5  مجموعات أساسية في تاريخ قصيدة النثر العربية

5 مجموعات أساسية في تاريخ قصيدة النثر العربية

همام السيد/ سوريا

بصرف النظر عن الأعمال الحقيقة والجادّة، هل ما يقرأهُ القارئ العربي من أعمالٍ شعرية، تستحق أن تنتسب إلى قصيدة النثر؟ ما هي قصيدة النثر أساسًا؟ وكيف يمكن للقارئ التعرّف إليها، والتمييز بينها وبين القصيدة الحرّة أو الموزونة؟ أو بين ما يُصفّ اليوم من كلماتٍ بوصفها شعرًا؟ كلّها أسئلة لا تنفكّ تُطاردنا مع كل مجموعة شعرية تقع بين أيدينا، وتُعرّف نفسها للقارئ عادةً بأنّها مجموعة نثرية. واقع الحال أنّ قصيدة النثر تعيش مرحلة انحدار واحتضار معًا. وكلّ ما يندرج تحت هذا المُسمّى، يُمكن القول إنّ مسافةً واسعة تفصلُ بينه وبين النثر. فهو إمّا تقليد لما كُتب قبلًا، بمعنى أنّه لا يأتي بجديد، أو محاولة يُمكن القول إنّها صفُّ كلمات لا أكثر.

لا نسعى في هذا المقال إلى تعريف قصيدة النثر، أو التنظير لها، ما نسعى إليه هو الإشارة أو استعادة مجموعاتٍ متفرّدة في تاريخ قصيدة النثر العربية. بعض هذه المجموعات كان لها دور الريادة، والبعض الآخر كان بمثابة تجديد أو نقلة نوعية في مسيرة هذه القصيدة.

على أي حال، هذه المنجزات تُعدّ مدخلًا لا بدّ من ولوجه للتعرّف إلى قصيدة النثر بصورتها الحقيقة، وهي أيضًا، تعاويذ كفيلةً بحماية أرواحنا من بعض ما نقرأهُ في يومنا هذا، ومن العطب الذي قد يصيبها بفعله أيضًا. إنّها كنزنا المخفي لمواجهة الإفلاس الأخذ بالاتّساع.


1- حزن في ضوء القمر

قراءة أعمال محمد الماغوط (1934-2006) تُرسِّخ في ذهن من يقرأ فكرة أنّ الألم كان دائمًا طريقًا جاهزًا عند الشّاعر السوريّ المتفرّد للوصول إلى الشِّعر، والتقاط الصورة الشِّعرية أيضًا. طريقًا يُمكن القول إنّه كان مُعبَّدًا، ولكنّ الماغوط نفسهُ أدرك، منذ البداية، أنّ هناك أمرًا ما يحتاجهُ للعبور، والوصول إلى الجهة المُقابلة لجهته، حيث يقف هو. ومع امتلاكه لهذه القطعة المفقودة، تلك التي تجسَّدت، أوّلًا، في روحٍ جديدة وأسلوبٍ مختلف. وثانيًا، في اللغة المُخفَّفة من البلاغة والفصاحة، والمتجاوزة للتقاليد والمفردات التي نهضت عليها القصيدة العربية قبلًا؛ كتب محمد الماغوط مجموعته الشّعرية الأولى "حزن في ضوء القمر" (دار مجلّة شعر، 1959). وإذ به، ودون أن يدرك ذلك، يؤسّسُ لما يُمكن تسميته مدرسةً شعرية جديدة، أو نموذجًا شعريًا جديدًا كُتب له الاستمرار طويلًا، وتجسّد في تجارب عددٍ كبير من شُعراء قصيدة النثر لاحقًا.

قدَّم محمد الماغوط في "حزن في ضوء القمر" قصائد كُتِبت بلغةٍ خاصّة وخاصّة جدًا، تجاوزت كلّ ما تكرّس في الشِّعر العربيّ من أنماط ونماذج متعدّدة. ولا بدّ هنا من القول إنّ المجموعة التي لا يُمكن إنكار ريادتها لقصيدة النثر العربية، إلى جوار مجموعة اللبنانيّ أنسي الحاج "لن"، ثبتت في ذاكرة القارئ سريعًا. فالشّاعر كتب قصيدة قريبةً من الحياة اليومية للقارئ/ المواطن العربيّ، وما يعيشهُ من خيباتٍ وانكساراتٍ وأوجاعٍ مزمنة. قصيدة بعبارات سهلة، ولكنّها أيضًا مُشبعة بالألم، ذلك الذي جمعهُ الماغوط من الشارع، والمارّة، وحضيض الحياة الواقعية، مكوّنًا صرخة أكثر منها قصيدة، أو نداء استغاثة ربّما، يخرج من بيئة ملوّنة بشتّى أطياف العنف، والخوف، والجوع، والبؤس، والتشرّد. وكلّ ذلك، بالإضافة إلى اللغة التي تفرّد بها صاحب "غرفة بملايين الجدران"، جعل من المجموعة مُغامرة غير مسبوقة في تاريخ الكتابة الشعرية العربية. مُغامرة تتعمّد هزّ كيان القارئ دون رحمة.

حزن في ضوء القمر

2- لن

قِيلَ فيها كلامٌ كثير. نتحدث عن "لن" (منشورات مجلّة شعر، 1960) المجموعة الأولى للشاعر اللبنانيّ أنسي الحاج (1937-2014). بعد سنواتٍ طويلة تلت تاريخ صدور المجموعة، تهافت كُتّابٌ وشعراء وصحافيين ونقّاد إلى طاولاتِهم للحديث عنها، إمّا بمديحٍ مُفرط، أو ذمٍّ هدّام. ويُمكن إعادة الأمر الأوّل إلى تجاوز "لن" المستمر لمن يُحاول قراءتها نقديًا، وقطعها مسافاتٍ طويلة من شأنها أن تفصل بينهُ وبينها، بحيث تسبقُ دائمًا أي محاولة نقدية لها. هكذا، تصيرُ الكتابة عن المجموعة تشبهُ، إلى حدٍّ بعيد، الجري؛ أي الجري خلفها، دون أن يكون الوصول إليها أمرًا ممكنًا إطلاقًا. ما معناهُ أنّ أدّق ما قِيلَ فيها، كان نتيجةً لانكماش المسافة بينها وبين من يُطاردها نقديًا لبعض الوقت، بحيث يستطيع أن يرى بعض ملامحها فقط، قبل أن تعود للجري مجدَّدًا.

قصيدة الحاج التي جاءت في مجموعة "لن"، كُتبت بلغةٍ مُقتضبة، مُقتصدة، ولكنّها قصيدة عميقة، وبمفرداتٍ متعدّدة المعاني. كأنّ الكلمة التي تُعبّر عن مفهومٍ ما، وتُشير إليه، تصيرُ تُعبّر عن مفهومٍ آخر بمجرّد أن يضعها الحاج في قصيدته. وغالبًا ما يكون مفهومًا أكثر وضوحًا أو عمقًا أيضًا. وهذا الأمر يدخل، دون شكّ، ضمن إطار لعبة "فخّ المعنى" التي يًمارسها الشّاعر واضعًا فخًّا بين الكلمة والأخرى.

"لن" تتجاوز فكرة أنّ أهميتها تكمن في كونها أوّل مجموعة شعرية عربية ضمّت قصائد نثرية. لأنّ هناك من سبق أنسي الحاج إلى قصيدة النثر قبلًا. لكنّها تُبرهن للقارئ، بعد قراءةٍ ثانية وثالثة ورابعة، أنّ ما تضمّهُ من قصائد، هي روح قصيدة النثر. بالإضافة إلى أنّ هذه القصائد قد تمكّنت من تحرير الكلمة، ونسف البلاغة لا لمجرّد نسفها فقط، بل لتكوين مساحةٍ مزجَ فيها من ألّف "الرسولة بشعرها الطويل حتّى الينابيع" بين الفصحى والعامية. ناهيك عن أنّ المجموعة نفسها بشّرت بشاعرٍ وضع نصب عينه إبقاء علاقته مع قصيدة النثر لا علاقة متماسكة فقط، وإنّما قابلةً للاستمرار. علاقةً كرّس فيها الحاج نفسه كشاعر مُتطرّف، يكتب قصيدة مُتطرّفة ومنفردة تُزعزع استقرار القارئ.

لن

3- خراب الدورة الدموية

يملك الشّاعر السوري رياض الصالح الحسين (1954-1982) حياةً يُمكن القول إنّها غامضة، بأبواب مُغلقة وموصدة بعناية شديدة. جزء من هذا الغموض تشكّل بعد وفاة الشّاعر المولود في مدينة درعا جنوب سوريا. وهذه الوفاة بحد ذاتها جعلت، كما يرى الكثيرون، من البحث عن معلومات تخصُّه أمرًا ليس هينًا، بل شديد الصعوبة أيضًا. لكنّ ما هو معروف عمّن قدّم "وعل في الغابة"، أنّه أحد أبرز شعراء قصيدة النثر أو القصيدة اليومية، محليًا وعربيًا. تجربته المتجسِّدة في أربعة مجموعاتٍ فقط، مثّلت منعطفًا مهمًّا في قصيدة النثر، ووجدت من يتبعها ويسير على خطاها.

رياض الصالح الحسين بنى نبرته الشّعرية على أساس ما كابدهُ من كآبةٍ ويأسٍ وحزن. وكان، في سريرة نفسه، مُدركًا أنّ سرد الوجع لا يحتاج من الشّاعر أي نوعٍ من البلاغة والفصاحة إطلاقًا. فذهب لتسليح نفسه بلغةٍ بسيطة ومُنحازة، دون مواربة، إلى الحياة اليومية، أو إلى ما وراء الحياة اليومية تحديدًا. وأيضًا، بمفرداتٍ مألوفة أخذت شكلًا صادمًا ومُبهرًا ما إن وضعت ضمن القصيدة التي كُتبت في الكثير من الأحيان بنبرةٍ ساخطة ومحتجّة، تمامًا كما ينبغي لقصيدة يومية أن تكون. بهذا الشكل تحديدًا، ولِدت المجموعة الشِّعرية الأولى للشّاعر المنحدر من مدينة مارع شمال سوريا "خراب الدورة الدموية" (1979)، مُشكِّلةً مِرأةً تَعكِسُ واقع الحياة الشّاقة والمأساوية الملوّنة بأمراضٍ متعدِّدة لاحقت رياض الصالح الحسين، والذي عرّف نفسه للقارئ قائلًا: "كئيبًا ومنفتحًا كالبحر، أقف لأحدثكم عن البحر/ مستاءً وحزينًا من الدنيا/ أقف لأحدثكم عن الدينا/ مُتماسكًا وصلبًا كالنهر/ أقف لأحدثكم عن النهر".

 خراب الدورة الدموية

4- حامل الفانوس في ليل الذئاب

إن بحثنا عمّن يتحدّث عن التجربة المتفرّدة للشّاعر العراقيّ سركون بولص (1944-2007)، بدرايةٍ وعمق، فلن نجد أحدًا مُتمكِّنًا من فعل ذلك سواه. الشّاعر المولود في مدينة الحبانية غرب العراق، هو الأكثر معرفةً ودرايةً بهذه التجربة ودهاليزها. أضف إلى ذلك نبرتها التي اتّسمت غالبًا بالخشونة، ومعجمها الثري أيضًا. وإن قرَّر شخصٌ ما، ناقدًا كان أو قارئًا، البحث عن سركون بولص شعريًا، فإنّهُ لن يعثر عليه كما يجب إطلاقًا. لأنّ مؤلّف "الوصول إلى مدينة أين"، حصَّن نفسه، بقصدٍ أو دون قصد، بما يجعلُ من شعرهِ تجربةً قابلةً دائمًا للاكتشاف، وإعادة الاكتشاف مرّاتٍ ومرّاتْ. وأيضًا، تجربةً عصيةً على التشابه والتكرار.

سركون بولص قرّر ألّا يقف عند حدود كتابة الشِّعر فقط، بل إنه يقطع مسافةً أبعد من ذلك، لأنّ الشِّعر عندهُ دائمًا كان مشروع حياة، والشّاعر نفسه صرّح دائمًا، وفي أكثر من مناسبة، بأنّه يعيش من أجل الشِّعر فقط. هكذا، أنجز سركون بولص مجموعة ترجماتٍ لعددٍ من الشّعراء العالميين، تُضاف إلى ما أنجزهُ هو من مجموعاتٍ شعرية. وإن أراد القارئ أن يبحث عن العمل الأكثر نضجًا وفرادةً بين ما أنجزهُ مؤلّف "إذا كنت نائمًا في مركب نوح"، فهذا البحث سوف يقودهُ دون شك إلى المجموعة المتفرّدة في تجربة بولص نفسه، وفي قصيدة النثر العربية أيضًا، وهي مجموعة "حامل الفانوس في ليل الذئاب" (منشورات الجمل، 1996). قصائد المجموعة الفارقة في قصيدة النثر، كُتبت بمعجمٍ مُطهّر من الشوائب، ولغة ظلّ بولص دائمًا منحازًا لها، ويعمل على خلق حيّزٍ خاصّ لها. من يقرأ قصيدة بولص، يشعرُ بأنّ الشّاعر يكتب بحكمة، متأنيًا في التقاط مشاهده، ومفرداته، واستعاراته، ومعانيه المتخفّية داخل القصيدة. وأيضًا، يجد القارئ نفسه أمام سؤالٍ لا ينفكّ يُطارده أثناء قراءة المجموعة، وهو: "ما هي الطريقة التي ينظر سركون بولص من خلالها إلى الحياة وأشيائها؟".

حامل الفانوس في ليل الذئاب

5- تفسير الرخام

من يعرف الشّاعر اللبناني بسّام حجّار (1955-2009)، وإن من خلال ما أنجزهُ من مجموعاتٍ شعرية، أو ترجماتٍ أدبية فقط، يعرف، بسهولة، أنّه شاعر مسكون بالعزلة والانزواء. بعلاقاتٍ اجتماعية قليلة، وبحضورٍ إعلاميٍّ أقل. العزلة التي تبنّاها بسّام حجّار راغبًا لا مُجبرًا، وبكلّ ما تحملهُ من قلّة، دفعتهُ لكتابة قصيدة بمفردات ضئيلة، ولكنّها مسكونة بالعزلة والخوف، ومجرّدة من الطمأنينة. حجّار نفسه فسَّر كتابته لهذه القصيدة بقوله إنّه يخاف الكثرة والاتّساع، ولذلك عاش سنواتٍ قليلة، وقال أشياء قليلة، وكتب قصيدته بأقلّ قدرٍ ممكن من المفردات.

حاول حجّار المولود في مدينة صور جنوب لبنان في مجموعته الفارقة والمتفرّدة "تفسير الرخام" (المركز الثقافي العربي، 2006)، أن يُشيِّدَ طريقًا نحو خاصًّا نحو الموت، أو ربّما تنظيف الطريق نفسهِ مما يجعلهُ طريقًا مُخيفًا ومفزِعًا. ما معناهُ أنّ حجّار اشتغل على إعادة اكتشاف الموت، وتمرين الكتابة عليه من جهة. وصدِّه لغرض التعايش معه وترويضه من جهةٍ أُخرى. هكذا، جعل مؤلِّف "مهن القسوة" من الموت في القصيدة كائنًا أليفًا لا يُثير القلق في نفس البشر، أو ينزع عنها الطمأنينة. يقول: "لا أبالي بي / إذا متّ أمس / أو اليوم / أو اليوم الذي يلي / ولا أبالي بي / إن بقيت حياً / لأيام / لأعوام أخرى / فلم يبق لي ما أصنعه برجائي / بالشهوات التي تبقّت / لم يبق ما أصنعه بمتّسع اليوم / كل يوم". هكذا، لا يُمكن أن تكون قصائد المجموعة المكتوبة بنبرةٍ خافتة وخاصّة، مجرّد مرثيات تقليدية، فالموت لا يحضر إلّا بوصفهِ صديقًا وأنيسًا لحجّار، الشّاعر الذي ظلّ دائمًا مسكونًا بالغياب.

تفسير الرخام

اقرأ/ي أيضًا:​

5 روايات سورية من إصدارات 2017

3 مجموعات قصصية عربية عليك قراءتها