6 تجارب روائية.. الهامش والتاريخ والفرد وهمومه الصغيرة

6 تجارب روائية.. الهامش والتاريخ والفرد وهمومه الصغيرة

كتاب عالميون

تقتصر توصيات الكُتب عادةً على مجموعة أعمال مُختلفة تُقدّم من خلال نبذة تعريفية تستعرض مضمونها. في هذه المقالة، لا نوصي بأعمال بعينها، وإنّما نُشير إلى مشاريع أدبية لكتّاب قليلي الانتشار والشهرة، دون تكون نوعية ومستوى أعمالهم السبب، وإنّما ظروف أخرى مرتبطة بالحياة ومشقّاتها ومفاجأتها أيضًا.

لا يختلف حال بوهوميل هرابال عن كليما وكونديرا لجهة وجوده في بلادٍ كانت مهنة العيش فيها بالغة الصعوبة

قد لا تكون الرواية التشيكية بدأت بأدب فرانز كافكا (1883-1924)، ولكنّ أعمالهُ تُعدّ الخيار الأوّل لكلّ من يودّ الحديث عن الأدب التشيكيّ، باعتباره الأكثر انتشارًا عالميًا من جهة، ومؤسِّس ما يُعرف بـ"الكتابة الكافكاوية" من جهة أخرى، بالإضافة إلى نوعيّة الأدب الذي قدّمه، وصلته بحياته الشخصية المعقّدة، وجمعه لأسئلة فلسفية ووجودية مُختلفة نابعة أساسًا من أزماته النفسية الحادّة واختياره نمط حياة بعيد عن الحياة الاجتماعية.

اقرأ/ي أيضًا: عين الحمام لماهر عبد الرحمان.. رواية البحر والعنف

بعد كافكا مُباشرةً، يحلّ مواطنه ميلان كونديرا (1929) الذي يردُ اسمه عند ذكر المرشّحين لـ"نوبل" سنويًا. صاحب "حفلة التفاهة"، حظي بانتشارٍ عالميّ بعد خروجه من التشيك إلى فرنسا، حاملًا في جعبته ما عايشه في ظلّ أزمنةٍ صعبة وأنظمةٍ شمولية قاسية كان يومًا من مؤسّسي وجودها في بلاده التي قرّر مُغادرتها بسببها. هل من أسماء تشيكية أخرى يُمكن القراءة لها؟ هناك بوهوميل هرابال (1914-1997)، وإيفان كليما (1931).

نُقلت إلى اللغة العربية روايتين فقط لإيفان كليما: "حبّ وقمامة"، و"لا قديسون ولا ملائكة"، ويعود السبب ربّما لكونه الأقلّ شهرة بين الأسماء الثلاثة أعلاه، لا بسبب نوعية أعماله الأدبية وقيمتها، وإنّما لاختياره طواعية البقاء في بلاده حينما كان كتّابها يغادرونها تباعًا هربًا من الاستبداد. هناك، في براغ، ستمنعهُ السلطات من النشر، فيبدأ الكتابة للنجاة من عزلة وصمت شكّلا خطرًا على سلامته النفسية، ثمّ اختار الخروج لكنس الشوارع مُحاولًا حماية روحه من ظروف العزلة القسرية المفروضة عليه. هذه الظروف وتفاصيل أخرى هي ما سيرويها كليما الناجي من معسكرات الاعتقال النازية والحرب العالمية الثانية في روايته "حبّ وقمامة".

لا يختلف حال بوهوميل هرابال عن كليما وكونديرا لجهة وجوده في بلادٍ كانت مهنة العيش فيها بالغة الصعوبة والكتابة، على أشكالها، سببًا كافيًا ليُعزل المرء ويُحجَر في منزله، ذلك أنّ مؤلّف "خَدَمت ملك إنجلترا"، و"عزلة صاخبة جدًا"، و"قطارات تحت الحراسة المشدّدة"، بالإضافة إلى "دروس في الرقص للمسنين"، وهي الروايات المنقولة للعربية؛ منعته سلطة ما بعد "ربيع براغ" من الكتابة وحظرت أعماله.

تحوّل هرابال إلى ضحية جديدة من ضحايا السلطة التي حوّلت تشيكوسلوفاكيا إلى معتقلات ضخمة، ليجد عزائه نهاية الأمر بالكتابة التي كان قد بدأها بداية الستينيات، وتوطّدت علاقتها بها في سنوات البؤس التي عبّرت عنها "عزلة صاخبة جدًا" وبطلها المنصرف عن كلّ ما هو متعلّق بفلسفة البقاء، وكلّ ما يرتبط بمحاولات إثبات الذات، غارقًا في عزلته التي لا يُعرف إن كانت قسرية أو اختيارية، ولكنّها مُرتبطة بعين خفيّة تُراقبه، قد تكون عين السلطة التي تحاول سحقه بعزله عمّا حوله.

الأعمال التي قدّمها عتيق رحيمي بدت أقرب إلى أفغانستان ممّا قدّمه خالد حسيني، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بمسألة الموروث الشعبيّ

لأكثر من عامين، تصدّرت رواية الكاتب الأفغاني خالد حسيني (1965) الأولى "عدّاء الطائرة الورقية" (2003) قائمة صحيفة النيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعًا بمعدّل 7 ملايين نسخة مُباعة في الولايات المتّحدة، ممّا جعلها الرواية الأفغانية أكثر شهرة، بالإضافة إلى كاتبها الذي حظي بانتشارٍ يفوق انتشار وشهرة مواطنه عتيق رحيمي (1962) الذي حطّ رحاله لاجئًا في فرنسا منذ سنواتٍ طويلة.

اقرأ/ي أيضًا: أدب الخيال العلمي.. مسارات وأسئلة

الأعمال التي قدّمها رحيمي بدت أقرب إلى أفغانستان ممّا قدّمه خالد حسيني، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بمسألة الموروث الشعبيّ والعناية بالنبرة الشّعرية التي أضافت إلى نصوصه لمسة صادمة قدّمت الحدث ثمّ عادت لمواجهته لاحقًا، كما هو الحال في عمله الأوّل "أرض ورماد" (2001) الذي سرد فيه تفاصيل رحلة عجوز كُتب له النجاة برفقة حفيده من مجزرةٍ ارتكبها الجيش الروسيّ، راحت ضحيتها العائلة باستثنائهما. أمّا في روايته الأشهر "حجر الصبر" (2008) الدائرة أحداثها داخل غرفة واحدة، حيث تأخذ دور شهرزاد في سرد حكايات متعلّقة بحياتها الشخصية ورغباتها الجسدية على مسامع زوجها المشلول الذي ستعضه في مواجهة اعترافاتٍ جريئة جسّدت مأساة المرأة الأفغانية النابعة بطبيعة الحال من مأساةٍ عامّة في ظلّ التبدّلات السياسية التي دمّرت البلاد.

المأساة الأفغانية تُقابلها مأساة أخرى إيرانية، وإن في ظروفٍ وأحوالٍ مُختلفة. وباستثناء صادق هدايت (1903-1951) الذي جاءت أعماله نسخة فارسية من أعمال كافكا الكابوسية؛ غلب على الروايات الإيرانية الأخرى المنقولة إلى العربية على اختلاف مواضيعها وحكاياتها وأزمنتها، في عهد الشاه أو الخميني وما بعده، طابعًا سياسيًا باعتبار أنّ الحالة العامّة/ المأساة هي نتيجة تحوّل سياسيّ كارثيّ.

قدّمت آذار نفيسي وبرزك علوي وطاهرة علوي وغيرها أعمالًا وفقًا لهذه القاعدة، دون أن يعني هذا أنّها قاعدة عامّة لأنّ الحديث هنا عن الأعمال المنقولة إلى اللغة العربية. هل هناك أسماء أخرى؟ هناك إيرج بزشك زاده (1928) الذي تُرجمت روايته "خالي العزيز نابليون" إلى لغة الضاد قبل نحو ثلاثة سنوات تقريبًا باعتبارها الرواية الأكثر شهرة لكاتبها الذي تناول فيها تواريخ – استقلال إيران، الحرب العالمية، دخول بريطانيا إلى إيران – وأحداث مختلفة بقالب ساخر جعل منها مساحة مفتوحة على الضحك المتواصل الذي يُرافق القارئ حتّى نهاية الرواية المعنونة باسم أحد أبطالها "الخال نابليون"؛ جندي برتبة صغيرة يعود من خدمته محمّلًا بحكايات مُتخيّلة تصوّره قائدًا عسكريًا فذًا لا يُشبه إلّا نابليون، خاض من الحروب ما خاضه الأخير الذي لاحقه البريطانيون الذين تخيّل الخال أنّهم يلاحقونه أيضًا نظرًا لأهميّته ومكانته، بينما الأمر في الحقيقة مجرّد أوهام.

هذه الأوهام هي ما اشتغلت الكاتبة الهندية أرونداتي روي (1961) على محاربتها وإماطة اللثام عمّا يقبع ويقف خلفها أيضًا، خصوصًا حينما يتعلّق الأمر بالفقراء والمُحتاجين الذين تسعى الأنظمة إلى خداعهم دائمًا، ذلك أنّها ليست روائية فقط، وإنّما ناشطة سياسية وحقوقية منغمسة في قضايا الشعوب المضطّهدة حول العالم، بدءًا من الهند وصولًا إلى لبنان وفلسطين وغيرها من الدول.

قدّمت أرونداتي روي في روايتها الأولى "إله الأشياء الصغيرة" حكاية عائلة هندية تعيش أوضاعًا إنسانية صعبة مرتبطة بجملة مآسٍ اجتماعية واقتصادية

قدّمت روي في روايتها الأولى "إله الأشياء الصغيرة" (1997) حكاية عائلة هندية تعيش أوضاعًا إنسانية صعبة مرتبطة بجملة مآسٍ اجتماعية واقتصادية ناتجة عن السياسات القائمة في البلاد، الأمر الذي أوجد عند هذه العائلة المنكوبة بالفقر والفضائح جرحًا غائرًا تُحاول العيش معه في ظلّ مُحيط قائم على أساس التمييز الطبقي والتوتّرات الطائفية والعقائدية التي ستكون حاضرة أيضًا في روايتها الثانية "وزارة السعادة القصوى" (2017) التي تُعاين فيها العنف اليوميّ في بلادٍ تعيش أزمات اقتصادية ناتجة عن حصر الثروة في يد فئة قليلةٍ داعمة للممارسات الحكومية الوحشية في إقليم كشمير التي تأتي الرواية على تناول واقعه في ظلّ هذه الظروف.

اقرأ/ي أيضًا: رواية "طير الليل" لعمارة لخوص.. العنف وأصله في الجزائر

على الجانب الآخر من العالم، في أمريكا اللاتينية تحديدًا، تمكّن الشاعر والروائي التشيليّ روبيرتو بولانيو (1953-2003) خلال سنواتٍ قليلة من صناعة صوتٍ أدبيٍّ خاصّ به، وتَركِ أثر أدبيٍّ لا يُمكن الاستهانة به أو التقليل من شأنه، رغم أنّه بعيد عن الواقعية السحرية التي طغت على الرواية اللاتينية، ومُنحاز لـ"واقعية" أخرى يُمكن الاستدلال عليها بسهولة من خلال أعماله الروائية التي نُقلت أغلبيتها إلى اللغة العربية، خصوصًا عمله الأكثر طموحًا "2666" (2004).

خلال سنوات حياته الأدبية القليلة، قدّم بولانيو أدبًا لا ينفصل عن حياته الشاقّة، إذ بدا نابعًا منها، لا من معاناته الطويلة المبكّرة مع الفقر والترحال ومن ثمّ مرض الكبد الذي ألمّ به فقط، وإنّما من الكيفية التي كان ينظر إليها إلى ما حولهُ ويتعامل معه وفقًا لقواعدها التي حدّدها بنفسه وأدخلها إلى أدبه. ويُمكن تسمية هذه الكيفية أو الطريقة بالعبثية التي بدت سمة بارزة في أعماله الروائية كما الشعرية، ومُحرِّكًا لها، مُحاولًا عبرها الانتصار للفردانية، ليجد نفسه نهاية المطاف مُقابل واقعية غريبة تقف على حدود الواقعية السحرية دون أن تدخلها، لتؤسّس نفسها كواقعية عدمية إن صحّ القول.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أحمد عبد الحسين.. مكان بلا زمن

حوار | الروائية عالية ممدوح: ما زلت أتلقى الدروس