35 عامًا على رحيله.. يانيس ريتسوس شاعر التفاصيل اليومية والنَفس الملحمي
11 نوفمبر 2025
لا شك أن الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس (1909 – 1990)، احتل مكانةً كبيرةً في الخارطة الشعرية العالمية، نظرًا لما تضمنته أشعاره من حيوية وروح نضالية جذبت أنظار الجميع حول العالم. فالقصائد لديه تحوّلت إلى ما يُشبه "الخبز اليومي" في طزاجتها وبساطتها. وعلى الرغم من مرور 35 عامًا على رحيله، فإن تجربته لا تزال تشغل بال الكثيرين من النقّاد والقُراء، وخصوصًا العرب.
ربما دفع ذلك الكاتب والناقد الأردني فخري صالح إلى إنجاز كتابه "شعرية التفاصيل.. أثر ريتسوس في الشعر العربي المعاصر.. دراسة ومختارات". فقد تناول العمل تأثير هذا الشاعر اليوناني في عددٍ كبير من شُعراء العرب، بل وركّز صالح خلاله على ما سُميّ بشعرية التفاصيل اليومية وعاديات الحياة. فلم يكتفِ ريتسوس بالتركيز في قصائده على مفردات الحياة اليومية البسيطة والتقاط الصور المألوفة، لكنّه وصل بها إلى مستوياتٍ فنية عالية من حيث توظيف ما هو رمزي وأسطوري.
ولد ريتسوس في قرية "مونمواسيا" في اليونان، وعاش طفولة صعبة وبائسة حتّى أنه أُصيب بأمراضٍ عدة من بينها "السُل". في حقبة الثلاثينيات، أصدر ديوانه الأول بعنوان "التراكتورات" (1934) ومنذ هذا التاريخ دأب على اصدار ديوان كل عام. لقد حاول ريتسوس في أشعاره أن يمزج أنفاسًا مختلفة دون أن يصبغ قصيدته بأي نفسٍ أيدلوجي، محاولًا في قرارة نفسه أن ينتصر للإنسان المجرد في كل زمانٍ ومكانٍ. ولذا بات من الواضح أن نلمح في قصيدته توظيفًا للأسطورة والرموز والأيقونات في إطار ملحمي، دون السقوط في فخ الغنائية أو الاستعراض.
لقد عانى ريتسوس من الاعتقال أكثر من مرة، نتيجة لمواقفه المناهضة للظُلم والفساد. فجاء اعتقاله للمرة الأولى عام 1942، ونفي إلى جزرٍ عدة، ولم يُفرج عنه إلا عام 1952. وقد طاف بشعره بُلدان العالم: بلغاريا وكوبا والاتحاد السوفيتي وبلجكيا وتشيكوسلوفاكيا.
حاول ريتسوس في أشعاره أن يمزج أنفاسًا مختلفة دون أن يصبغ قصيدته بأي نفسٍ أيدلوجي، محاولًا في قرارة نفسه أن ينتصر للإنسان المجرد في كل زمانٍ ومكانٍ
كان الرجل غزير الإنتاج على نحوٍ ملحوظ، حتّى يبدو أن كل ما يقع تحت يديه يُمكن أن يحوّله إلى قصيدةٍ شعرية. وربما يمكن اعتباره من أكثر المؤثرين في الشُعراء العرب إلى جانب رفيقه قسطنطين كفافيس. فكان ريتسوس حاضرًا دائمًا بقصائده في المدونة الشعرية العربية.
يقول ريتسوس:
رسّام.. في المساء رسم قطارًا
انفصلت العربة الخلفية عن الورقةِ
وعادت بمفردها إلى المستودع.
داخل هذه العربة تحديدًا
كان يتواجد الرسام.
هذه البساطة الذكية يُمكن أن توّضح لنا كيفية التقاط ريتسوس لمفرداتٍ بسيطة وتحويلها إلى فلسفةٍ عميقة في الوقت ذاته. فالدهشة الشعرية قد تأتي من صور الحياة العادية المتكررة والتي قد لا تشغل بال الكثيرين، لكنّها داخل الشاعر قد تعني الكثير. ولا يكتفي ريتسوس بالتماهي مع مفردات الحياة، بل نجد ذلك البُعد الأسطوري الميتافيزيقي حاضرًا بقوة في قصائده، كأن يقول:
قبّعة بحّار مبتلة
كانت تتأرجح فوق الأمواج
مثل خبز أسود ملقى
في زمن كان الناس فيه جوعى
إنّه زمن الحرب.
يقول الناقد حسن حميد (مجلة البيان، 1996): "وبعد، فإن ريتسوس وعبر قصيدته البسيطة والعميقة، أثّر كثيرًا في النسيج الشعري اليوناني القديم والحديث معًا. فهو يعد رمزًا من رموز الشِعر اليوناني، كما تعد قصيدته نقطة التحوّل لكتابة شعرية جديدة، وأنموذجًا حاكاه عشرات الشعراء من بعده في اليونان، وخارج اليونان، بحيث صار من الواجب الإبداعي قراءة ما كتبه ريتسوس من أشعار، وما عمل عليه من موضوعاتٍ وصياغاتٍ هي على غاية من الإتقان والبساطة، والانحياز إلى القيم الإنسانية".
صحيح أن ريتسوس كان من المرشحين الدائمين للحصول على جائزة نوبل للآداب ولم يحصل عليها، إلا أنه امتلك مكانة خاصة في قلوب محبيه والنقّاد على مستوى العالم أجمع.







