01-ديسمبر-2016

نجيب محفوظ (1911 -2006)

لم يعد ممكنًا التعامل بجدية مع ما يستجد في مصر يوميًا من عبث رسمي، يقوم على رعايته أشخاص يُفترض فيهم الكفاءة ورجاحة العقل والتمكن من وزن الأمور. المصائب لا تأتي فرادي والنوازل الهابطة على رؤوسنا لا تحتاج إلى تقديم ووصف السياق.

صرّح برلماني مصري بأن روايات نجيب محفوظ تحتوي على مواد خادشة للحياء العام!

ضجّت يوم الاثنين دوائر عدة على الفضاء السيبري بما خلّفه تصريح جهنمي لواحد من نواب البرلمان المصري اسمه أبو المعاطي مصطفى، وهو أحد أعضاء اللجنة الدستورية والتشريعية في مجلس النواب المصري. البرلماني المصري أفتى بأن روايات نجيب محفوظ تحتوي على مواد خادشة للحياء العام وأنه لو كان موجودًا بيننا لوجبت محاكمته. وأضاف النائب أن عدم وجود دعاوى قضائية ضد روايات محفوظ في وقت صدورها لا ينفي أو يمنع إقامة دعاوى جديدة للمطالبة بحظر مثل تلك المواد التي تتنافى مع عادات وتقاليد المجتمع المصري. ولفت النائب إلى أن الدعوة إلى تعديل قانون العقوبات في ما يتعلق بتهمة "خدش الحياء العام" يمثّل خرقًا للدستور الذي نصّ على "حماية الدولة للآداب العامة" في أكثر من موضع، كما أن ذلك، بحسب النائب، يخالف مبدأ تكافؤ الفرص، فلا يجوز أن يُحبس من يخدش الحياء العام من المواطنين العاديين وفي الوقت ذاته لا نحبس من يقوم بارتكاب نفس "الجريمة" لأنه كاتب أو روائي.

اقرأ/ي أيضًا: هل كتب نجيب محفوظ قصة العالم؟

هذا هو ملخص مداخلة النائب في أثناء مناقشة اللجنة البرلمانية التشريعية طلبًا تقدّم به عدد من النواب لتعديل المادة 179 مواد قانون العقوبات، وإلغاء المواد التي تجيز الحبس في "قضايا النشر الخاصة بخدش الحياء العام". وإذا كان البعض قد نادى بأن عقلية هذا النائب لا تستحق الرد، فإن مثل هذه الأمور لا تترك على عواهنها من دون التأشير على بعض الفجوات التي تُفاجئنا بوجودها بيننا، تعيش وترعى وتتكاثر في الخفاء أو في العلن الذي يسمح به مناخ التواطؤ العام.

النائب العبقري يتجاوز كثيرًا من المنطق ليؤسس لفتواه ورؤيته الفانتازية التي لا ترى مانعًا من حيث المبدأ في حبس مواطن بتهمة فضفاضة وعائمة ولا تعني شيئًا مفيدًا مثل تهمة "خدش الحياء العام"، ولكنه وحفاظًا على مبدأ تكافؤ الفرص يدعو لتعميم الحبس، زنزانة لكل مواطن يفكّر أو يتصوّر أو يهيئ له خياله إمكانية العبث أو المخالفة لشيء أسطوري تصرّ الدولة وأزلامها المحافظين ومواطنيها الشرفاء على تسميته بـ"الحياء العام". يقول كبيرهم مصطفى بكري، الذي حضر الاجتماع، إن هناك "فرقًا هائلًا بين العمل الإبداعي والفعل الفاضح الذي يسمّى كتابة"، ويؤكد بكري، وهو أحد أدوات النظام الحاكم، على "أننا (نواب البرلمان) نعرف مجتمعاتنا جيّدًا ونعرف تقاليدها. وليس أمامنا سوى أن نحافظ على المجتمع وقيمه وإما أن نفرّط في ثوابتنا ونسمح بهذا العبث المسمّى إبداعًا".

وليس غريبًا بالطبع معرفة أن معظم النواب الذين حضروا الاجتماع لم يعترضوا على ما قاله النائب، باستثناء ثلاثة فقط، قبل أن تصوّت اللجنة في النهاية على رفض التعديلات والإبقاء على المواد التي تُجيز الحبس في قضايا خدش الحياء العام. فالنواب المنتخبون شعبيًا لا يتورّعون عن إتحافنا برؤاهم التي "تفشخ" المنطق، ليتحول البرلمان إلى ساحة نقاش تليق بأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلما يتحول في أوقات أخرى إلى ساحة للتلاسنات والشتائم، وفي أوقات أخرى يصبح مسرحًا لإنقاذ مصر من المؤامرة العالمية لعصابات الشر الكوني. 
 

أبو المعاطي مصطفى وأمثاله من النواب البرلمانيين جعلوا بعض المثقفين يحمدون الله أن محفوظ لا يعيش بيننا حاليًا، وإلا كان مصيره أن يزامل الكاتب والروائي أحمد ناجي في زنزانة خدش الحياء العام، تظهر صورته على المواقع الإلكترونية وفي الصحف ببدلة السجن الزرقاء مكبّلًا بالأصفاد ومقيّد اليدين محاطًا بمجموعة من الحرّاس المتجهمين ويجرّه رجلٌ غليظ، عائدًا به إلى محبسه بعد جلسة استشكال جديدة على الحكم الصادر بحقه.

كيف يمكن الحديث عن خدش الحياء العام في بلد يتصدّر مؤشرات البحث العالمية عن المواد الإباحية؟

اقرأ/ي أيضًا: فكرة توفيق الحكيم وأسلوب نجيب محفوظ

كيف يمكن أن نستبشر خيرًا في مثل هذا المناخ المتربص بالإبداع؟ كيف يمكن أن نحلم بحرية التعبير أو التفكير أو شيء من هذا القبيل في بلد يُصدر فيه حكم بحبس نقيب الصحفيين للمرة الأولى في التاريخ. كيف يمكن الحديث عن خدش الحياء العام في بلد يتصدّر مؤشرات البحث العالمية عن المواد الإباحية؟ كيف يمكننا إقامة أي نقاش جاد على هذه الأرضية المربكة من العبث والتعابث والتواطؤ؟ هل السخرية هي الملاذ الأخير والأبقى في مواجهة تفاهة الواقع اليومي في مصر ومفاجآته التي لا تنتهي؟ 

في معرض تعليقه على تصريحات النائب البرلماني، يقترح أحد الأكاديميين المصريين على سيادة النائب ألا يفوّت فرصة القصاص من نجيب محفوظ لخدشه الحياء في رواياته حتى بعد وفاته، ويوصيه باستحضار تراث الكنيسة في القرون الوسطى في معاقبة الأموات عن طريق لعن أرواحهم، ويمكن تطبيق ذلك باستخدام منابر المساجد مثلما فعل الخلفاء الأمويون مع عليّ وبنيه كل جمعة لأكثر من 80 عامًا. والاقتراح الثاني الذي يورده الأكاديمي المصري الساخر يتمثل في المعاقبة الجسدية، مثلما فعل العباسيون بنبشهم قبر معاوية ويزيد بعد سقوط الدولة الأموية بغية إحراق رفاتهما. أو ربما يتخذ النائب البرلماني نهج الخليفة المتوكل على الله ويدمّر قبر محفوظ مثلما دمّر المتوكل قبر الحسين واستزرع مكانه ليخفي معالمه فلا يهتدي إليه أحد، أو ربما الحل الأخير التوافقي يتمثل في بناء مسجد فوق ضريح نجيب محفوظ لإزعاجه وإقلال راحته في القبر، مثلما فعلت الكنيسة حين دفنت رفاة ميكافيللي ودانتي أليجري وجاليللو في مقبرة واحدة في كنيسة الصليب المقدس بفلورنسا. اقتراحات لا يمكننا استبعادها في ظل أجواء كابية لا ترحم ما تبقى بداخلنا من أمل في حياة تستوفي شروط الحد الأدنى لمبرّرات الوجود في تلك البقعة من العالم، فهل تنقذنا السخرية من رداءة ما نحن فيه؟

اقرأ/ي أيضًا:

زقاق المدق: الرواية والسينما!

"الأحلام الجديدة".. نجيب محفوظ يثور