3 كتب عن المثقف.. الأدوار والمواقع

3 كتب عن المثقف.. الأدوار والمواقع

كتب عن المثقف (ألترا صوت)

تبدو علاقة المثقّف بمحيطه ومجتمعه، بالسياسة والسلطة، بالاحتجاجات والثورات وموقفه منها، علاقة شائكة وجدلية تنطوي على سجالات متعدّدة، وتبدي قابلية لا تتوقّف لإعادة تناولها من جديد، ضمن سياقات تاريخية وزمنية ماضية، وأخرى راهنة. ويُمكن القول أيضًا إنّ اللفظ نفسه "مثقّف" لطالما كان إشكالية، بعد الأخذ بعين الاعتبار وجود الخبير أو المتعلّم والمثقّف الديني وغيرها من الصفات المندرجة ضمن لفظ "مثقّف".

نعرض لكم في هذه المقالة ثلاثة كتب تُحاول الكشف عن طبيعة علاقة المثقّف بمحطيه بشكلٍ عام.


1- المثقّفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد

يُعرِّف المفكّر المغربيّ الراحل محمد عابد الجابري (1935 - 2010) المثقّف، وفقًا لرؤيته، بأنّه شخص يفكّر، بصورة أو بأخرى، وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة، انطلاقًا من تفكير مثقّف سابق يستوحيه ويسير على منواله، ويطرق أبوابه إمّا لتكراره، أو بغية معارضته وتجاوزه أيضًا.

انطلاقًا من هذه الرؤية، اشتغل عابد الجابري في كتابه "المثقّفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد" (مركز دراسات الوحدة العربية، 1995) على بناء مرجعية لمفهوم المثقّف ضمن سياق الثقافة العربية. وكانت مسألة وجود أو بناء مرجعية لمفهوم المثقّف قد تبلورت عنده بوصفها ضرورة لا بدّ من التوقّف عندها مطوّلًا، لأنّ المفهوم نفسه يبدو دونها، المرجعية، فارغًا من معناه، ودون أصل يستند إليه، يستوحي ويقتبس منه، ويستشهد أيضًا ببعض معطياته.

يرى صاحب مشروع نقد العقل العربيّ أنّ كلمة أو لفظ "مثقّف" لا ترتبط إطلاقًا ضمن سياقات الثقافة اللغوية، بمرجعية محدّدة، وأنّ لفظ "مثقّف" في اللغة العربية لا يعدو أن يكون مجرّد صيغة نحوية قياسية. والجابري، من خلال أفكاره هذه، إنّما يمهّد لمتن الكتاب؛ توضيح معنى "مثقّف" من خلال ردّ اللفظ إلى بيئته الأصلية التي يُمكن من خلالها الوقوف على أهمّ ملامحه، الأمر الذي يمهّد بدوره لعودة نقدية نحو التراث العربيّ الإسلاميّ.

المشكلة المرتبطة بمسألة تناول مفهوم المثقّف العربيّ، كما يراها محمد عابد الجابري، تتعلّق بنقله من بيئته الغربية عبر ترجمته دون ردّه أوّلًا إلى ما يُمكن أن يضع ضمن إطاره الصحيح، ويُكسبه فهمًا أكبر وأعمق أيضًا، أي البيئة العربية والإسلامية.

في الثورة والقابلية للثورة

وضع المفكّر العربيّ عزمي بشارة في كتابه "في الثورة والقابلية للثورة" (المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، 2014) نظرية تتصدّى، نقديًا، لتعريف مصطلح "الثورة" تعريفًا علميًا معاصرًا، وتأصيله ضمن سياقات الفكر العربيّ، فعاد لأجل إتمام ذلك إلى لفظ "ثورة" كما ورد في المصادر التاريخية العربية، وانطلق منها نحو صياغة نظريته النقدية تلك.

وبينما تركّز الفصل الأوّل من الكتاب على المسائل المتعلّقة بمفهوم الثورة بشكلٍ عام، جاء الفصل الثاني منه معنيًا بعلاقة المثقّف بها، ودوره فيها أيضًا. هنا، يميّز بشارة بين مثقّف يميل إلى وضع أفكار متكاملة لنظام أفضل وتصوّرات شاملة عنه بما يعني أنّه يميل إلى الثورة أكثر ممّا يميل الإصلاح. بينما، على الطرف الآخر، هناك مثقّف ينتقد الثورة من منطلقات قيمية ولكنّها محافظة.

يُحيل مؤلّف "الدين والعلمانية في سياق تاريخي" المثقّف الأخير إلى نوعين: أوّل يبرّر التمسّك بالنظام القائم ويعدّه في جميع الحالات أفضل ممّا يراه مخاطر محتملة للفوضى الناجمة عن الثورات. ونوع آخر محافظ أيضًا، يعدّ الحرية قيمة ولكنّها شرّ إذا جاءت من دون حكمة، ومن دون فضيلة. ومصدر الحكمة والفضيلة في حالة المجتمع هي تراكم الخبرة التاريخية والتقاليد والدولة.

تحديد أنواع المثقّفين عتبة أولى لعملية تبيين دور المثقّف في الثورة وعلاقتها بها كذلك. وقد نتج عن هذا التحديد نوعين أساسيين من المثقّفين: مثقّف ثوري، ومثقّف محافظ. الأوّل ينظّر لحالة الثورة وينضم إليها بفعل اقتناعه بأنّ واقع النظام السياسيّ لا يسمح بالتغيير التدريجي من دون ثورة، والثاني يشرح أهمية الحفاظ على النظام وإمكانات التغيير القائمة فيه، والتقاليد التي يستند إليها.

المثقّف والسلطة

يُشخّص كتاب "المثقّف والسلطة" (دار رؤية، 2006) ترجمة محمد عناني، للكاتب والمفكّر الفلسطينيّ الراحل إدوارد سعيد (1935-2003) نوع المثقف وطبيعة تلك العلاقة التي تجمعهُ بالسلطة عادةً، مواجهة يعكّر فيها صفو الحالة الراهنة، أو تضعهما ضمن موقعٍ واحد مشترك. ولأجل إتمام ما يصبو إليه سعيد، لا بدّ من التوقّف عند سؤال: ما المثقّف؟ صاحب المهنة الفكرية المحترف؟ أم المفكّر الهاوي المستقلّ؟

يرى إدوارد سعيد أنّ هناك تعريفين للمثقّف أو المفكّر، هما، عدا عن أنّهما، ووفقًا لرؤيته، أشهر تعريفات القرن العشرين؛ يتّسمان بالتعارض الأساسي حول هذه المسألة. التعريف الأوّل هو ما وضعه المفكّر والمناضل الماركسيّ الراحل أنطونيو غرامشي حينما كتب: "إنّ جميع الناس مفكّرون، ومن ثم نستطيع أن نقول: ولكن وظيفة المثقّف أو المفكّر في المجتمع لا يقوم بها كلّ الناس".

أمّا التعريف الثاني، فيقدّم جوليان بندا من خلاله المثقّفين كعصبة من الملوك الفلاسفة من ذوي المواهب الفائقة والأخلاق الرفيعة الذي يشكّلون، على ضآلتهم وقلّتهم، ضمير البشرية. وهو ما يراه سعيد تعريفًا بلور صورة خلّابة للمثقّف ولكن قد لا تكون قريبة من الواقع، على العكس مما وضعه أنطونيو غرامشي في سياق تحليله الاجتماعي الذي يكون المثقف ضمنه شخصًا يؤدّي مجموعة محدّدة من الوظائف في المجتمع.

بقراءته لتعريف غرامشي وباندا، يُحدّد سعيد نوعان من المثقّف؛ الأوّل مثقّف محترف يرى في الثقافة مهنة وينفر من السياسة. والثاني مثقّف هاوي يفضّل الحدود أو الأطراف على المركز. وبتحديده أو تعريفه للمثّقف، يشرع سعيد في تبيان وكشف طبيعة العلاقة بين المثقّف والسلطة.

اقرأ/ي أيضًا:

3 كتب علمية للجميع

4 كتب لا بدّ منها حول الحرية