My Paradise: الألم والوقوف أمام مرايانا المهشمة

My Paradise: الألم والوقوف أمام مرايانا المهشمة

لقطة من الفيلم

ثمة ألم لا نراه لشدته، إنّه يشبه جرحًا حديثًا لا تتحسّس مداه حتى يمضي عليه بعض الوقت، وحتى يستعدّ الجسد لبلوغ سدرة الألم.

فيلم "My paradise" لمخرجه أكرم حيدو يحكي قصة مدينته/مدينتنا سري كانيه "رأس العين" في سوريا، عبر كاميرتين حصيفتين، ففي الأولى موضوع الفيلم يكون المخرج جزءًا من الصورة عبر ضغطه على زر الكاميرا، حيث يلتقط صورة لمجموعة أصدقاء في "ثانوية ابن خلدون" في مدينته، ويغترب بعدها عن المدينة في اتجاه ألمانيا عام 1995 ومعه عشرات الصور، إحداها هي تلك الصورة التي تضم كل ألوان المدينة بشكلها الطبيعي يركّز فيها على التنوع الإثني والطائفي في هذه المدينة "كردي -شيشاني -عربي -أرمني -إيزيدي"، ثم وبعد أكثر من 25 سنة يعود ليحمل كاميرا أخرى ليتتبع شخوص تلك الصورة، فينجح في الوصول إليهم، فيدوّن حكاياتهم على ألسنتهم عبر الضوء لتصير شريط فيلم أسماه بـ "جنتي"، مدوّنًا بذلك قصته الشخصية أيضًا.

يقدم المخرج أكرم حيدو نمطًا سينمائيًا فريدًا يربط بين الإنسان وبيئته نفسيًا وأنثروبولجيًا

أكرم حيدو نال جوائز عديدة، بداية مع فيلمه "حلبجة – الأطفال المفقودون" والذي كان قد قدّمه كمشروع لتخرجه من أكاديمية "روهر" للفنون والإخراج السينمائي في دورتموند بألمانيا العام 2010، حيث كان حيدو قد هاجر إلى ألمانيا في العام 1995، فيلمه "حلبجة – الأطفال المفقودون" قدّمه إلى السينما، حيث كان بطاقة عبوره إليها، فقد نال هذا الفيلم جائزة أفضل فيلم وإخراج في مهرجان "دبي" السينمائي.

اقرأ/ي أيضًا: تجارة قرصنة الأفلام.. سينما بالمجان!

وأما فيلمه "جنتي" فقد حاز جائزة "السلام" للسينما في مهرجان "دهوك" السينمائي، مدة الفيلم ساعة و40 دقيقة، وهو فيلم وثائقي يلخّص الحكاية الأليمة لمدينته الصغيرة مختصرًا بذلك ألم الجغرافيا السورية برمّتها.

إنه ينكأ ذاكرة شخوصه الذين حبسهم بضوء "الفلاش" في كاميرته، وينكأ أيضًا جرح الحاضر، الذي هو ألم لا يزال ينزف، لقد نجح في أن يضعنا أمام جرحنا ونراه، والذي نكاد ننساه لشدة ما نعيشه، وكأنه يضعنا أمام مرآة، أمام ذواتنا الجريحة، هذه المرآة التي هشّمت الحرب صقيلها فتنقل صورتنا مهشّمة مثلها. إذن هو الألم واحد، لكنّه مهشّم كألف صورة.

الشخصيات حقيقية، يعيش بعضهم بين "ظهرانينا"، وبعضهم الآخر هاجر، يتحدثون إلى الكاميرا وكأنّهم يحدثوننا، لولا أنّ الستارة البيضاء ليست ساحرة فتُخِرجهم إلينا، ليجلسوا إلينا على المقاعد، أو يتوجهوا من منصة الخشبة بالحديث عن كلّ التفاصيل التي ربّما تحدّثوا ببعضها طويلًا، وآثروا بأخرى للكاميرا دون ترتيب سوى أنّ المخرج هو حلقة وصل بين ذاكرتهم وحاضرهم وسردهم.

فيلمه "جنتي" هو فيلم وثائقي يلخّص الحكاية الأليمة لمدينته الصغيرة مختصرًا بذلك ألم الجغرافيا السورية برمّتها

يضج الفيلم بالأطفال الذين يستقبلون عشرات القبل على طول الفيلم، فيما أطفال أحد الشخوص الشهيدة؛ في دفاعه بقلمه عن مدينته، والذي لا يظهر سوى في الصور على طول الفيلم، حيث تتحدث الأم عن حواراتها مع ابنتها، والتي تفضي إلى مقولة "سنذهب واحدًا تلو الآخر إلى حيث الله، إلى الجنة، لنكوّن عائلة هناك من جديد".

هذا المشهد معدّ لكي تنفجر بالبكاء، لكي تلعن الحرب، تلعن الرصاصة التي تلقي بعزيزك شهيدًا، لكي ترجع إلى البيت وتعيد ترتيب الألم، وتبكي مرارًا على ما حدث في جوارك، أو سيحدث معك أنت في المرة القادمة!

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Life".. أحد أكثر أفلام 2017 المنتظرة

وفي المشهد الموسوم والمأخوذ من أرمينيا حيث عائلة آرا - أرمني من سري كانيه - التي هاجرت إلى هناك بعد أن نفذت بحياتها -قذيفة سقطت خلف منزلنا الذي تركناه، وقذيفة أخرى سقطت خلف سيارتنا التي هربنا بها- إذن عائلة آرا تعيش الآن وفي ذاكرتها شظايا القذيفتين اللتين لم تقتلهم.

تقول الزوجة في المشهد: "إنّهم يقولون لنا أنّكم عدتم إلى وطنكم أرمينيا، لكننا نحس بالاغتراب هنا، فنحن لم نعتد العيش هنا، إننا ننتمي إلى هناك"، وتشير بذاكرتها إلى مكان ما.

تأخذ مساحة الضوء المتساقطة على الشاشة البيضاء جزءًا منك، وفي بعض المشاهد كلّكَ، تحمل ما تبقى من ذاكرتك المثقوبة بالرصاص، تقف بكَ أمام مرآة صقيلة، وبين رفة عين تراها مهشّمة وكأنّها عوالمك القصيّة إذ قيّض لها أن تنعكس أمام عينيك، هي شباك إذن لن تسدّ هشيم الزجاج، التي ستجرحك عميقًا، كيما تتطهّر بالجرح عن آلام الواقع الذي تعيشه، الذي تنساه لشدّة ما تعيشه.

فيلم "جنتي" وهو فيلم وثائقي، تم تصويره في عدة أماكن، وهي: سري كانيه/رأس العين مسقط رأسه، وكرياغ بأرمينيا، وأورفا بتركيا

أما عن المخرج أكرم حيدو فهو مخرج كردي، من مواليد مدينة سري كانيه (رأس العين) السوريّة 1973. درس المعهد الطبي بجامعة "تشرين" بمدينة اللاذقية السورية. هاجر إلى ألمانيا عام 1995. تخرّج من أكاديمية "روهر" للفنون والإخراج السينمائي في دورتموند بألمانيا 2010. يعمل كمخرج ومنتج ومصوّر لأفلامه. عمل مدرسًا للسينما في معهد "آرام ديكران" ومعهد "جكرخوين" في مدينة ديار بكر بتركيا لمدة سنتين.

يذكر أن فيلم "جنتي" وهو فيلم وثائقي، تم تصويره في عدة أماكن، وهي: سري كانيه/رأس العين مسقط رأسه، وكرياغ بأرمينيا، وأورفا بتركيا. وكان العمل على الفيلم بدأ منذ عام 2013، وبالإضافة إلى الإخراج عمل حيدو على السيناريو، والتصوير، والإنتاج. وبدأ عرض الفيلم في عام 2016، في مهرجان دهوك السينمائي، كما عرض في مسقط رأس المخرج، في سري كانيه/رأس العين، في "ثانوية ابن خلدون"، المدرسة التي التقطت فيها الصورة موضوع الفيلم، وبمختلف المدن في الجزيرة السورية.

اقرأ/ي أيضًا:
أفلام عدي رشيد.. ترميم العراق بما تيسر
فيلم "Fences".. لعبة البيسبول الثقيلة