30 عامًا على "صراع العروش".. الحكاية التي لم تنتهِ
12 أغسطس 2026
في آب/أغسطس 1996، صدرت في الولايات المتحدة رواية فانتازيا لكاتب أميركي يدعى جورج ر. ر. مارتن، كان معروفًا داخل أوساط الخيال العلمي والفانتازيا، لكنه لم يكن اسمًا عالميًا. حملت الرواية عنوان "لعبة العروش"، وكانت الجزء الأول من مشروع روائي سماه "أغنية الجليد والنار".
بعد ثلاثين عامًا، تبدو المفارقة واضحة، فقد تحول المشروع إلى واحد من أشهر العوالم المتخيلة في الثقافة المعاصرة، لكن الحكاية التي بدأها مارتن في ذلك الكتاب الأول لم تصل حتى الآن إلى نهايتها.
نُشرت خمسة أجزاء من أصل سبعة يخطط لها الكاتب، كان آخرها "رقصة مع التنانين" عام 2011. ومنذ ذلك الحين ينتظر القراء الجزء السادس، "رياح الشتاء"، الذي أصبح بدوره واحدًا من أشهر الكتب التي لم تصدر بعد.
وخلال سنوات الانتظار، حدث شيء نادر في تاريخ الأدب الشعبي: صار العالم الذي ابتكره مارتن أكبر من السلسلة الأصلية نفسها. جاءت الاقتباسات التلفزيونية، والكتب التاريخية والموسوعية، والقصص الجانبية، وألعاب الفيديو، وأدب المعجبين، بينما بقي النص الذي انطلقت منه كل هذه الفروع بلا خاتمة.
من رواية فانتازيا إلى عالم أدبي كامل
بدأ مارتن كتابة "أغنية الجليد والنار" في مطلع التسعينيات، ولم يكن يتصور في البداية الحجم الذي سيبلغه المشروع. كان مخططه الأول أقرب إلى ثلاثية، لكن الحكاية اتسعت أثناء الكتابة، وتكاثرت الشخصيات وخطوط السرد والأقاليم والتواريخ، حتى تحولت الثلاثية المتصورة إلى سلسلة من سبعة أجزاء.
تجري الأحداث أساسًا في قارتي ويستروس وإيسوس، لكن ما يميز عالم مارتن ليس اتساع جغرافيته وحده. فقد بنى خلف الحكاية الرئيسية تاريخًا يمتد آلاف السنين، بسلالاته وحروبه وأديانه وأساطيره وأغانيه وذاكرته السياسية المتنازعة.
باعت سلسلة "أغنية الجليد والنار" نحو 100 مليون نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 40 لغة
ومن هنا تختلف "أغنية الجليد والنار" عن حكاية بسيطة عن الصراع على عرش. فالسلطة عند مارتن ليست امتلاك التاج فقط، وإنما القدرة على إنتاج الشرعية أيضًا: النسب، والذاكرة، والدين، والحكايات التي يصدقها الناس عن ملوكهم وأبطالهم وأعدائهم.
حتى التاريخ نفسه لا يظهر باعتباره حقيقة مستقرة. الروايات تتعارض، والشهود يختلفون، والأغاني تحول الهزائم إلى بطولات، والأنساب يمكن التشكيك فيها، فيما تعيش الشخصيات داخل تاريخ لا تعرف عنه إلا أجزاء منه. ولذلك يبدو عالم مارتن أحيانًا أقرب إلى تاريخ حقيقي منه إلى عالم فانتازي مكتمل التصميم: ماضٍ متنازع عليه، لا موسوعة يعرف الجميع ما ورد فيها.
وقد باعت سلسلة "أغنية الجليد والنار" نحو 100 مليون نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 40 لغة. لكن نجاحها لم يبق أدبيًا بالطبع. فالاقتباس التلفزيوني الذي بدأ عام 2011 جعل أسماء وشخصيات وأماكن ابتكرها مارتن جزءًا من الثقافة الشعبية العالمية، وأعاد في المقابل ملايين المشاهدين إلى الكتب.
كتب تولد من داخل الكتب
لم يكتب مارتن الحكاية الرئيسية وحدها. فكلما اتسع عالم ويستروس، أخذ ينتج نصوصًا أخرى تبدو أحيانًا كأنها وثائق قادمة من داخله.
كتب قصص "دانك وإيغ"، التي تجري أحداثها قبل نحو تسعين عامًا من بداية "لعبة العروش"، وتتابع الفارس سير دنكن الطويل والفتى إيغ، الذي سيصبح لاحقًا الملك إيغون الخامس تارغاريان. وقد صدرت حتى الآن ثلاث قصص، هي المادة الأدبية التي استند إليها مسلسل "فارس الممالك السبع".
كما شارك في كتابة "عالم الجليد والنار"، وهو تاريخ موسوعي لويستروس، ثم أصدر عام 2018 كتاب "النار والدم"، الذي يروي تاريخ سلالة تارغاريان قبل أحداث السلسلة الرئيسية بقرون.
واللافت أن "النار والدم" لا يُكتب كرواية تقليدية، وإنما بوصفه تاريخًا وضعه مؤرخ داخل ذلك العالم. وحين تختلف المصادر بشأن واقعة ما، لا يمنح مارتن القارئ دائمًا الإجابة النهائية، بل يترك الروايات المتعارضة إلى جوار بعضها بعضًا.
هنا تظهر إحدى أكثر أفكاره الأدبية إثارة: التاريخ ليس الماضي نفسه، بل ما تبقى منه في الكتب والشهادات والذاكرة. ولذلك لا يوسع مارتن عالمه بإضافة أحداث جديدة فقط، وإنما بإضافة طبقات جديدة من السرد حول الأحداث نفسها.
وهذه الوفرة تجعل مأزقه أكثر وضوحًا أيضًا. فالرجل الذي لم يستطع حتى الآن إنهاء حكايته الأساسية يواصل اكتشاف حكايات أخرى داخل العالم نفسه.
لماذا لم تصل "رياح الشتاء"؟
كان مارتن يأمل في وقت من الأوقات أن ينتهي من "رياح الشتاء" قبل وصول الاقتباس التلفزيوني إلى الأحداث التي لم تكن قد نُشرت في الكتب. لم يحدث ذلك.
تجاوز المسلسل الروايات، وانتهى في أيار/مايو 2019، بينما بقيت "رياح الشتاء" قيد الكتابة. وبعد إخفاق توقعات ومواعيد سابقة، أصبح مارتن أكثر حذرًا في تحديد موعد جديد للصدور.
المشكلة قد تكون كامنة جزئيًا في الطريقة التي يكتب بها. فمارتن يصف الكتّاب عادة بنموذجين: "المهندس"، الذي يضع المخطط قبل البناء، و"البستاني"، الذي يزرع ثم يراقب ما ينمو. وهو يضع نفسه بوضوح في الفئة الثانية.
لكن طريقة البستاني التي منحت الروايات حيويتها صنعت مأزقها أيضًا. فقد نمت الحكاية في اتجاهات كثيرة: شخصيات جديدة، وقارات، وحروب، ومؤامرات، ونبوءات، ومسارات سردية يجب أن تتقاطع في النهاية. وما كان مصدرًا للثراء في منتصف السلسلة أصبح عبئًا حين صار مطلوبًا جمع الخيوط كلها والتقدم بها نحو خاتمة واحدة.
وهكذا لا يواجه مارتن مشكلة العثور على قصة فحسب، بل مشكلة السيطرة على قصة نمت طوال عقود.
كاتب من عصر آخر
حتى أدوات مارتن في الكتابة تبدو آتية من زمن آخر. فهو معروف باستخدامه حاسوبًا قديمًا غير متصل بالإنترنت وبرنامج معالجة النصوص "وورد ستار 4.0" للعمل على رواياته.
تحولت هذه التفاصيل مع السنوات إلى جزء من الأسطورة المحيطة بـ"رياح الشتاء": ملايين القراء ينتظرون واحدًا من أكثر كتب الفانتازيا ترقبًا في العالم، فيما يواصل صاحبه كتابته ببرنامج ظهر في ثمانينيات القرن الماضي.
لكن البطء لا يتعلق بالأداة وحدها. فخلال السنوات التي أعقبت "رقصة مع التنانين"، لم يكن مارتن جالسًا أمام رواية واحدة فقط. شارك في مشروعات أدبية وتلفزيونية متعددة، وكتب نصوصًا مرتبطة بتاريخ ويستروس، ويواصل التفكير في قصص إضافية لـ"دانك وإيغ".
وهنا ينقسم القراء. يرى بعضهم في هذه المشروعات دليلًا على أن مارتن لا يزال مفتونًا بعالمه وقادرًا على الكتابة داخله، بينما يراها آخرون سببًا إضافيًا لتأخر الكتاب الذي ينتظرونه منذ 2011.
حين سبقت الشاشةُ الكتاب
تمثل حالة "أغنية الجليد والنار" مفارقة أدبية نادرة: اقتباس بدأ من روايات غير مكتملة، ثم لحق بمؤلفها وتجاوزه ووصل إلى نهاية قبلها.
كان مارتن قد أطلع صنّاع "صراع العروش" على بعض الاتجاهات الكبرى التي يتصورها للشخصيات والنهاية. لكن الروايات والشاشة افترقتا بالفعل قبل ذلك في شخصيات وحبكات ومسارات كاملة، ثم اتسعت المسافة مع تقدم المسلسل.
وبعد نهايته المثيرة للجدل عام 2019، ازدادت أهمية السؤال الأدبي: ماذا سيفعل مارتن بالشخصيات نفسها؟
قال الكاتب إن بعض العناصر ستتقاطع، لكنه أوضح أيضًا أن رواياته تسير في اتجاهات مختلفة. وهذا أمر متوقع، لأن الشخصيات التي لا تزال حية في الكتب ليست مطابقة لقائمة الشخصيات التي بقيت على الشاشة، وبعض الشخصيات المهمة في الروايات لم تدخل المسلسل أصلًا.
لذلك لا ينتظر القراء مجرد "نسخة أفضل" من نهاية شاهدها الجمهور، وإنما نهاية لحكاية مختلفة جزئيًا، تشعبت منذ سنوات بعيدًا عن اقتباسها التلفزيوني.
عندما يبدأ القراء في كتابة الكتاب الغائب
طول الانتظار أنتج بدوره نوعًا آخر من الأدب. فعلى منصات مثل "أرشيف خاص بنا" (AO3) و"فان فيكشن دوت نت"، توجد عشرات الآلاف من القصص التي تستخدم شخصيات مارتن وعالمه: نهايات بديلة، وعلاقات لم تقع، وشخصيات نجت من موتها، واستكمالات متخيلة لما يمكن أن يحدث في "رياح الشتاء".
لكن مشاركة القراء في الحكاية أوسع من أدب المعجبين. فمنذ 2011، نشأت صناعة كاملة تقريبًا من القراءة التأويلية: منتديات ومدونات وكتب ومقاطع فيديو تعيد تفكيك الروايات، وتتعقب النبوءات، وتعيد بناء الأنساب، وتقارن الروايات المتعارضة للتاريخ، وتحاول استنتاج مصائر الشخصيات من إشارات تركها مارتن قبل عقود.
وهكذا أنتج غياب الكتاب السادس، للمفارقة، كمية هائلة من الكتابة.
الحكاية التي لم تكتب بعد
ليست "أغنية الجليد والنار" أول سلسلة أدبية يعجز صاحبها، أو يتأخر طويلًا، في الوصول بها إلى النهاية. ينتظر قراء باتريك روثفوس منذ سنوات الجزء الثالث من "سجل قاتل الملك"، كما طال انتظار الجزء التالي من سلسلة "السادة الأوغاد" لسكوت لينش، فيما بقيت ثلاثية "المنفيين" لميلاني رون من دون جزء ثالث منذ التسعينيات.
لكن حالة مارتن مختلفة في حجم المفارقة التي صنعتها. فقلما حدث أن أصبح عالم روائي غير مكتمل بهذا الاتساع قبل أن يعرف قراؤه كيف تنتهي حكايته الأساسية.
بعد ثلاثين عامًا من صدور "لعبة العروش"، لم تعد المسألة فقط متى سيصدر "رياح الشتاء"، فالسؤال الأكثر إثارة هو ماذا يحدث لعمل أدبي حين تستغرق كتابته جزءًا كبيرًا من حياة مؤلفه وقرائه معًا
ثمة مسلسلات مشتقة، وألعاب، وكتب تاريخية، وموسوعات، وخرائط، وقصص جانبية، وجمهور عالمي يعرف تاريخ سلالات لم توجد قط، بينما لا يزال مصير أبطال الرواية التي بدأت كل ذلك مجهولًا.
وبمعنى ما، فقد مارتن جزءًا من احتكاره لتفسير حكايته. ليس لأن أحدًا يستطيع أن يكتب النهاية مكانه، وإنما لأن ثلاثين عامًا من القراءة والاقتباس والتأويل جعلت ويستروس تعيش خارج مكتب صاحبها أيضًا.
وهنا ربما يكمن السبب الأعمق لاستمرار قوة الكتب رغم تأخرها. فالعمل المكتمل يغلق عددًا من الاحتمالات بمجرد أن يضع نقطته الأخيرة، أما "أغنية الجليد والنار" فما تزال تحتفظ بها جميعًا تقريبًا. جون سنو ما يزال معلقًا عند اللحظة التي تركه فيها مارتن، ودينيريس لم تصل بعد إلى ويستروس، والحرب القادمة لم تقع، والنبوءات لم تُحسم.
بعد ثلاثين عامًا من صدور "لعبة العروش"، لم تعد المسألة فقط متى سيصدر "رياح الشتاء"، فالسؤال الأكثر إثارة هو ماذا يحدث لعمل أدبي حين تستغرق كتابته جزءًا كبيرًا من حياة مؤلفه وقرائه معًا.
بدأ مارتن بكتابة رواية. ثم تحولت الرواية إلى سلسلة، والسلسلة إلى عالم، والعالم إلى ثقافة كاملة من القراءة والتأويل وإعادة الكتابة. أما الحكاية الأصلية، التي صنعت كل ذلك، فما تزال تنتظر أن تُكتب.








