16-مارس-2022
كتاب "الثورة الثقافية الصينية"

كتاب "الثورة الثقافية الصينية"

لم يكن لهذه الحكاية الغريبة أن تحدث إلا في الصين، فالأرض القصية الهائلة، التي تنسب لها خيالاتنا وأساطيرنا كل الأعاجيب والخوارق والاستثناءات، هي المكان الملائم (بالنسبة لعشاق الحكايا على الأقل) لاحتضان هذا الحدث غير المسبوق: "الثورة الثقافية".

ثورة لم يشعلها متمرد أو معارض، بل الرجل الذي يتسنم المرتبة الأعلى في الدولة، و"الرمز المقدس للأمة"، وقد بدا ماو تسي تونغ وكأنه يقود ثورة ضد نظامه وحكمه.. ضد نفسه!

في العام 1966، رأى ماو أن الثورة الشيوعية، التي توجها منذ عقدين بإقامة "جمهورية الصين الشعبية"، قد انحرفت عن مسارها وابتعدت عن طريق المثل الشيوعية

 

في العام 1966، رأى ماو أن الثورة الشيوعية، التي توجها منذ عقدين بإقامة "جمهورية الصين الشعبية"، قد انحرفت عن مسارها وابتعدت عن طريق المثل الشيوعية، وأن المسؤولين التنفيذيين بدأوا يعاملونه وكأنه جثة محنطة، يحيطونه بكل مظاهر التقديس ولكن لا يصغون لكلامه وتوجيهاته إطلاقًا. لم يستسلم للتقاعد القسري المصاغ بلغة مهذبة، وبعيدًا عن بكين، وبحماية من الجيش، راح يلهب حماس الطلبة الذين سرعان ما استجابوا، مُشكّلين ما عرف بـ "الحرس الأحمر"، ونزلوا إلى الشوارع ليذيقوا خصوم ماو صنوفًا من الأهوال، وليجعلوا الصين برمتها تعيش كابوسًا طويلًا ستظل ذكراه طاغية إلى اليوم. وبحجة الحرب على "الباليات الأربعة" (الأعراف، الثقافة التقليدية، الأفكار، العادات) قام الثوار المراهقون بتحطيم المعابد والآثار والتحف المزخرفة وتمزيق اللوحات الفنية.. وبحجة التخلص من المسؤولين "التحريفيين" هاجموا منازل رجال الدولة وجروهم إلى الشارع وأذلوهم بمختلف الوسائل، وقد لعب الطلبة الساخطون كل هذه الأدوار معًا: هيئة الادعاء، والقضاة ولجان تنفيذ الأحكام..

وبعد عام تقريبًا من هذا الانفلات، شعر ماو والمقربون منه أن تراث الصين وأركان الدولة باتت مهددة، فأوعز إلى الجيش أن يطوق الشبان الثائرين، وتم إرسال "الحرس الأحمر" إلى الأرياف لمساعدة الفلاحين في العمل الزراعي، غير أن الثورة الثقافية استمرت، مع ذلك، حتى وفاة ماو، في العام 1976، متأثرًا بحزمة من أمراض الشيخوخة..

ومع أن ريتشارد كيرت كراوس مؤلف كتاب "الثورة الثقافية الصينية"، (مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ترجمة شيماء طه الريدي)، يحذرنا من الانسياق وراء الغرائبي والتعلق بالإثارة، ومع أنه يحاول صياغة "رواية متوازنة" تشرح السياق العام والملابسات والتعقيدات وتأخذ الدوافع الواقعية والنتائج الإيجابية بعين الاعتبار.. مع كل ذلك، فكتابه هذا لا ينجح في إزالة الاستثنائية عن ذلك الحدث الاستثنائي حقًا، ولا في تلطيف الاستهجان المشروع لدى كل قارئ لتلك الحقبة، ولا في نفي صفة غرابة الأطوار عن رموز وصناع تلك الثورة..

وُلد ماو تسي تونغ في 26 ديسمبر/كانون الأول من العام 1893 في قرية شاوشان التابعة لمقاطعة هونان، وانتسب في شبابه إلى الحزب الشيوعي، وترقى في صفوفه بسرعة، وإبان الحرب الأهلية قاد قوات الشيوعين المحاصرة في الجنوب إلى بلدة يونان في أقصى الشمال الشرقي، وهو ما سمي بـ"المسيرة الطويلة"، وهناك جمع الشيوعيون قواهم وصار ماو القائد الشيوعي الأعلى بلا منازع، وفي العام 1949 تمكن من إلحاق الهزيمة النهائية بالقوميين من أنصار تشيانغ كاي شيك "الكومنتانغ" والذين فروا إلى جزيرة فرموزا (تايوان) ليقيموا "الصين الوطنية"، فيما صار البر الصيني كله تحت سيطرة ماو، وباسم "الصين الشعبية".  

العربي-التلفزيون

في العام 1957 أطلق الزعيم "الوثبة الكبرى إلى الأمام" هادفًا إلى اجتراح معجزة اقتصادية عمادها التصنيع والمشاريع الزراعية وفق الأفكار الماوية، ولكن النتائج كانت كارثية، إذ مات الملايين جراء العوز والمجاعات، ما اضطر ماو إلى الاستقالة من رئاسة الجمهورية، في العام 1959، مكتفيًا بدور الرئيس الأعلى للحزب و"القائد الرمز للأمة".

أما "الثورة الثقافية" فإن فكرتها الأساسية تمحورت حول تطهير الصين من آثار الثقافة الإقطاعية البالية، في المسرح والرسم والموسيقى والأدب، وفي العلاقات والطقوس الاجتماعية، وكذلك تطهير الحزب والدولة من "المسؤولين اليمينيين الذي راحوا يشقون خفية طريقًا رأسماليًا للصين". وتقول إحدى الإحصائيات أن ضحايا هذه الثورة ممن وصموا بالإقطاعية واليمينية قد بلغوا مليون ونصف المليون من القتلى، إضافة إلى مئات الألوف من المعتقلين، والملايين ممن صودرت أملاكهم وفقدوا وظائفهم.

لكن مؤلف كتاب "الثورة الثقافية الصينية" يصر على وجود حصيلة إيجابية لكلا الحدثين، فإذا كانت إصلاحات دينغ هيتشاو بينغ هي التي أطلقت النهضة الاقتصادية التي تقطف الصين ثمارها اليوم، فإن "الوثبة الكبرى" و"الثورة الثقافية" قد أمدتا هذه الإصلاحات بعدد من الأدوات والعناصر الضرورية، ولا سيما تدريب الكوادر والأيدي العاملة، وترسيخ سياسة الاعتماد على النفس في التصنيع والزراعة.. والواقع أن رأي المؤلف هذا لا يجد اليوم الكثيرين ممن يدافعون عنه.  

الثورة الثقافية كانت مدمرة سياسيًا، وسياساتها الاقتصادية استنفدت كل ما لديها، ورؤيتها الثقافية قد أصبحت خانقة

 

في العام ١٩٧٦ وفي آخر أيامه، روى ماو تسي تونغ المريض ذكرياته عن إنجازاته، بما فيها ذكريات هزيمة اليابان والانتصار في الحرب الأهلية: "الأمر الآخر، كما تعرفون، كان إطلاق الثورة الثقافية، وهنا ليس لدي الكثير من المؤيدين ولدي بعض الخصوم. إن الثورة الثقافية شيء لم ينتهِ بعد. ومن ثم فإنني أمرر المهمة إلى الجيل القادم. قد لا يكون بمقدوري تمريرها بسلام، وفي هذه الحالة قد أضطر لتمريرها في أجواء من الاضطراب. ماذا سيحدث للجيل القادم إذا فشل الأمر كله؟ قد يكون هناك عاصفة وأمطار من الدماء. كيف ستواجهون ذلك؟ السماء وحدها أعلم!".

يعلق المؤلف في الفصل الختامي: "كانت هناك مغالاة في مخاوف ماو بشأن الأمطار الدموية، وكان من شأن انقلاب بسيط.. أن يضمن نهايتها؛ فقد اتفق معظم قادة الحزب على أن الثورة الثقافية كانت مدمرة سياسيًا، وأن سياساتها الاقتصادية قد استنفدت كل ما لديها، وأن رؤيتها الثقافية قد أصبحت خانقة. وخلال عام من وفاة ماو، أعلن خليفته، هوا جوفينغ، أن الثورة الثقافية قد انتهت".