08-ديسمبر-2021

في الفيلم سوء تمثيل وعدم احترام لتطلعات زوجات الأسرى نحو الشرعية (تويتر)

في أكثر من مناسبة، وصف إدوارد سعيد نضال الفلسطينيين بأنه محاولة مستمرة من أجل أن يكونوا مرئيين. كان هذا أول ما خطر في بالي، وأنا أشاهد قبل أيام فيلم "استعادة" (2015) لكمال الجعفري، في مهرجان السينما الفلسطينية في جنيف. في حوار تلا الفيلم، وصف المخرج الفلسطيني ببلاغة هذا التطلع الجمعي الذي حدد ملامح السينما الفلسطينية لعقود، في سياق تحاول فيه إسرائيل محو الفلسطيني وتغييبه ووضعه دائمًا على هامش الصورة.

الافتراض بأن الفيلم لا يجب أن يلتزم بالواقع، افتراض صحيح، لكنه لا يكفي لتبرير السوء الهائل في التمثيل، ,عدم احترام تطلعات زوجات الأسرى ونضالهن من أجل الشرعية

الوضوح أو الـ"Focus" أمر مبالغ في تقديره، يخبرنا الجعفري. بالنسبة له فإنه مساحة للإقصاء أكثر من أي شيء آخر. على هذا النحو فإن فيلمه المكوّن من صور "خارج البؤرة" (Pixelated) لمدينة يافا، ومقاطع لأشخاص وضعتهم السينما الصهيونية على الهامش، هو خلاصة بليغة أيضًا: في هذا السياق المركب، لا يمكن فصل الجمالي عن سؤال العدالة والتمثيل، حيث يمكن لصورة مشوّشة أن تمثّل بيانًا جماليًا وليس سياسيًا فقط. هذه العلاقة المركبة ستمثل في السينما الفلسطينية ما أطلق عليه حميد دباشي مرة "الحضور الجمالي للغائبين".

اقرأ/ي أيضًا: مؤتمر "تواصل 3".. أرشفة السينما الفلسطينية

من بين أمور عديدة، فكرت في هذا كله، مع النقاش الرائج حول فيلم أميرة (2021) من إخراج محمد دياب، وإنتاج أردني مصري مشترك. فيلم يتطرق إلى ظاهرة النطف المهربة، أو النطف المحررة حسب ما يفضل الأسرى وزوجاتهم تسميتها. يعتمد الفيلم، كما يعرف المتابع للنقاش، على قصة فتاة فلسطينية أنجبتها أمّها بعد حملها من نطفة محرّرة، ثمّ تكتشف عندما يسعى والداها إلى إنجاب طفل آخر، أن أباها الأسير ليس أباها البيولوجي فعلًا. تدخل أميرة في أزمة وجودية، من المفترض حسب القائمين على العمل أن تفتح أسئلة كبرى عن الهوية والأبوة والاغتراب.

هذه الجزئية، التي يقر الفيلم أنها غير قائمة على أية قصة حقيقية، ليست الجزء الوحيد الذي لا يلتزم بالحقائق. على سبيل المثال، فإن أحد المشاهد يقترح أن الأسرى يسجّلون أطفالهم على أسماء آباء آخرين، وهذا لم يحدث قطّ في تجربة النطف المهربة التي أصبح عمرها 10 سنوات الآن في فلسطين. على العكس، فإن فهمًا أوليًا لهذه الظاهرة وتطلعات المنخرطين فيها، يكفي لاستنتاج أن هذه التجربة بدأت كتحدٍ لسياسات الإنجاب الإسرائيلية، ومساعي السلطات الاستعمارية للتحكم بحق الفلسطينيين بالأبوة والترابط الأسري. وبالتالي فإن زوجات الأسرى لطالما جاهرن بهذه التجربة التي أصبحت جزءًا من البلاغة الوطنية الفلسطينية. كما أنهن، كزوجات، مهربات، وأمهات، أصبحن حاضرات في الشأن العام، وتحدثن عن قصصهن ونضالهن.

 أمثلة عديدة أخرى لم تكن تعتمد على حقائق واقعية في الفيلم. وهو أمر مفهوم ومبرر إلى حدّ ما، نظرًا إلى أن الفاعلين الإبداعيين ليسوا مؤرخين، وليس شرطًا عليهم أن يلتزموا بالواقع حرفيًا. مع ذلك، فإن ثمة ما يجب أن يُقال في هذا الشأن. إن أي عمل سينمائي، خاصة في الواقع الفلسطيني المركب، ينطوي على افتراضات بالتمثيل. بغض النظر عن أيّ تقييم حقائقي (factual) للفيلم، فإنه يقوم على هذا الادعاء بالتمثيل لتجربة النطف المحررة والفاعلين فيها.

لا تحتاج هذه الخلاصة إلى تحليل، فهي موجودة حتى في وصف الفيلم، وفي الإعلان عنه، وفي المقابلات مع المخرج، إلخ. السؤال الآن، كيف يمكن أن يلتزم الفاعل الثقافي بما يترتب على هذا الادعاء بالتمثيل؟ إنه ليس سؤالًا أخلاقيًا أو سياسيًا وحسب، ولكنه كما توضح قصة الجعفري مجددًا، جمالي وفني أيضًا. ليس على العمل الفني أن يلتزم بالواقع حرفيًا، لكن عليه أن يحترم تطلعات ومعاناة من يدعي تمثيلهم.

خلال الفترة الماضية، كنت أعمل في أطروحتي الدكتوراه على موضوع النطف المهربة من وجهة نظر النساء أو زوجات الأسرى. من يتحدث إلى عائلات الأسرى وزوجاتهم على وجه التحديد يعرف أن جزءًا أساسيًا من المعاناة المركبة التي يتعرضن لها تتعلق بأحد جوانب الفيلم. لقد تعرض بعضهنّ إلى ضغوط من قبل الإسرائيليين من أجل إجراء فحوصات DNA. تم منع بعض الأطفال من زيارة آبائهم بادعاء أنه لا يوجد ما يثبت النسب. وطبعًا، والأقسى، هو النميمة الاجتماعية، التي على الرغم من الاحتفاء السياسي قد تظهر مع أول مشادة كلامية.

هذه المعاناة متعددة الطبقات، كانت واضحة في حديثي مع عدد من النساء اللواتي قمن بالإنجاب من خلال النطف المهربة. لقد تعلمت منهنّ الكثير، ليس فقط عن حياتهن، ولكن عن حياتي شخصيًا. هذا النضال المركب، من أجل الأمومة، التلاقي الأسري، والتمثيل، ليس مجرد بلاغة سياسية، رغم أنه غالبًا ما يكون كذلك في الخطاب الوطني المهيمن. إنه بالنسبة لهؤلاء النساء صراع طويل المدى من أجل الشرعية، ومساومة يومية، وتفاوض مستمر على أبسط تفاصيل الحياة الشخصية. فمن أجل أن يحظين بحماية اجتماعية، فإنهنّ يقمن بالإعلان مسبقًا من خلال الإعلام أو المساجد، عن نيتهن بالإنجاب، ويعرضن أمنهن للخطر، وخصوصيتهن للانتهاك.

هذا النضال ضد الاستعمار وسياسات إدارات السجون، وضد الحرمان، وعلاقات القوة المحلية، لا يمكن فهمه من دون فهم تطلعات هؤلاء النساء قبل أي شيء آخر. الافتراض بأن الفيلم لا يجب أن يلتزم بالواقع، افتراض صحيح، لكنه لا يكفي لتبرير هذا السوء الهائل في التمثيل (Representation)، وبالتأكيد فإنه لا يكفي لتبرير عدم احترام تطلعات هؤلاء النساء ونضالهن من أجل الشرعية.

ليس على العمل الفني أن يلتزم بالواقع حرفيًا، لكن عليه أن يحترم تطلعات ومعاناة من يدعي تمثيلهم.

إدوارد سعيد قد يكون مفيدًا مرة أخرى، وغالبًا ما يكون، في فهم السياق الذي تطور فيه الفيلم. يقول المخرج إن "الشرق الأوسط بالنسبة له هو منجم ذهب للقصص"، في تعبير يعيد المفكر الفلسطيني الأمريكي إلى الأذهان مباشرة، بالنظر إلى التاريخ الطويل من التمثيلات السينمائية والثقافية لهذه المنطقة، بالضبط كما وصفها المخرج، كمصدر للقصص الغريبة والمثيرة. صيغة لا بد من التشكيك فيها أخلاقيًا وفنيًا وجماليًا، ببساطة لأن احترام تطلعات ومعاناة أولئك القابعين في هامش الصورة، هو أهم من صياغة قصة مثيرة من "الشرق الأوسط الساحر".

 

اقرأ/ي أيضًا:

القضية الفلسطينية ووعي السينما المصرية

الدراما الفلسطينية.. إخفاقاتها وآمالها