ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

40 مليون كلب ضال.. أزمة تنفلت من السيطرة في شوارع مصر

14 يناير 2026
الكلاب الضالة
تنتشر الكلاب الضالة في المحافظات المصرية بأعداد كبيرة (فريق إنقاذ الحيوانات)
عماد عنانعماد عنان

لم يخطر ببال عزة، ذات الاثني عشر عامًا، أن خروجها لشراء بعض الاحتياجات المنزلية من بقالة لا تبعد عن منزلها في منطقة الهرم بالجيزة سوى عشرات الأمتار، قد يتحول إلى تجربة مرعبة كادت أن تسلبها حياتها.

فبينما كانت تسير في الشارع الذي اعتادت المرور به يوميًا، باغتتها مجموعة من الكلاب الضالة يزيد عددها على ثمانية، لتجد نفسها في مواجهة خوف يفوق قدرتها على الاحتمال. ولولا أنها أسرعت بالاحتماء بمدخل إحدى العمارات، لكان المشهد انتهى على نحو أكثر مأساوية.

لم يمر الهجوم دون أثر؛ فقد أصيبت عزة بحالة فقدان مؤقت للكلام استمرت لأكثر من سبع ساعات كاملة، قبل أن يعود إليها تدريجيًا، ورغم عودة الصوت، بقي الخوف حبيسًا في داخلها، فمنذ ذلك اليوم، تعيش الطفلة تحت وطأة اضطراب نفسي قاسٍ، نوبات صراخ متقطعة، وكوابيس تطارد نومها كل ليلة، في حين تشاركها والدتها المريضة الألم والعجز، تراقب معاناة ابنتها بصمت موجع لا ينقطع ليلًا أو نهارًا.

قصة عزة ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف القصص المشابهة التي تتكرر يوميًا في شوارع مصر، فالإحصاءات تشير إلى تسجيل أكثر من 1.4 مليون حالة عقر خلال عام 2025 تتسبب فيها الكلاب الضالة، تنتهي بعضها بالموت، بينما تخلّف الغالبية إصابات وجراحًا وآلامًا جسدية ونفسية بالغة.

وهكذا تحولت الكلاب الضالة إلى كابوس يومي يهدد أمن وسلامة المواطنين، وظاهرة مخيفة تفرض حضورها في الأحياء والشوارع على مدار الساعة، وبينما تتصاعد الاستغاثات وتتكرر المناشدات من ضحايا العقر وذويهم، لا يزال التحرك الرسمي غائبًا عن مشهد بات فيه السير في الشوارع المصرية مغامرة غير محسوبة العواقب، قد يدفع ثمنها الأبرياء من أرواحهم وسلامتهم.

40 مليون كلب ضال في مصر

يتراوح عدد الكلاب الضالة في مصر ما بين 20 و40 مليون كلب، وفقًا لإحصاءات الجمعية الطبية البيطرية المصرية، وهو ما يضعها في صدارة الدول الأكثر امتلاكًا للكلاب على مستوى العالم.

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية والخبير الاستشاري في شؤون البلديات الدولية، أن فترة حمل الكلاب تتراوح بين 56 و72 يومًا، بينما يصل معدل الإنجاب إلى مرتين سنويًا، في حين يبلغ متوسط العمر الافتراضي للكلاب نحو ثماني سنوات، وهو ما يفسر الزيادة المتسارعة في أعدادها.

يتراوح عدد الكلاب الضالة في مصر ما بين 20 و40 مليون كلب، وفقًا لإحصاءات الجمعية الطبية البيطرية المصرية، وهو ما يضعها في صدارة الدول الأكثر امتلاكًا للكلاب على مستوى العالم

وعلى صعيد المخاطر، تحتل مصر مرتبة متقدمة بين الدول الأكثر تعرضًا لعضّات الكلاب سنويًا، حيث تُسجل نحو 430 ألف حالة عقر كل عام، وصلت العام الأخير 1.4 مليون حالة، ورغم خطورة هذا الرقم، فإنه يظل أقل مقارنة بدول أخرى؛ إذ تسجل الولايات المتحدة الأميركية ما يقرب من 4.7 مليون حالة عضة كلب سنويًا، فيما تشهد بريطانيا نحو مليون حالة.

في المقابل، توجد مدن نجحت في القضاء تمامًا على ظاهرة الكلاب الضالة، مثل أبوظبي ودبي، اللتين تُعدان من المدن القليلة عالميًا التي لا يوجد بها كلب ضال أو تائه، أو حتى كلب يسير بمفرده دون صاحبه، بحسب ما يؤكده الدكتور حمدي عرفة.

مغامرة السير في الشوارع

لم يعد السير في الشوارع المصرية مجرد نزهة عابرة أو أمرًا اعتياديًا كما كان في السابق، بل تحول إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر قد يدفع الإنسان ثمنها من حياته، في ظل الانتشار الواسع للكلاب الضالة في مختلف أنحاء البلاد، من السلوم إلى العريش، ومن دمياط حتى أسوان.

وتُعد محافظات القاهرة والجيزة والشرقية والبحيرة من أكثر المحافظات معاناة من ارتفاع أعداد الكلاب الضالة، في حين تسجل سيناء ومطروح المعدلات الأقل نسبيًا، ورغم هذا التفاوت، يظل الشارع المصري بأكمله عرضة لوقوع مثل هذه الحوادث، ما حوّل الظاهرة إلى كابوس يومي يقلق حياة ملايين المواطنين.

يروي أسامة (47 عامًا) أنه يمنع أبناءه من النزول إلى الشارع منذ أذان المغرب، خوفًا من هجمات الكلاب الضالة، ويضيف في حديثه لـ"الترا صوت" أنه بعد الساعة التاسعة مساءً يتجنب العودة إلى منزله بمفرده في منطقة السيدة عائشة بوسط القاهرة، بعدما تعرض أكثر من مرة لهجوم شرس من الكلاب، أسفر أحدها عن إصابته.

وتشاركه هذا القلق أماني (50 عامًا)، التي باتت لا تغادر منزلها دون حمل عصا كهربائية في حقيبتها، تستخدمها للدفاع عن نفسها ضد أي محاولة اعتداء من الكلاب المنتشرة في الشوارع القريبة منها أثناء عودتها من عملها.

ورغم إقامتها في منطقة الشيخ زايد بمدينة السادس من أكتوبر، والتي يُفترض أنها منطقة حضارية ومنظمة، تؤكد أماني أنها تتعرض لهجمات متكررة من الكلاب الضالة، محذرة في حديثها لـ"الترا صوت"، من خطورة استمرار هذه الظاهرة، خاصة بعد تعرض أكثر من فرد من عائلتها لحوادث عقر في أوقات سابقة.

مواجهة حكومية غير كافية

في تقريرها الصادر مؤخرًا حول جهود السيطرة على ظاهرة انتشار الكلاب الضالة ومرض السعار في مصر، استعرضت الهيئة العامة للخدمات البيطرية خطة الحكومة الرامية إلى الحد من التداعيات السلبية لهذه الظاهرة على الصحة العامة، موضحة أسباب تفاقمها، إلى جانب المسارات المقترحة للحل.

واعتمدت الخطة الحكومية على ثماني خطوات رئيسية، من بينها ترخيص وتحصين الكلاب المملوكة، وتحصين القطط والحيوانات المعقورة والمخالطة، إلى جانب التوعية والإرشاد المجتمعي لمختلف الفئات، والتعاون مع جمعيات الرفق بالحيوان ومنظمات المجتمع المدني.

وأكد التقرير أن الخطة لا تقتصر على الجهود المحلية فحسب، بل تشمل أيضًا تعزيز التواصل المجتمعي والتنسيق مع المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمتي الأغذية والزراعة "فاو" والصحة العالمية، في إطار السيطرة على مرض السعار.

وعلى صعيد الإجراءات التنفيذية، كشفت الهيئة عن تحصين 267 ألفًا و309 حيوانات من الكلاب والقطط والحيوانات المعقورة بلقاح السعار خلال الفترة من 2021 إلى 2024، بهدف تقليل الإصابات الآدمية الناتجة عن العقر.

وبلغ إجمالي عدد الكلاب المحصنة خلال هذه السنوات 234 ألفًا و458 كلبًا، مقابل 27 ألفًا و226 قطة، و14 ألفًا و625 حيوانًا معقورًا، وذلك ضمن خطة شاملة تستهدف حماية المواطنين والحد من انتشار مرض السعار.

ورغم ما تبذله الدولة من جهود في هذا الملف، فإن شريحة واسعة من المواطنين والخبراء، مدعومة بالشهادات الحية والأرقام الرسمية لأعداد حالات العقر على مدار العام، تؤكد أن هذه التحركات لا تزال دون المستوى المطلوب.

ويجمع هؤلاء على أن الوضع يستدعي خطة عاجلة أكثر شمولًا وحضورًا على الأرض، قادرة على احتواء الظاهرة ووقف تفاقمها، بعدما تجاوزت — بحسب وصف كثيرين — كل الخطوط الحمراء، وحولت حياة الملايين من المصريين إلى خطر يومي حقيقي.

ما المخرج؟

خلال العامين الماضيين، أعادت الحوادث المتكررة المرتبطة بكلاب الشوارع في مصر تسليط الضوء على ملف بات يمثل عبئًا مزمنًا على الدولة والمواطنين، ما دفع جهات علمية ومهنية إلى البحث عن حلول عملية قائمة على أسس علمية.

وفي هذا السياق، نظّمت الجمعية الطبية البيطرية المصرية في آب/ أغسطس 2025 ورشة عمل بعنوان "الكلاب الضالة في مصر: تهديد خفي يواجه المجتمع"، بالتعاون مع جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة وتحت رعاية النقابة العامة للأطباء البيطريين، حيث طُرحت مجموعة من المقترحات العاجلة للتعامل مع الظاهرة.

في كلمته خلال الورشة أشار الدكتور أشرف سعدة، أستاذ الطب البيطري بجامعة القاهرة، أن المواجهة الحقيقية تبدأ بإنشاء مراكز متخصصة لإيواء وتأهيل وعلاج الكلاب الضالة في كل محافظة، على أن تُلحق بها مستشفيات بيطرية متكاملة.

كما شدد على أهمية إشراك المتطوعين وجمعيات الرفق بالحيوان والشباب في جمع الكلاب الضالة مقابل حوافز مادية، بعد إخضاعهم للتدريب المناسب، إلى جانب الاستعانة بشركات متخصصة، مطالبًا بتطبيق برنامج التعقيم والتطعيم (TNVR) من خلال تعيين أطباء بيطريين شباب لسد العجز في الوحدات البيطرية، وإشراك طلاب كليات الطب البيطري خلال سنة التدريب الإلزامي في عمليات التعقيم والعلاج داخل مراكز الإيواء.

وأكد سعدة ضرورة إيواء الكلاب المسنّة والمصابة بأمراض مزمنة داخل مراكز متخصصة، مع اللجوء إلى القتل الرحيم في الحالات المصابة بالسعار أو بالأمراض المستعصية، بالتوازي مع تحسين منظومة جمع القمامة وإزالة المقالب العشوائية.

كما دعا إلى تشديد ضوابط استيراد الكلاب ورفع رسومها، والتوسع في تطعيم وترخيص الكلاب الأليفة، وتصنيع لقاح سعار فموي للكلاب التي يصعب الإمساك بها، واقترح إنشاء صندوق تمويل مستقل تحت مسمى "صندوق الرفق بالحيوان" يعتمد على مخصصات من الدولة وزيادة رسوم التراخيص والاستيراد، مشيرًا إلى أن وقف استخدام "سم الاستركنين" وفر نحو 50 مليون جنيه سنويًا وفق إحصاءات 2022.

خلال العامين الماضيين، أعادت الحوادث المتكررة المرتبطة بكلاب الشوارع في مصر تسليط الضوء على ملف بات يمثل عبئًا مزمنًا على الدولة والمواطنين، ما دفع جهات علمية ومهنية إلى البحث عن حلول عملية قائمة على أسس علمية

مشروع قومي للتصدير

ويتجه فريق آخر إلى طرح حلول أكثر إثارة للجدل ضمن مسار المعالجات السريعة، تقوم على تصدير الأعداد الضخمة من الكلاب إلى دول يُجيز قانونها استهلاك لحوم الكلاب كغذاء. ويستند هذا الطرح إلى واقع تشريعي وثقافي قائم في تلك البلدان، حيث يُنظر إلى الكلاب باعتبارها "موردًا غذائيًا مشروعًا".

وتتصدر الصين قائمة هذه الدول، إذ يُذبح فيها سنويًا عشرات الملايين من الكلاب، تليها فيتنام بنحو خمسة ملايين كلب سنويًا،  كما تنتشر هذه الممارسة في دول أخرى مثل كوريا الشمالية وكمبوديا وتيمور الشرقية، فضلًا عن عدد من الدول الأفريقية، من بينها نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والكاميرون وغانا وليبيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى، ما يجعل هذا الخيار حاضرًا بقوة في النقاشات الدائرة حول الحلول العاجلة للأزمة.

في المحصلة، لم تعد أزمة الكلاب الضالة مجرد ملف هامشي أو مشكلة مؤجلة يمكن التعايش معها، بل تحولت إلى تهديد مباشر لحياة المصريين وأمنهم النفسي والجسدي، يطل برأسه يوميًا في الشوارع والأحياء دون تمييز بين طفل أو مسن، فقير أو ساكن كمبوند.

فبين قصص الرعب الفردية، والأرقام الصادمة لحالات العقر، والانتشار غير المسبوق للأعداد في مختلف المحافظات والمدن المصرية، يقف المجتمع كله على حافة خطر حقيقي يتسع نطاقه مع كل يوم تأخير.

إن استمرار الوضع على ما هو عليه يعني مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من الخوف الذي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية، ويحوّل أبسط الحقوق، كالسير الآمن في الشارع، إلى مغامرة محفوفة بالمجهول.

وبينما تتوافر الحلول العلمية والتجارب الناجحة، يبقى غياب الإرادة الحاسمة والتنفيذ السريع هو الحلقة الأضعف في مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة، ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى تحرك عاجل وشامل، لا يكتفي بالخطط الورقية أو الإجراءات المحدودة، بل يترجم إلى تدخل فعلي على الأرض، قبل أن ينفلت الوضع تمامًا من السيطرة.

كلمات مفتاحية
صورة تعبيرية

الهند تشدد قبضتها على منصات التواصل الاجتماعي بقاعدة الإزالة خلال ثلاث ساعات

يُنظر إلى هذا القرار على أنه تأكيد لموقع الهند كواحدة من أكثر الدول تشددًا في تنظيم المحتوى على الإنترنت

فيضانات تيطوان

فيضانات المغرب تتفاقم.. خسائر بشرية ومطالب بإعلان مناطق منكوبة

لم تكد مناطق واسعة من شمال المغرب وغربه تتنفس الصعداء من تداعيات العاصفة "ليوناردو"، حتى استقبلت من جديد المنخفض الجوي "مارتا"

ضد التحرش

فتاة توثّق تعرضها للتحرش داخل أتوبيس: الواقعة تعيد تسليط الضوء على الظاهرة في مصر

واقعة جديدة تعيد قضية التحرش إلى صدارة النقاش المجتمعي المصري، بعدما شهدت منطقة المقطم بالقاهرة حادثة داخل أحد أتوبيسات النقل العام

طهران
سياق متصل

إعادة تموضع سياسي ومفاوضات مشروطة: رسائل متبادلة بين طهران وواشنطن مع زيارة نتنياهو

وصف لاريجاني المرحلة المقبلة على أنها ستشهد إعادة تموضع سياسي، في توصيف يُعدّ الأول من نوعه على لسان شخصية تنتمي إلى دوائر صنع القرار

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

بين الوهم والعلاج: تطبيقات الذكاء الاصطناعي تهدد سلامة المرضى

يلجأ ملايين المرضى حول العالم إلى روبوتات المحادثة والتطبيقات الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على "تشخيصات"، لكن ذلك تسبب بالكثير من الأضرار

صورة تعبيرية
مجتمع

الهند تشدد قبضتها على منصات التواصل الاجتماعي بقاعدة الإزالة خلال ثلاث ساعات

يُنظر إلى هذا القرار على أنه تأكيد لموقع الهند كواحدة من أكثر الدول تشددًا في تنظيم المحتوى على الإنترنت

برشلونة
رياضة

آراوخو يكشف معاناته مع القلق والاكتئاب ويؤكد: الاستراحة أنقذتني

كشف قائد برشلونة رونالد آراوخو عن معاناة طويلة امتدت لعام ونصف مع القلق، قبل أن تتطور إلى اكتئاب دفعه في النهاية لطلب استراحة مفتوحة من كرة القدم