"The Crown".. ملحمة تلفزيونية تكشف أسرار العائلة الملكية

من المسلسل

كاد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل أن يفقد منصبه، بسبب ضباب لندن الذي يشبه الظاهرة، حيث تتعرض المدينة له بصورة دورية حتى شاع بين الناس لقبها كـ"عاصمة الضباب". ولكن كيف يمكن أن يستغل خصوم تشرشل السياسيون الضباب لإزاحته من منصبه؟ 

كيف يمكن أن يستغل خصوم تشرشل السياسيون الضباب لإزاحته من منصبه؟ 

إجابة ذلك السؤال يوردها كاتب السيناريو بيتر مورجن في  مسلسل "التاج The Crown"، من خلال إعادة تقديمه للحكاية بتفاصيل درامية دقيقة، مستلهمًا التاريخ المعروف من زوايا درامية مثيرة للانتباه. لدى مورجان خبرة سابقة في مجال الكتابة التاريخية، والكتابة حول العائلة الملكية البريطانية تحديدًا، حيث كتب سيناريو فيلم "الملكة The Queen" من إخراج ستيفن فريرز وبطولة هيلين ميرين (فازت بجائزة أوسكار أفضل ممثلة عن دورها في هذا الفيلم)، وصوّر ذلك الفيلم معاناة الملكة إليزابيث في مواجهة الأحداث التي تلت وفاة الأميرة ديانا في 1997. أما في مسلسل "التاج"، فتقوم الممثلة الشابة كلير فوي بمهمة أصعب، إذ عليها تجسيد حياة الملكة إليزابيث الثانية في عمل ملحمي ضخم سيمتد إلى 60 حلقة مقسمة على ستة مواسم تلفزيونية، وبالتوازي يقدّم الممثل الأمريكي جون ليتغو أداء قويًا ومتماسكًا في تجسيده لدور ونستون تشرشل.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "المملكة الأخيرة".. المصير هو كل شيء

تبدأ حلقات مسلسل The Crown مع شيخوخة تشرشل: رجل مُسنّ يقترب من الثمانين، فاز حزبه بولاية ثانية عوَّضت هزيمته في الانتخابات السابقة، ومهموم بالمهام الكبرى. تشرشل الذي خرج منتصرًا من الحرب العالمية، رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لديه رصيد شعبي هائل لدى المواطن البريطاني، لكن الرجل صار عجوزًا، تؤرقه خارجيًا ظواهر ضعف الإمبراطورية البريطانية، وضربات الفدائيين المصريين المؤلمة للجنود الإنجليز في معسكراتهم في منطقة قناة السويس، ومطالبات دول التاج البريطاني بحقها في الاستقلال، وفي الداخل مات الملك جورج السادس بعد إصابته بسرطان الرئة وعمره 56 عامًا. 

شعر تشرشل أن عليه الوقوف إلى جانب ولية العهد الصغيرة إليزابيث الثانية حتى تصبح مستعدة لاستلام حكم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وعليه مواجهة عبث زوجها الأمير فيليب بالتقاليد الملكية البريطانية الراسخة؛ ولهذا حينما أرسلت مصلحة الأرصاد الجوية رسالة تحذير من موجة ضباب غير مسبوقة، لم يهتم، لأنه ليس معتادًا أن تُرسل هيئة الأرصاد تقارير حول حالة الطقس المتوقعة، ثم ماذا سيفعل الرجل بالضباب؟ وكان رئيس هيئة الأرصاد يعلم بخبرته أن رجلًا مثل تشرشل سيرى الأمر تافهًا، ولهذا توقع سقوطه سياسيًا.

يتتبع السيناريو في مسلسل The Crown ملامح شخصية رئيس الوزراء، الناقم دائمًا، السياسي الناجح الذي أصابته السلطة بالغرور. ففي الاجتماع الوزاري، يقترح البعض تقليل استخدام المصانع ومحطات الطاقة للفحم تخفيفًا لآثار الضباب، لكن تشرشل يرى أن انبعاث الدخان من كل مكان في لندن يعطي رسالة إيجابية عن تخطي البلاد آثار الحرب الأخيرة، ويخبر عن وجود صحوة صناعية، وكانت النتيجة التي لا يريدها أحد هي اختلاط الضباب الكثيف بالدخان الخانق، ما جعل الرؤية متعذَّرة تمامًا وأدّى إلى إصابة البلاد بالشلل الكامل. 

رغم ذلك، استمر تشرشل في استخفافه بالأمر، منتظرًا انجلاء الضباب من تلقاء نفسه، ولكن الضباب استمر أيامًا، وحدثت 4000 آلاف حالة وفاة بسببه، ورأت الملكة أن رئيس الوزراء لا يفعل شيئًا لمعالجة المشكلة الطارئة، واتهمته بالانشغال بأمور أخرى يراها أكثر أهمية. وحينما أدرك تشرشل متأخرًا عظم الكارثة، أعلن حالة الطوارئ في البلاد، وكلّف لجنة للتحقيق في أسباب ما حدث، والخروج باقتراحات لكيف يمكن تفادي تكراره في المستقبل، واتخذ عدة إجراءات تحوَّلت إلى تعديلات قانونية تحدّ من استخدام الفحم، وعُرفت باسم "قانون الهواء النظيف". نجا رجل السياسي القوي من الأزمة، لكن مع إدراك مكتسب بالضعف الذي أصبح عليه.

يقدّم مورجان مسلسلًا عن فترة حكم الملكة إليزابيث الثانية منذ اليوم الأول

تبدأ تترات مسلسل The Crown بأشكال ذهبية خشنة تأخذ في الانصهار على خلفية سوداء، ثم تتصاعد الموسيقى مع انصهار الذهب ولمعانه حتى تبدأ معالمه في التشكّل. تفاصيل دقيقة وزخارف تكاد تكوِّن في النهاية تاجًا ملكيًا فخمًا، تلك التفاصيل التي نتابعها لمراحل تشكّل التاج الملكي تلخِّص أسلوب المسلسل في سرد حكايته التاريخية التي تبدو عادية وتقليدية، فالمسلسل يعتمد على طريقة لجذب مشاهديه وإدخالهم في أجواءه بداية من اللحظات الأولى لكل حلقة، حيث تبدأ كل حلقة دائمًا من مشهد مؤسِّس يلتقط تفصيلة تبدو هامشية وبعيدة عن أجواء المسلسل (على سبيل المثال، حلقة أزمة الضباب بدأت من سطح إحدى البنايات الشاهقة حيث تقوم موظفة بتسجيل قراءة أرقام جهاز قياس نسبة تلوث الهواء). 

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل مستر روبوت والعبودية الناعمة

وعلى عكس المرحلة المحدودة التي قدّمها مورجان سابقًا في فيلم "الملكة"، يتوسّع في رؤيته الدرامية ليقدّم مسلسلًا عن فترة حكم الملكة إليزابيث الثانية منذ اليوم الأول، ويختار عنوانًا أكثر شمولية هو "التاج" (The Crown) جامعًا المنصب الذي تشغله والرمز الذي تمثّله، ما منح العمل مساحة أكبر لتحليل بنية شخصية هذه الشابة الساذجة التي وجدت نفسها تحمل عبئًا ضخمًا: كيف تعاملت مع الموقف؟ كيف نجحت وكان مقدّرًا لها الفشل؟ ماذا فقدت وماذا جنت بسبب المنصب؟ وغيرها من الأسئلة التي يحاول الإجابة عنها واحد من أفضل مسلسلات 2016.

يحاول المسلسل تفكيك الصورة الرسمية للعائلة الملكية الأشهر في العالم، والتغلغل داخل دهاليز المشاعر الإنسانية لأفرادها، وتسليط الضوء على مساحات غير مرئية وغير متوقعة لهذه الشخصيات صاحبة الألقاب النبيلة. من يتوقّع رؤية مشاعر الغيرة والحسد والحقد والكراهية بين شخصيات ملكية راقية؟ يبتعد سيناريو مورجان عن الصورة الرسمية، محاولًا إبراز ما يدور في كواليس القصر الملكي، مع إضافة ما يراه لازمًا لخروج عمل درامي من وحي الواقع والتاريخ. بالإضافة لقوة السيناريو، يأتي الإخراج المتقن لكتيبة من 5 مخرجين ولمسات الموسيقار هانز زيمر لتضفي أجواء من الفخامة على عمل درامي يحاول ألا يكتفي بالبريق الخارجي لقصة العائلة الملكية البريطانية.

الملكة إليزابيث شابة يانعة بلا موهبة، خام، لم تدرس في حياتها إلا قواعد الدستور، ثقافتها المحدودة جعلتها شخصية صموتة، لا تقوى على مواجهة رجال السياسة الأكثر منها حجة وثقافة، شخصية متحفظة ملتزمة جسّدتها الممثلة كلير فوي (فازت بجائزة "غولدن غلوب" لأفضل ممثلة عن دورها في المسلسل) بأداء يبرز حالة من القلق والخوف واصطناع التماسك، على نقيض هيلين ميرين التي جسّدت حالة الملكة العجوز بعد عقود من الخبرة والحنكة أكسبتها ثقة في النفس. كانت إليزابيث الصغيرة تظن أنها تعيش ستعيش أميرة وزوجة للأمير اليوناني فيليب (مات سميث) الذي هرب من بلاده بعد ثورة شعبية وأصبح مواطنًا بريطانيًا وصهر ملك البلاد، لكن موت أبيها الملك المفاجئ وضعها في منصب لم تكن مستعدة له بأي شكل. ورغم أن منصب الملكة شرفي، والحكومة هي التي تدير شؤون البلاد، فإن على الملكة الحفاظ على هيبة المنصب، وأن تكون على ثقة في قيام الحكومة بواجبها، وأن تمثّل الكنيسة التي ترأسها، وان تراجع مع الحكومة كل شيء، وأن تقدّم مشورتها. ومع استلامها المنصب وتبعاته الدستورية والديني. 

يحاول مسلسل "التاج" تفكيك الصورة الرسمية للعائلة الملكية الأشهر في العالم

بدأ صراع الملكة مع جميع من حولها: الزوج المحبط الذي توارى في ظل الملكة وسُجن في بروتوكولات حكومية، والعم أو الملك السابق إدوارد (ألكس جينجز) الذي تخلّى عن منصبه بعد زواجه من مُطلَّقة أمريكية، الحاقد على العائلة الملكية التي نفته بعيدًا وجرّدته من كل امتيازاته الملكية، والشقيقة الصغرى مارجريت (فينيسيا كيربي) الأكثر صخبًا وحيوية وجموحًا من شقيقتها الملكة، والملكة الأم (إلين اتكينز) التي فقدت الزوج والملك والقصر الذي عاشت فيه وموقعها من الأضواء، ورئيس وزراء وبطل قومي يرى الملكة مجرد طفلة لا تفقه شيئًا في أمور الدولة. مشاعر الحقد والغيرة والغضب والاستخاف تحاصر الملكة المرتبكة، وبدورها تقاوم كل ذلك بابتسامة لطيفة، هذه الابتسامة التي سبّبت لها متاعب صحية في أثناء جولتها في دول الكومنولث حتى اضطر طبيبها لحقن وجنتها بمادة ترخي أعصاب الوجه بعد أن رفضت الكفّ عن الابتسام للجماهير.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل البابا اليافع.. كيف عرى المسلسل شخصية البابا

مسلسل The Crown عمل ملحمي من إنتاج شركتي "سوني" العالمية و"ليفت بانك بيكتشرز" البريطانية لصالح شبكة "نيتفليكس" الأمريكية، وهو إنتاج ضخم للغاية، حيث بلغت ميزانية الحلقات العشر الأولى 100 مليون دولار، وهي حلقات الموسم الأول فقط، الذي يتناول فترة حكم الملكة إليزابيث بين عامي 1947 و1955 ويتعرّض في نهايته لأزمة قناة السويس. ويلفت النظر اهتمام "نتفليكس" بعمل تاريخي ضخم عن التاج البريطاني، ولكن النجاح الجماهيري الكبير، على المستوى الأمريكي، لمسلسل "Downton Abbey"، الذي يدور في قصر أحد النبلاء الإنجليز في بداية القرن العشرين، كان رهان "نتفليكس" على نجاح مسلسلها التاريخي، وهو رهان ناجح إلى حد كبير بالنظر إلى نسب المشاهدة المرتفعة والتقدير النقدي الذي ناله الموسم الأول من المسلسل، ما يجعل انتظار عرض الموسم التالي منه موعدًا منتظرًا.

اقرأ/ي أيضًا:

قيامة أرطغرل أم روبن هود؟

"الفايكنغ".. عندما غزا "الشمال الوثني" الغرب