14-نوفمبر-2023
المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي

تبنّى مراسل سي إن إن الرواية التي يبرّر جيش الاحتلال عبرها قصفه لمستشفيات غزة (cnn)

منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، تاريخ تنفيذ المقاومة الفلسطينية عملية "طوفان الأقصى" وبدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تعمّدت قناة "سي إن إن" الأمريكية الدخول في بؤرة الأخبار الكاذبة والتقارير المُضلّلة دعمًا للرواية الإسرائيلية حول عدوانها على قطاع غزة، وتبرير جرائم الاحتلال الوحشية بحق المدنيين في القطاع.

وبعد عدة أيام على بدء العدوان، والذي راح ضحيته زهاء 12،000 شهيد وشهيدة، نصفهم تقريبًا من الأطفال، عمدت شبكة "سي أن أن" وغيرها من وسائل الإعلام الغربية الكبرى السائدة والمؤثّرة إلى إعداد ونشر  تقارير مفبركة خلال عملية حول عملية طوفان الأقصى، وهو ما كشفت عنه العديد من وكالات التحقق المتخصّصة، العربية منها والأجنبية. 

تُضاف هذه السقطة إلى سقاطات أخرى للقناة التي أعدّت الكثير من التقارير المفبركة حول العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

فقد انتشر مقطع فيديو يوثق كذب وفبركة "سي إن إن" للأخبار المتداولة عن الأوضاع في مستوطنات غلاف غزة، حيث نسي طاقم نقل الأخبار أنهم على الهواء وقام المخرج بتوجيه المراسلة والمصور من خلال الهاتف يطلب منهما أن يتظاهرا بأنهما تعرّضا لصواريخ "حماس"، إذ ظهر في الفيديو وهو يقول للمراسلة: "تلفّتي حولك بطريقة تُظهر بأنك مذعورة من القصف".

وبعد مرور أكثر من شهر على بدء عدوانه، قرّر جيش الاحتلال الإسرائيلي فتح الباب أمام مجموعة من الصحافيين للقيام بجولة في ساحات المعركة برفقة كبار الضباط، بغرض بث رسائل في محاولة لاحتواء الرأي العام الإسرائيلي، وتتضخيم إنجازات جيش في المجتمع الإسرائيلي في ظل العقدة التي تُلاحقه باستمرار بسبب فشله في منع وقوع "هجوم حماس" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، وعجزه عن الإعلان عن تحقيق أهدافه الكبرى المعلنة للحرب على غزّة. 

يدخل هذا القرار ضمن سياق اشتغال "إسرائيل" على ترويج دعايتها حول عدوانها على قطاع غزة. واستكمالًا لهذا المسار، نشرت قناة "سي إن إن" تقريرًا ميدانيًا أعدّه مراسلها، نيك روبرتسن، برفقة جنود جيش الاحتلال خلال جولتهم في محيط مستشفى الرنتيسي وداخلها، وهو تقرير أثار عاصفة من الانتقادات بشأن الطبيعة التي وصفها ناقدون بأنها "فوق صحفيّة"، بمعنى أنها تقفز عن أبسط قواعد المهنية الصحفية، وتتبنّى بشكل فجّ موقفًا دعائيًا مساندًا للجيش الذي يشنّ ما تصفه كبرى المؤسسات الحقوقية العالمية بأنه جريمة حرب موصوفة، وهو ما جعل "سي أن أن" أشبه بوكالة دعائية مدمجة مع الاحتلال، هي وبقية المؤسسات الإعلامية التي وافقت على أداء هذا الدور. 

تبّنى مراسل القناة رواية المتحدث باسم جيش الاحتلال، دانيال هاغاري، خلال الجولة التي قدّم فيها الكثير من المغالطات. يبدأ المراسل جولته بالحديث عن حجم الدمار، وكيف تحوّلت المباني الكبيرة إلى رمال، وهنا يذكر أن ضباط جيش الاحتلال أخبروه أن هذه المتاجر المدمرة كانت تحوي قذائف صاروخية ومعدات حربية، ولكن دون المطالبة بأي مادة بصرية تُثبت ذلك، ومن دون التحفّظ على موثوقية هذه الادعاءات. 

بعدها، يزعم المراسل وجود أنفاق تربط مستشفى الرنتيسي بمنزل أحد قياديي "حماس"، واستدل على الأمر من خلال كابلات الكهرباء المُتجهة تحت الأرض، زاعمًا وجود نفق تحت المستشفى. وهنا لا بد من التساؤل: أليس من الطبيعي أن يكون للمستشفى طابق سفلي تحت الأرض كحال غالبية المستشفيات حول العالم، وأن يكون هناك إمدادات كهربائية موصولة إليه؟ هل وجود طابق سفليّ في أي مبنى هو دليل في حدّ ذاته على وجود نشاط لحركة مقاومة أو سواها فيه؟ 

ثم يكمل المراسل قائلًا إن جيش الاحتلال الإسرائيلي أدخل روبوتًا إلى النفق اكتشف وجود باب ضخم يوصله بالمستشفى.

ومجددًا، يجادل العديد من المعلقين بأنه حتى في حال افتراض صحّة هذه الرواية جدلًا، فلماذا لم يعرض المراسل ما صوّره الروبوت كدليل على صحّة الرواية؟ أو لماذا لم يطلب ذلك لو توفّر من طرف جيش الاحتلال، ولماذا تجنّبت الشبكة الإشارة لمشاهديها بأن هذا على الأقل ما يدعيه الجيش الإسرائيلي، كما تفعل الشبكة وغيرها يوميًا عند التعامل مع أرقام الضحايا المدنيين الذين تعلن عنهم وزارة الصحة في غزّة، على سبيل التشكيك بها وتقويض مصداقيتها ولو بشكل غير مباشر. 

ينتقل التقرير لعرض الرواية الإسرائيلية على لسان هاغاري المرافق لفريق "سي إن إن" في جولته، إذ يدّعي أنهم حضروا قبل خسمة أيام إلى المستشفى ووجدوه مليئًا بالمرضى فلم يدخلوه، بل إنهم عرضوا المساعدة لتأمين ممرات آمنة لهم، في الوقت الذي تنقل العديد من وسائل الإعلام الفظائع المستمرة من الاستهداف المباشر للمستشفيات بمن فيها من المرضى والأطفال والشيوخ والنساء، بل ومنع دفن جثامين الشهداء، والتعنّت المتواصل في منع وصول الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات لاستئناف علاج من فيها من مرضى وأطفال خدّج مهددون جميعًا بالموت في أية لحظة. 

مخابئ الأسلحة

يُكمل المراسل متحدّثًا عن وجود مخبئ للأسلحة، حيث يعرض الضابط الإسرائيلي صورًا لبعض الأسلحة الفردية الرشاشة على الأرض، دون تقديم أي دليل بأنّها كانت أصلًا موجودة داخل المستشفى قبل دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي.

ثم يذكر بعض التفاصيل كوجود ستائر ولوائح تتضمن أسماءً على الجدران اعتمدها مقاتلو "حماس" لتوزيع مناوباتهم، في سعي لتصوير الأمر وكأن هذه الغرف كانت تُستخدم لاحتجاز الرهائن، فما العلاقة بين وجود ستائر واعتبارها بأنّها دليل على وجود رهائن داخل الغرف؟ وقد أثارت تلك اللوائح، التي ادعى الضابط الإسرائيلي أنها جدول مناوبات حرّاس الرهائن، السخرية على المنصّات الرقمية.

تُضاف هذه السقطة إلى السقطات السابقة لقناة "سي إن إن"، إذ نشرت القناة التقرير بزخم حاولت من خلاله تقديمه وكأنه تحقيق ميداني يُظهر استخدام المستشفيات من قبل المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي ينتج عنه ما هو أخطر بكثير من مجرد نشر أخبار زائفة ومضلّلة، بل يتسق مع اللغة التي التزمت بها الشبكة منذ بدء العدوان على غزّة، والتي تتماهى مع رواية الاحتلال في تصوير جميع من فيه من المدنيين أهدافًا مشروعة ما دامت المقاومة مدمجة بينهم في القطاع الصغير المحاصر، وهو ما يجعل أي قصف عليه حتى لو كان "موجّهًا"، جريمة حرب حتميّة.