29-أبريل-2020

حياة الفهد وناصر القصبي (tellerreport)

في السياسة وفي أغلب الأحيان سؤال "مَن يقول" و"متى يقول"، أهم من سؤال "ماذا يقول". هذا التذكير أوليّ وضروري على سيرة اكتشاف السعودية وجود يهود عرب عاشوا في الخليج. أما اكتشاف الدراما التحريضية أن هناك آراء خيانية تستحق أن تُعرض على شاشاتها، فيفسح المجال لانكشافٍ أكبر لطريقة عمل هذه الماكينة التطبيعية التحريضية.

شاشة MBC في رمضان هذه السنة، ذبابيّة. برامج تستخدم نفس النص الموزّع على حسابات الذباب الإلكتروني السعودية والإماراتي، ولكن على شكل دراما لا تشبه الدراما التي يعرفها الناس في شيء

شاشة MBC في رمضان هذه السنة، ذبابيّة. برامج تستخدم نفس النص الموزّع على حسابات الذباب الإلكتروني السعودية والإماراتية، ولكن على شكل دراما لا تشبه الدراما التي يعرفها الناس في شيء. وفي ساعة أخرى مسلسل عن يهود الكويت، الاكتشاف الأثري الجديد لشاشة المقالب السمجة.

اقرأ/ي أيضًا: سيّد الذباب الإلكتروني.. سيرة الأنشطة السفلية لسعود القحطاني ذراع ابن سلمان

وعلى ما في المشهد من وضوح وقح، يضع هذه الشاشة إلى جانب حملات الذباب الإلكتروني الداعية للتطبيع مع إسرائيل والمحرضة على الفلسطينيين وفلسطين، وتصريحات سعوديين وتحركاتهم التطبيعية، كإطار داعم وممهد لمواقف سياسية يتبناها نظام ولي العهد تجعل السعودية منفذًا وداعمًا لمشاريع نتنياهو-ترامب، إلا أن هنالك من عمي عن رؤية الوضوح أو تعامى عنه، ولا بد، والحال هذه في عصر اللعب بالبدهيات، من الرد والمساجلة، وهي مساجلة بسيطة في جوهرها ولكنها مضنية نفسيًا، فلا أشق من توضيح الواضح وشرح البدهي.

مخرج ٧

على كنبة في صالة يتحدث أحدهم عن نكران الفلسطينيين لما قدمته السعودية وتهجمهم على السعودية، وعليه يرى أن العلاقة مع إسرائيل مبررة ومطلوبة وأن السعودية دفعت للسلطة الفلسطينية رواتب وميزانيات وحاربت مع الفلسطينيين دون أي مقابل. المشهد السخيف دراميًا أثار جدلًا، كما أريد له طبعًا، وفي فضاء مواقع التواصل قال قائل إن هذه الآراء موجودة والدراما تعرضها.

يفتح هذا الرأي السؤال واضحًا وكبيرًا عن مَن يقول ومتى يقول. فمتى كانت MBC ومعها القنوات السعودية والإماراتية مرآةً للواقع تنقل ما فيه من آراء؟ لا داعي للتفكير بإجابة، لم تفعل يومًا، ولذلك فنحن أمام "استثناء تطبيعي تحريضي"، وهذه الإشارة الأولى إلى عدم عاديّة ما يًعرض اليوم.

ثم هل حصل في أي سابقة أن وردت في جوقة القنوات هذه شخصيةٌ لمواطن سعودي يتحدث في شأن متعلق بصرف المال العام؟ هل يمكن لأي دراما سعودية أن تتساءل عن قرارات الصرف وإرسال الأموال وقطع النفط أو تزويده؟ أو تتساءل عن مواقف الملك وسياسته؟ ألا يكشف وجود شخصية لمواطن يستنكر دفع المال للسلطة الفلسطينية أو تصدير النفط أو قطعه بسبب موقف سياسي، أو دخول السعودية حربًا لجانب الفلسطينيين، حقيقة أن هذه الشخصية الاستثنائية ليست إلا وجهًا لتمرير هذه المقولات؟ أداة لرمي هذه الآراء في دائرة التداول والاعتياد؟

اقرأ/ي أيضًا: الدراما الخليجية في السنوات الأخيرة.. مسلسلات لصناعة تاريخ آخر

هل تحتمل قنوات التلميع والتمييع أي رأي عن رفض ما يُنفق على مشاريع ابن سلمان المراهقة والتي يقتل بسببها سعوديون تحت أنقاض بيوتهم؟ هل تحتمل رأيًا لمواطن، شخصية هامشية تظهر لثانيتين في مسلسل، تستفسر عن جدوى الحرب في اليمن؟ أو سؤالًا من شخصية مواطن سعودي عن أسباب زيادة إنتاج النفط أو خفضه؟ أو كما تسأل شخصية عن دعم الفلسطينيين هل يمكن أن تسأل أخرى عن دعم السيسي، أو مئات المليارات المنقولة إلى جيب ترامب؟

هل يحتاج مشهد سافر كهذا مزيدًا من المساجلة والنقاش؟ قنوات الرأي الواحد، تلقين الناس وحشوهم دون أي هامش حرية أو نقل لحقيقة الواقع، قنوات رسم واقع زائف مصمم بشكل مطلق، اليوم باتت تنقل آراء موجودة في الواقع ويراد للمشاهد أن يتجاهل السؤال البديهي عن المغزى والتوقيت والرسالة؟

أم هارون

في بداية مسلسل "أم هارون" عن مجموعة من يهود الكويت، يرد تعليق طويل بصوت يفتعل الحزن، صوت حياة الفهد نفسه الذي سمعناه متشنجًا قبل أيام يريد رمي المصريين ليموتوا من كورونا في الصحراء حتى تتعالج هي، تقول "إن التعصب الديني هو سبب الثورات والحروب والكوارث".. التعصب الديني هو سبب الثورات؟ يحار المرء من قدرة أي مشاهد على هضم هذا المحتوى الموجّه بسفور وفجاجة، ويحار من القدرة على مواصلة المشاهدة بعد عبارات من هذا النوع. ولا تسعف المرءَ لغته ولا ذاكرته بأي مرادف للتعصب الديني يفوق في دقته "النظام السعودي".

في الوقت الذي كان فيه اليهود العرب كتلة قابلة للفعل السياسي، حاربها النظام الرسمي العربي ولم يعمل معها ويجهد لكسبها مثل الفلسطينيين وحركتهم الوطنية إلى جانب تيارات تقدمية وقومية كانت بالنسبة لنظام آل سعود وأمثاله أكبر أعدائهم.

أما اليوم، في ظل غياب أي فاعلية أو تكتل حقيقي لليهود العرب يمكن استثماره سياسيًا ضد إسرائيل والصهاينة، تأتي MBC لتلعب دورًا في استغلال قصتهم كقاطرة للتطبيع الناعم.

ثمة محاولة لإثارة شعور بالذنب لدى الشعوب العربية تجاه اليهود العرب، ومقصده تمييع الحد الفاصل بين إسرائيل واليهود العرب. والسؤال هنا لماذا قد يشعر بالذنب من لم يتورط في أي ظلم أو اضطهاد تجاه اليهود العرب! أما أن فبركة التاريخ ترمي إلى تحميل الشعوب المسؤولية لتوريطهم بشعور زائف بالذنب يستغله الظالم والمضطهِد اليوم لتبرير قهر وظلم الشعب الفلسطيني الذي يعيش محرقته المستمرة، ويراد له أن يكتوي بنار جديدة، التحريض المستمر من طرف إعلامه وذبابه الإلكتروني وصولًا إلى أذى مباشر، يبدأ بدعم نظم الخنق والتضييق على الفلسطينيين، ثم اعتقالهم وملاحقة أي داعم لهم، ثم تبرير أي عنف يطالهم باعتبارهم إرهابيين ومعادين للسامية، في اتساق بل ومزايدة على اللوبيات الصهيونية في أوروبا وأميركا، وتلك تدخل مرحلة جديدة من اعتبار أي عداء لإسرائيل بمثابة معاداة للسامية، هكذا يتعلم صهاينة العرب من صهاينة اليهود تذويب الحدود الفاصلة وتمييعها.

وعلى سيرة اليهود العرب، من المفيد التساؤل عن دور السعودية في تسليم آخر مجموعة من يهود اليمن لإسرائيل قبل ثلاث سنوات فقط.

اقرأ/ي أيضًا: كيف نفهم التطبيع اليوم من خلال أفكار عزمي بشارة؟

إن كانت قنوات السعودية والإمارات اكتشفت اليوم قيمة "التسامح"، ألا ينبغي التساؤل عن موضوع هذا التسامح؟ ولماذا الحفر في التاريخ في حين أن مجالاته الراهنة والحاضرة في هذه الممالك تفقأ عين أي مشاهد؟ ألا تسامح مع المسلمين غير الوهابيين؟ ألا تسامح مع المسلمين الوهابيين ذوي الرأي المخالف في قضايا تفصيلية في الدين؟ ألا تسامح مع المخالفين بالرأي السياسي؟ ألا تسامح مع تغريدة أو بوست مخالف لسياسات النظم المستنزفة لشعوبها ومواردها؟ دراما الدردشات الواقعية ألا تدرك أن في الواقع السعودي الراهن سجونًا يموت الناس فيها؟

أم أن التسامح لا يأتي إلا قرينًا باليهود، ثم وبزلات لسان مقصودة يصيرون إسرائيليين؟ فالتسامح المكتشف هذا كبير إلى درجة عدم القدرة على التفريق بين اليهود والصهاينة والإسرائيليين.

ثم هل تعتقد MBC والقائمون عليها أن ذاكرة الناس قصيرة إلى حد نسيان البرامج الدينية التي تكفّر وتدعو على كل من خالف دين آل سعود؟ ألم تنقلها المحطة وغيرها لسنوات؟ ألا يمكن التسامح إلا مع إسرائيل؟

ليست دراما بل تحريضًا سياسيًا

لا يبدأ المشهد ولا ينتهي في الشاشة المهندسة بعقول سطحية وبرسائل لا تحوي أي منسوب دهاء أو حذاقة، فالمشهد التطبيعي والتحريضي ضد الفلسطيني، فضاؤه تويتر السعودية المحتل والمسيطر عليه من النظام السعودي. هناك حيث السيطرة كلية والمضامين واحدة والأوامر قدرية والأدوار مرسومة. ينتهي المسلسل لتظهر وجوه، تعريفها كاتب وصحفي وإعلامي، تحرض على الفلسطينيين وتحلم بإسرائيل وشهادات القبول من الصهاينة، وبكبسة زر تنطلق هاشتاغات وتتوالى الحسابات المنشأة حديثًا مع صورة لابن سلمان وأبيه لتتولى المهمة المستحيلة، لعب دور الرأي العام السعودي. تقمص دور هذا الرأي العام المغيب بالقمع والمنع والسجون.

منذ أن اخترعت السعودية والإمارات الذباب الإلكتروني وصارت عنوانه في تويتر وبقية منصات التواصل، كان الفلسطينيون هدفا مستمرا للتحريض،

منذ أن اخترعت السعودية والإمارات الذباب الإلكتروني وصارت عنوانه في تويتر وبقية منصات التواصل، كان الفلسطينيون هدفًا مستمرًا للتحريض، وبخطابات متعددة، أحدها أن الفلسطينيين باعوا أرضهم وقضيتهم وصاروا إسرائيليين، ويستدل على ذلك بوثائق هوياتهم أو سفرهم المفروضة عليهم من إسرائيل، ثم التهجم عليهم لمجرد أنهم أحياء، ويستدل على ذلك بصورة لفلسطينيّ يغني أو يدرس أو يتناول طعامًا أو يركب سيارة. كان الهدف ولا يزال نزع أي قيمة للقضية الفلسطينية عبر تشويه الفلسطيني. ومنذ أمد انتقلت هذه الأدوات إلى مرحلة جديدة، الإعجاب بالإسرائيلي والتغزل فيه، اكتشاف اليهودي وضرورة التسامح معه من بوابة دعم إسرائيل وإثبات ذلك بمهاجمة الفلسطيني ومعاداته. وملامح المرحلة الثالثة باتت واضحة، المضي إلى التطبيع والصلح مع إسرائيل على حساب الفلسطيني وإن لزم الأمر المشاركة في إخماد صوته أو قمعه أو التضييق عليه إن اعترض. وشاشة الذباب هي جزء من مشروع استهداف الفلسطيني ومناصريه، تتولى قتله معنويًا، تمهيدًا للسياسة التي تهدف للقتل المادي وإنهاء قضية فلسطين.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

 كيف ساعد "السيد هاشتاغ" السعودية في التجسس على المعارضين؟

الذباب الإلكتروني السعودي يغزو تويتر بالشتائم والأكاذيب بعد مقتل خاشقجي