهم، وهو أن الصحافة لا بد أن تكون على أقصى يسار السلطة، لا تجاورها في المناسبات الرسمية، ولا مراسم العزاء، ولا تتقرَّب إليها، فالذي يقترب يحترق. الصحافة كعبة نركع أمامها، ونقبل أحجارها، وورقها، ونقدم لها القرابين كل صباح. 

في مصر، صحفي يعرف ولا يجرؤ على النشر، وصحفي دوره جمع معلومات تمس الأمن القومي لا يعرف

بالنسبة لهم، قصور الرئاسة ومقار الأجهزة الأمنية هي الكعبة المقدّسة التي يحجّون إليها بلا تردد. أمّا من هم؟ سؤال له أكثر من إجابة، يمكن أن نطلَّ عليها من اشتباك مهني دار قبل سبعة وثلاثين يومًا بالضبط. في اليوم الأول لسقوط 224 قتيلًا داخل الطائرة الروسية المنكوبة على أرض سيناء، وقعت غرف الأخبار في حيرة لا تزال تحيط بها حتى الآن، كانت كل غرفة لديها روايتها الخاصة، وكل الروايات تشير إلى أن الإرهاب الأسود وراء العملية. عرفنا منذ اللحظة الأولى أن قنبلة مزروعة داخل المحرك انفجرت، لكن الدولة وجّهت -بالتلميح وليس التصريح- إلى صياغة الخبر بشكل آخر، فلا يصح أن نقول إن قنبلة أو صاروخًا استهدفها على أرض مصرية، ونسب الحادث إلى "عطل في المحرك" كتب نهاية الطائرة في الجو.

زميل يدير قسمًا لـ"الإسلام السياسي" كتب قبل الحادث بأسبوع أن "طيارًا روسيًا سيقع قريبًا، ولن يرحمه أحد"، التلميح واضح، والحادث فاضح لأداء الصحافة الآن، والمعنى أن مصدرًا من تنظيم إرهابي أبلغه.. مخبر صحفي يعرف ولا يجرؤ على النشر، ومخبر دوره جمع معلومات تمس الأمن القومي لا يعرف.

زميل مقرّب من "أمن الدولة"، يأكل معهم من صحن واحد، وفي مقر واحد، قال في حوار شخصي بعد سقوط الطائرة بساعات: "عارفين إنها عملية إرهابية، بس مينفعش نقول، ارحمونا بقى". الصندوق الأسود للطائرة كشف أصواتًا غريبة، أجهزة مخابرات دول كشفت اتصالات مريبة تمّت بين دولة معادية و«آلهة الدم» على حدود سيناء، كاميرون أحرج السيسي، بوتين باعه في أول مطبّ بعد تعاون استمرّ منذ «30 يونيو»، ومنع الرحلات إلى شرم الشيخ هو الآخر. 

ورغم كل التسريبات والمواقف الدولية ومنع السفر ووقف رحلات "مصر للطيران" وخلافه لا تزال بعض الصحف مصرّة على أن الحادث كله صدفة، وسوء حظ الضحايا، وإن "عمرهم انتهى.. المسألة قضاء وقدر". لا تزال الجرائد ومواقع الأخبار الخاصة قبل الرسمية والحكومية حبيسة تحليلات وتفسيرات ومعلومات مندسّة وأكاذيب وتقارير أمنية مفبركة تصل إلى إيميلاتنا كل صباح على أنها الحقيقة (وجدتها!)، اليوم قرأت رواية أخرى عن الأحداث -من نشرها عنده مبدأ أنه لا بد أن تكون لديك روايتك الخاصة التي تنافس بها في بورصة الروايات والتحليلات- وهو أن "الطائرة سقطت نتيجة فشل السائق في القيادة بعد تعرضه لدوار". الكل مصرّ على أن ما جرى ليس إرهابًا.. كل هذا الخراب على حدود بيوتنا ليس إرهابًا!

الكل مصرّ على إن ما جرى ليس إرهابًا.. كل هذا الخراب على حدود بيوتنا ليس إرهابًا!

والذي يهرب من الحصار المفروض على الأخبار لا يذهب بعيدًا حتى لا تنفجر فيه قنابل وصواريخ الغضب الرسمي، لا ينكر أن الطائرة سقطت بفعل فاعل، ويضطر إلى نشر أن الحادث مدبّر بليلٍ في قصر أردوغان وتحت غترة تميم، دون استعمال جماعات إرهابية ليتحول الأمر من وجود جماعة إرهابية منظمة (أقوى من الأمن وأجهزة المعلومات والبيانات والجنرالات) على الأراضي المصرية إلى رئيس دولة "إرهابي" وضع قنبلة في الطائرة القادمة من إسطنبول إلى مصر. كأن الخبر يقول: هو تفجير، لكن نحن "مجنٍ عليه" من رئيس دولة قاتل.. أنقذونا، وأقيموا عليه الحد. إذن؛ غرف الأخبار "المنكوبة"، وليست الطائرة الروسية وحدها.

المعلومات الصحيحة متوفّرة، لكن القارئ ينتظر يوميًا تقرير لجنة التحقيق في سقوط الطائرة، ولا تزال اللجنة تبحث عن السبب، الذي نعرفه، والعالم يعرفه، ومؤتمرات عالمية شهدت إعلانه. الحقيقة متاحة، لكن من يجرؤ على نشر معلوماته الآن؟.. لا أحد. غرف الأخبار تعرف الحقيقة وتضلل القارئ؛ لأنه لا يدفع لنا رواتبنا، لكن السعودية تدفع، وأمريكا تدفع، ورجال الأعمال الوطنيون يدفعون، فلا بد أن نروّج رواياتهم الخاصة والشخصية للحدث.

رؤساء التحرير لا ينشرون الحقيقة.. يكذبون، لن يدخلوا الجنة، فقد حجزوا مقاعدهم في جهنم، ليس بآثامهم ولا قرارهم.. كله بأمر الدولة.

اقرأ/ي أيضًا:

برلمان "30 يونيو" على سرير النظام

مصر ترقص للكفيل