"Marriage Story".. تحفة سينمائية تمزق نياط القلب

من الفيلم (IMDB)

هذه المراجعة للكاتب والناقد السينمائي جوستين تشانغ، مترجمة للعربية عن "لوس أنجلوس تايمز".


يروي الفيلم قصة المخرج المسرحي تشارلي باربر (يقوم بدوره آدم درايفر)، وزوجته الممثلة نيكول باربر (تمثلها سكارليت جوهانسن)، اللذين عملا معًا لأعوام طويلة في نفس شركة الإنتاج المسرحي، ولأعوام طويلة كانا زوجًا وزوجة يرعيان في كنفهما ابنًا يبلغ الآن الثامنة من العمر. في إحدى الليالي، في شقتهما في بروكلين، يقدم تشارلي لنيكول ملاحظة عن أدائها الأخير، وهي عادة اعتاد عليها قديمًا لكنها بدت خارجة عن السياق وغريبة هذه المرة، لا سيما وهي تقف على عتبة الانسحاب من العرض المسرحي ومن زواجهما. لكنه يقدم لها ملاحظته على كل حال قائلًا: "في نهاية العرض، كان بإمكاني أن ألاحظ أنك تحاولين افتعال المشاعر".

فيلم "قصة زواج" تجربة عاطفية مؤلمة، بل هو مرثاة بديعة لزوجين لا يخلوان من العيوب

وككل شيء في فيلم نوح باومباخ الحارق والموجع والغني، فإن هذه العبارة محملة بأكثر من غاية، فهي تمسح لتشارلي بتوجيه صفعة نيكول، صفعة تتنكر في رداء النقد. وهي في ذات الوقت تمثل ملحوظة أمينة وصادقة بين مبدعين محترفين بنيا لنفسيهما حياة تتمحور حول فنهما الذي يمارسانه. بل هي تحدي الفيلم لذاته، ووعد بأن درايفر وجوهانسن وكلاهما في قمة أدائهما لن يقعا في نفس الخطأ. لن يكون هناك افتعال للمشاعر هنا.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "بغداد في خيالي".. هل تخلّصنا من الماضي أم لا يزال يُطاردنا؟

الأهم من ذلك كله، أن هذه العبارة تقدم ملمحًا عن ماهية فيلم "قصة زواج" وما يمثله. فالفيلم يحكي قصة نهاية علاقة عاطفية، يسلط باومباخ فيه عدساته الدرامية على كل تفصيلة دقيقة وغير سارة فيها. وقد نجح بمزجه بين الصرامة والتعاطف في كسب النقاد إلى جانبه، وأنا لست هنا لأنازع أيًا منهم رأيه، ففيلم "قصة زواج" تجربة عاطفية مؤلمة، بل هو مرثاة بديعة لزوجين لا يخلوان من العيوب. وتحفة سينمائية من أفلام العائلات الممزقة ترقى لمستوى أفلام مثل "كرامر ضد كرامر" و"فاني وألكسندر"، وهما فيلمان اقتبس باومباخ منهما بصريًا في عمله هذا.

لكن الفيلم يمثل ما هو أكثر من ذلك، فليس يصور في مشاهده واحدًا من أفضل الأداءات التمثيلية التي يمكن أن تراها في أفلام هذا العام وحسب، بل هو واحد من أفضل الأفلام هذا العام عن التمثيل. لا يجب أن يفاجئنا هذا الأمر، فلطالما شُغل باومباخ بحيوات الأفراد المنعمين المثقفين مع ميله لإضفاء الدراما الشخصية عليها. نرى هذا في فيلمي "مارجوت في العرس" وقصة ميروفيتز". ولو أن كل زواج يتطلب مسحة من التظاهر، فإن الطلاق يتطلب تمثيلية صامتة كاملة، يحاول أطرافه من خلالها الحفاظ على مظهر سلس ولطيف للانفصال.

النص المبدئي للفيلم هو من كتابتهما، في شكل رسائل يتذكران فيها علاقتهما. نسمعهما يقرأان تلك الرسائل التي تنقلنا إلى لقطات من الماضي تصور أوقاتًا سعيدة في حياتهما مع ابنهما هنري، مصحوبة بموسيقى تصويرة محببة وحزينة لراندي نيومان. نرى حياتهما مليئة بالوجبات المعدة في المنزل وألعاب الطاولة ونزهات الظهيرة وشعائر وقت النوم. يتحدث تشارلي بشغف عن طيبة نيكول وبلاهتها وعن موهبتها في التمثيل. وتتحدث نيكول عن تشارلي الأب الجيد والمبادر وعن مدى استقلاله الذاتي. من الواضح أن هذين الاثنين يعرفان بعضهما البعض عن ظهر قلب.

يبدو أن الممثلين يعرفانهما بنفس القدر من الحميمية. قد تبدو نيكول الطرف الأضعف في البداية، لكن أداء جوهانسون المرتعش والقوي في آن، وإحساسها البسيط، يكسبانها فجأة مظهرًا صلبًا. أما تشارلي فهو الأكثر صخبًا وجرأة وهو الأكثر سذاجة كذلك، ويستخدم درايفر بنيته العملاقة ليكسب الشخصية مظهرًا سلطويًا وطفوليًا معًا. الصعوبات التي تواجه كلا الممثلين كبيرة، فالمونولوجات التفسيرية تتطلب لقطات طويلة، والمحادثات بينهما تمر بهما عبر طيف كامل ومتناقض من المشاعر، لكنهما لا يرقيان لمستوى التحدي فحسب، بل يسخران كلمات نوح باومباخ اللاذعة مع تعبيراتهما الغريزية الفطرية ليصورا لنا علاقة حقيقية تمامًا.

على مدار فيلم "قصة زواج"، يلعب التمثيل دورًا خفيًا مجازيًا في إيصال فحوى الفيلم

حملت علاقتهما، على خلاف مظهرها الوردي، تاريخًا من الضغائن المكبوتة والتنازلات غير العادلة. ويأتي طلاقهما في خضم فرص مهنية كبيرة لكليهما. فمسرحية تشارلي وهي نسخة حديثة مذهلة من مسرحية ألكترا تشهد نجاحًا كاسحًا، في حين حصلت نيكول على دور في مسلسل تلفزيوني في لوس أنجلوس موطن نشأتها. تنتقل هي وهنري إلى لوس أنجلوس لفترة يظن تشارلي أنها مؤقتة، لكن يتضح أن افتراضاته بالإضافة إلى لمحات من الخيانة في مكان العمل، هي ما دفعت نيكول لبدء إجراءات الطلاق في المقام الأول.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "El Camino".. هل سيصبح جيسي بنكمان من أيقونات السينما؟

على مدار الفيلم يلعب التمثيل دورًا خفيًا مجازيًا في إيصال فحوى الفيلم، لكن هذا الدور يبرز جليًا حين يسافر تشارلي إلى لوس أنجلوس للقاء نيكول، فتستعين بأختها كيسي ووالدتها ساندرا ليستقبلاه بأوراق الطلاق. كلاهما ممثلتان أيضًا، والأخطاء الكوميدية التي تلت هذا المشهد تبدو كمسرحية تجريبية أو عملًا كوميديًا مرتجلًا. لكن لا أحد يفقد اتزانه مثل تشارلي، فمن غير النص دون إذنه؟ ألم يتفقا على أن يفعلا ذلك دون محامين؟

ربما فعلا ذلك، وربما يتوقع تشارلي أن يسير كل شيء وفقًا لشروطه، على حد قول محامية نيكول العنيدة نورا (تؤدي دورها لورا ديرن أداء لا تغمض له عين). يجد تشارلي نفسه مضطرًا للبحث عن محام في لوس أنجلوس حتى وضغوط عمله تتراكم عليه في نيويورك. على تشارلي الآن أن يختار بين جاي (يمثله راي ليوتا) وهو محام باهظ الثمن ينافس نورا في شراستها، وبيرت الألطف والأقل ثمنًا (يمثله ألان ألدا تمثيلًا رائعًا) والذي يستقبل القضية بكثير من الترحاب وقليل من التفاؤل. ليس هناك رابح حقيقي في صناعة الطلاق التي تجاوز الـ 50 مليار دولار في العام والتي تحث زبائنها على التصرف بأكبر قدر من الطيش حتى لو أدى ذلك لاستنزافهم عاطفيًا وماليًا.

توكيل المحامين من قبل الطرفين، يحول هذه الدراما العائلية المحتدمة إلى كوميديا شائكة يجب أن يؤدي فيها كل شخص دوره إلى أقصى مدى ممن. يعلم جاي ونورا أن دورهما لا ينحصر في الترافع القانوني عن وكيلهما بل يمتد إلى الأداء، فعليهما أن يضفيا على عملية التشريح التي يجريانها على زواج عائلة باربر بعض الأداء المسرحي. تشارلي ونيكول يقدمان أداء تمثيليًا أيضًا، فعليهما حفظ شهادتهما وتضخيم أسوأ خصال الآخر للوصول لأفضل نتيجة ممكنة لكل منهما.

هذا الأمر مثير ومحزن. يرينا باومباخ أن الطلاق السيئ لا ينهي الزواج فحسب بل يسمم روحه. فالتعليقات البريئة تستخدم أدلة، والعيوب الهينة تستخدم أسلحة. تجر قصتهما مدينتي نيويورك ولوس أنجلوس إلى النزاع، فعاصمتا الثقافة التوأمان تمثل كل منها أحد طرفي هذا النزاع في مثله وأسلوب حياته. يظهر كل هذا جليًا في غرف الاجتماعات الباردة وغرف المكاتب الرتيبة وشقة لوس أنجلوس التي يسابق تشارلي الزمن ليجعلها منزلًا ملائمًا له ولهنري. (التصوير السينمائي الرائع غير المبهرج وتصميم الإنتاج هما من عمل روبي راين وجي هيلي).

وبالحديث عن هنري، تحول هذا الطفل اللطيف الوديع الذي علق في معركة الوصاية حامية الوطيس، إلى جائزة ومعضلة، إلى ثقل وفكرة مجردة، إلى شيء يتنازع عليه أبواه لمصلحتهم الشخصية لا لنفعه هو. هناك مفارقة قاسية هنا: أن محاولة التظاهر بأنهما أبوان جيدان، جردتهما من الوقت والجهد اللازم ليكونا أبوين جيدين حقًا.

في فيلم "قصة زواج"، يرينا نوح باومباخ أن الطلاق السيئ لا ينهي الزواج فحسب بل يسمم روحه

ليست هذه أول رحلة يقودنا فيها باومباخ عبر أنقاض زواج مهشم. فقد فعل ذلك قبل 14 عامًا في فيلم "الحبار والحوت" الذي استقاه مباشرة من قصة طلاق والديه، وفيلم "قصة زواج" رغم أنه ليس سيرة ذاتية صريحة، إلا أن به ما يدفع لمقارنته مع حياة باومباخ الخاصة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Joker".. كيف يأخذنا التنمر إلى أن نصبح وحوشًا

ربما تشاهد هذا الفيلم بحثًا عن الأدلة والاعترافات أو على الأقل محاولًا استكشاف مكمن تعاطفه. هل يميل إلى نيكول التي تبدو الطرف الأكثر تقديمًا للتضحيات خلال فترة الزواج؟ أم إلى تشارلي الذي يحظى بقدر أقل من الدعم العائلي، والذي يبدو أقرب لنسخة من المخرج نفسه على الشاشة؟

لعل أبرز دليل على اتساق باومباخ مع نفسه هو رفضه لتقديم إجابة سهلة. لم تكن كتابته يومًا أكثر حسمًا ولم تكن يومًا أكثر كرمًا وتسامحًا. قد تفاجئك استراتيجية نيكول القانونية العدائية، إلا إن فهمت أنها تعد بمثابة رد فعل متأخر لامرأة تعبت من التضحية باحتياجاتها وأحلامها. في المقابل يحقق أداء درايفر تأثيرًا أعمق وأكثر ديمومة، ربما لأن تشارلي منح وقتًا أكثر على الشاشة، أو ربما لأنه الشخصية الأكثر احتياجًا للنضج والتطور.

وهو ما يفعله حقًا. على مقربة من نهاية الفيلم، تغني نيكول وتشارلي كليهما مقاطع من فيلم company الموسيقي لستيفن سوندهايم من عام 1970 والذي يحكي عن الزواج ومعايبه. تتخلل الفيلم لحظات جميلة ولقطات غنية لفنانين أمضيا حياتهما منغمسين في فنهما. لكن حين يبدأ تشارلي بالغناء منفردًا "شخص ما ليدنيني قريبًا، شخص ما ليجرحني عميقًا"، ترى شيئًا أقرب للعظمة، ترى رجلًا تمكن من اعتناق ألمه والإقبال على الحياة. لوهلة أصبح التمثيل وإخبار الحقيقة صنوان متلازمان لا ينفصمان.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "The Dark Knight".. الجوكر ومنطق الفوضى

"توني إردمان".. ضد الرأسمالية الأوروبية الجديدة