40 عامًا على رحيل فريد غصن: مدرب نجوم الفن وأحد أبرع عازفي العود
1 سبتمبر 2025
رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم منذ 40 عامًا، الملحن اللبناني فريد غصن (توفي 1985) والذي يُعدّ واحدًا من أبرز أعلام ووجوه الموسيقى الشرقية خلال القرن العشرين. فالرجل الذي امتع الجمهور بأعذب النغمات والجُمل الموسيقية الرشيقة على مدار نصف قرن، فارق الحياة وحيدًا منسيًّا دون أن يُكتب له الوفاء والتقدير سواء داخل وطنه أو خارجه.
اسمه الأصلي هو إلياس نعمة الله غصن شلالا، والده من قرية "الغينة" (قضاء كسروان)، وهي قرية تمتعت بوجود آثار بيزنطية وصخرة ضخمة نُقشت عليها رسوم لآلهة فينيقية هما أدونيس وعشتروت. هاجر والده إلى مصر ليعمل في مجال التجارة، قبل أن ينجب ابنه إلياس في الإسكندرية عام 1912 تقريبًا.
كانت أمنية إلياس أن يصبح طبيبًا، بينما تمنّى والده أن يكون مهندسًا، أما جاره اليوناني العجوز فقد أراد له أن يكون موسيقيًّا مثله. بدأت هذه الموهبة في التطور والنمو على يد هذا الجار الذي علَّمه قراءة النوتة ومعرفة أساسيات النغم.
يقول فريد عن بداياته الفنية (مجلة الإذاعة، 1955): "بدأت حياتي العملية عازفًا على العود في فرقتي الأستاذ سامي الشوا والشيخ أمين حسنين ثم انتقلت إلى فرقة منيرة المهدية وصحبتها في رحلتها إلى تونس". ويردف في غير موضع: "وعملت بعد ذلك في فرقة السيدة بديعة مصابني رئيسًا للفرقة الموسيقية وملحنًا للاستعراضات، وكانت هذه الفرقة بحق مدرسة للمواهب، وكانت ناظرتها السيدة بديعة لا تضن على أحد بالتشجيع المادي والأدبي، فلها الفضل الأكبر في تخريج عدد من الفنانين. وكانت تسند إليّ أمر تدريب كل من تأنس فيه استعدادًا سليمًا أو تكتشف فيه موهبة من المواهب الفنية".
كانت أمنية إلياس أن يصبح طبيبًا، بينما تمنّى والده أن يكون مهندسًا، أما جاره اليوناني العجوز فقد أراد له أن يكون موسيقيًّا مثله. بدأت هذه الموهبة في التطور والنمو على يد هذا الجار الذي علَّمه قراءة النوتة ومعرفة أساسيات النغم
ومن بين أبرز الأسماء التي درّبها فريد غصن في بداياتها الفنية فريد الأطرش وكذلك شقيقته أسمهان. ولا نغفل دوره في تدريب شادية ونور الهُدى على الإلقاء السليم وضبط مخارج الألفاظ والحروف. وكان له دور في صقل موهبة محمد فوزي وشقيقته هُدى سلطان وغيرهم الكثير من النجوم والنجمات. وكان من أشدّ المعجبين بموهبة نجاة الصغيرة في بداياتها حتى أنه ترأس الفرقة الموسيقية التي تعزف خلفها في حفلات لبنان المبكرة؛ بعد أن طعّمها بعناصر موسيقية لعازفين من مصر ولبنان والأردن.
في مطلع الأربعينيات وتحديدًا في عام 1941، غنَّت كوكب الشرق أم كلثوم مونولوج "وقفت أودع حبيبي" الذي كتبه أحمد رامي ولحنَّه فريد بنفسه، لكنَّها لم تسجله. ولم ينل هذا اللحن حظه من النجاح والانتشار.
في أواخر الخمسينيات عاد إلى بيروت ليعمل مخرج أغنيات في الدائرة الموسيقية التابعة للإذاعة اللبنانية، ثم عُيّن رئيسًا لقسم الغناء في معهد الموسيقى.
تقول عنه الناقدة الموسيقية نايفة مخول (كتاب: نور الهُدى من الأزر إلى الهرم): "أعاد فريد غصن للعود إطلالته العالمية، لأنه عزف بالأسلوبين الشرقي والغربي في الوقت نفسه، فذّكرنا بما نقرأه عن رحلة العود عبر الأندلس من الشرق إلى الغرب، وإقامته في أوروبا أكثر من مئتي سنة سيّدًا من أسياد الآلات الموسيقية إلى جانب الكمان، قبل أن يرتفع سلطان البيانو... وصف عبد الوهاب أسلوبه في العزف بأنه الأسلوب الإسباني بكل أوصافه كما أن مدحت عاصم رئيس قسم الموسيقى في الإذاعة المصرية، قال: إنه نابغة العود... ومن يستمع إلى تسجيل لمعزوفته (العاصفة) التي يؤديها على عوده منفردًا يشعر بكل هذه العبارات، ويلمس براعته في نقل الصور التي يراها في العاصفة، بقوتها وضعفها، باقترابها من النافذة وابتعادها عنها، بالأمطار التي ترافقها، والصحو الذي يليها".
في مطلع الأربعينيات وتحديدًا في عام 1941، غنَّت كوكب الشرق أم كلثوم مونولوج "وقفت أودع حبيبي" الذي كتبه أحمد رامي ولحنَّه فريد بنفسه، لكنَّها لم تسجله. ولم ينل هذا اللحن حظه من النجاح والانتشار
لا يظن أحد أن براعة فريد غصن قد اقتصرت على عزفه المتقن على العود أو التدريب السليم للأصوات الغنائية، فقد ترك مجموعةً من الألحان العذبة لكبار الأصوات في العالم العربي نذكر منها: "آمنت بالله" للور دكاش و"إيه معنى الحُب" لصباح و"صبَّح يا جميل" لمحمد قنديل و"يانا يا وعدي" لنور الهُدى و"يا قمري نوحك يحلالي" لفريد الأطرش و"يا نار فؤادي ونور عيني" لأسمهان.
لم ينجُ فريد غصن من قسوة الأحداث المتلاحقة في لبنان سنة 1975، فقد أُصيب بوعكة صحية شديدة أثرَّت على يديه بشدة. وقد ظلَّ متماسكًا على الرغم من شدة المرض وكثرة الأدوية التي يتناولها بانتظام حتى فارق الحياة بعد عشر سنوات. وقد منحه رئيس الجمهورية اللبنانية أمين الجميل وسام المعارف المذهب خلال القُداس الأربعين لرحيله تقديرًا لجهوده الفنية، كما قام المجمع العربي للموسيقى بتكريم ذكراه عام 1999.
وصفت مجلة الشبكة (1985) رحيله بالصامت، لكنَّه في الوقت ذاته سيبقى حاضرًا بموسيقاه ونغماته المشرقة في الوجدان.