40 عامًا على رحيل فؤاد حدّاد.. كيف غيّر ذائقة صلاح جاهين الشعرية؟
1 نوفمبر 2025
تصادف هذه الأيام الذكرى الأربعون لرحيل شاعر العامية المصري فؤاد حدّاد (1927 – الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1985)، وهي مناسبة بلا ريب تستحق التأمل واستعادة هذه التجربة الثرية. صحيح أن العديد من المقالات قد سُطرت حول تجربة حدّاد الشعرية وفرادتها، إلا أن تلك التجربة لا يُمكن اختزالها في ذاتها، بل بامتداد تأثيرها الوجداني واللغوي على كل من أحاط بها. فالرجل استطاع أن يجعل من قصيدة العامية المصرية مادة سلسة سهلة الهضم تمامًا كقطعة الخبز الطازج.
لأسرة من أصول شامية وُلد حدّاد في حي الظاهر بالقاهرة؛ كان والده سليم من مواليد قرية "عبية" في لبنان لأسرة مسيحية بروتوستانتية. درس في الجامعة الأميركية ببيروت، ثم هاجر إلى مصر ليعمل مدرسًا للتجارة في جامعة فؤاد الأول.
التحق حدّاد بمدرسة "الفرير" قبل أن ينتقل إلى "الليسيه" في باب اللوق خلال الحرب العالمية الثانية. أحضر له والده مدرسًا للغة العربية والخط، فحفظ الشعر العربي في صباه. كما تأثر بالمتنبي وشكسبير وأراغون وراسين ولوركا ونيرودا وناظم حكمت.
اعتقل للمرة الأولى سنة 1950 قبل أن يُفرج عنه مع قيام ثورة 1952، واعتقل مرةً أخرى بعدها بعامٍ. وبعد أن أُفرج عنه أصدر ديوانه الأول "أحرار وراء القضبان" ثم أتبعه بديوان "حنبني السد" وكان ذلك بمثابة إعلان عن موهبة شعرية متفجرة. وبعد أن قضى في المعتقل سنواتٍ حالكة في الفترة: 1959 حتى 1964، خرج إلى النور مجددًا وبدأ يوطد علاقته بالكثير من الشعراء المحيطين والعمل على صقل مهاراتهم الكتابية، وعُرف بلقب "والد الشعراء". وقد اعتنق الإسلام قبل وفاته.
كانت وزارة الثقافة المصرية متمثلة في الهيئة العامة لقصور الثقافة قد طبعت أعماله الكاملة عام 2006، قبل أن تعيد الهيئة المصرية العامة طباعتها في وقتٍ لاحق.
لعل الشاعر صلاح جاهين هو أكثر الشعراء الذين ترك حدّاد في تكوينهم الثقافي والشعري أثرًا عميقًا
يقول الناقد د. محمد بدوي عن شعره: "شعر حداد يخلق فضاءًا شاسعًا تتداخل فيه الأزمنة والحيوات، أزمنة الفرسان والعشاق والشعراء المتحدرة من التراث العربي، وأزمنة حديثة يتداخل فيها تاريخه الشخصي وتاريخ أسلافه وحيوات رفاقه في السجون، ورموز جماعته القومية ومعاركها، مع الحكم والحكايات الأمثولية. لكن ذلك مكتوب من موقع، ليست العدالة فيه حتمية تطور خطى بل كمونًا في نسيج الوجود، ومن ثم فالزمن ليس خطًا متعاقبًا، بل هو تكرار وتداخل. إن رؤى الصوفي ومجاهداته واندماجه في عناصر الحياة، وقدرته على السماحة والغفران تكمن في شعر حدّاد منذ شعره الأول الذي يلوح غناء ثوريًا لنبل الفقراء، لكنه تجلى ناصعًا في شعر ما بعد المعتقل وبخاصة في «المسحراتي»، و«من نور الخيال»، و«الحضرة الذكية»".
لعل الشاعر صلاح جاهين هو أكثر الشعراء الذين ترك حدّاد في تكوينهم الثقافي والشعري أثرًا عميقًا. وقد جمعتهما واحدة من الجلسات الشهيرة مع الإعلامي طارق حبيب في إحدى الحلقات التلفزيونية. لم يكن جاهين ينكر تأثير حدّاد عليه منذ أن قرأه لأول مرة. هذه الشهادة النادرة التي نشرتها صحيفة السفير (23/4/1986)، روى خلالها جاهين أنه قرأ لحدّاد قصيدة بالخط الصغير في إحدى المجلات السياسية خلال الفترة: 1952 – 1953، يقول مطلعها:
في سجن مبني من حجر
في سجن مبني من قلوب السجّانين،
قُضبان بتمنع عنك النور والشجر
زي العبيد مترصيين.
انبهر جاهين بالقصيدة، وكان معجبًا بأنها المرة الأولى التي يقرأ فيها لشاعر لديه ألفاظه الخاصة وخياله وفلسفته التي لا تشبه غيرها. فقد بدأ جاهين محاولات كتابة باللهجة العامية، لكنّه كان شديد التأثر ببيرم التونسي وأزجاله. علّمه فؤاد قراءة أشعار المقاومة الفرنسية وشرح له بعض الكلمات لإجادته التامة للغة الفرنسية. وطالما شهدت الأماكن الفسيحة قراءات شعرية لهما من الأزجال اللبنانية المتوارثة، والمعلقات الجاهلية، وكان حدّاد أكثر تأثرًا بملحمية الشعر والخطابية العالية. لم يكن من بين الذين يفضلون كسر عمود الشعر والاتجاه نحو نزعة الشعر الحر الحديث.
انطلق جاهين بعد ذلك، عندما كان يعمل رسامًا للكاريكاتير في مجلة "روزاليوسف" ونشر قصيدته "الشاي بلبن" التي لاقت ترحيبًا واسعًا وشجّعه القائمون على أمرها على نشر مثل هذا النوع من الشِعر، وعندما انتقل إلى مجلة "صباح الخير" قاد حملة واسعة لاكتشاف العديد من المواهب الشعرية التي تسلمت الراية في الحياة الثقافية فيما بعد: سيد حجاب والأبنودي وفؤاد قاعود وعبد الرحيم منصور وغيرهم الكثير.
أما حدّاد فكانت سعادته بجاهين لا تُوصف، حيث قال عنه "هذا أشعر الشعراء".