3 تجارب سورية في الفن الرقمي

3 تجارب سورية في الفن الرقمي

عمل لـ سلافة حجازي

وجد عددٌ من الفنانين الشباب، مع اندلاع الثورة السورية، أنّ برامج الغرافيك تقدّم إمكانيات قابلة للاستثمار في المشاركة بصريًا بالرأي والموقف السياسيين المؤيدَيْن للثورة، لا سيما لجهة سهولة نشر العمل الفني الرقمي في السوشيال ميديا.

 لا يزال الفن الرقمي السوري يُقرأ إيجابيًا لمجرد التوافق مع مضمونه، ما يصعّب مهمة القراءة الفنية

لا شكّ أن تصنيف هذه الأعمال سياسيًا ساهم في نشرها الكبير، لكن ذلك لم يمنع من احتوائها على قيم فنية عالية، تجعل منها أعمالًا فنية حقيقية، ضمن وسيط مختلف، لكونها تحمل دلالات الصدمة وإعادة النظر في كل ما يخص الحياة السورية السابقة على تاريخ انفجار الثورة، من حيث تغيير الرموز، أو إسقاطها، ونسف المفاهيم القارّة، وتكريس مفاهيم فكرية وجمالية جديدة، إضافة إلى تشكيل فهم سوري خاص لمعنى التراجيديا.

اقرأ/ي أيضًا: فريد عمارة.. سحر البساطة

طبعًا لا بد من الإشارة إلى أن العمل الرقمي السوري لا يزال يُقرأ إيجابيًا لمجرد التوافق مع موضوعه في الكثير من الأحيان، وهو ما يصعّب مهمة القراءة الفنية الصافية. هنا إطلالة على ثلاثة تجارب برزت في هذا المجال.

1. تمام عزام: المرسم السوري الافتراضي

كان الفنان تمام عزام (1980) قد اشتغل منذ سنوات طويلة في مجال التصميم الطباعي، وأنتج العديد من أغلفة الكتب المميزة، لكنّ مجيء الثورة جعله يخوض بجسارة في مجال الفن الرقمي، آخذًا على عاتقه تقديم عمل فني بالدرجة الأولى، وموقف إنساني متضامن مع الإنسان والمكان السوريَّين، المقهورَيْن والمنتهكَيْن. تمام عزام الذي وجد نفسه مضطرًا إلى مغادرة مرسمه في دمشق، والانتقال القسريّ إلى دبي، راح يعمل على تعويض خسارة المرسم بتشكيل مرسمٍ افتراضي، وهذا ما نراه في إصراره على تقديم أعمال فنية رقمية عالية المستوى، لا ترتهن للخطابية والمباشرة، بمقدار ما تصبّ اهتمامها على تقديم فنٍّ يليق بالألم السوري المباح.

أول عمل قدّمه تمام عزام كان خريطةً لسوريا معلقةً على حبل غسيل، والفكرة تنتمي إلى مشروع رسم حبال الغسيل الذي عمل عليه الفنان في فترة ما قبل الثورة. تطورت فكرة الخريطة بعد قليل، وراحت تتحوّل إلى "لوغو" للألم والاضطهاد والخذلان والجوع والموت، وقد أنجز تحت هذا العنوان ثمانية أعمال مختلفة.

بعد ذلك ستنطلق أفكاره، لا سيما بعد ما حققته من رواجٍ كبيرٍ على السوشيال ميديا، فراح تمام عزام يطور عمله الرقمي، مازجًا إياه بالفوتوغراف، ومستعملًا الفوتومونتاج، ليأخذه إلى هوية خاصة، باتت أشبه بالتوقيع الشخصي للفنان تمام عزام، إذ أصبحت هذه الأعمال إدانة لعسف النظام السوري، وفضحًا لمآرب القوى الدولية التي جعلت من سوريا ساحة لتصفية حسابات سياسية، وكشفًا للستار عن ممارسات التيارات المتطرفة التي التهمت أحلام الشعب السوري في الحرية والكرامة وحوّلتها إلى كوابيس، جاء ذلك في مساحةٍ يمتزج فيها الألم والسخرية، ويتبادلان الأدوار.

كان لافتًا أن تمام عزام استعمل نفسه موديلًا في الكثير من الأعمال التي قدمها، مسجّلًا بذلك فكرة ذهبية وهي أن ما يبدو شأنًا عامًا ليس في الحقيقة إلا شأنًا شخصيًا لدى السوري، ولهذا يعيشه الفنان بجسده، بذات المقدار الذي يعيشه بروحه وعقله.

في بدايات هذه التجربة، أطلق تمام عزام صفحة على "فيسبوك" أسماها "أماكن الثورة السورية"، وهي صفحة تقدّم بوسترات لكل من المدن والبلدات السورية التي شهدت حراكًا ثوريًا، مع فقرات تعريفية تقدّم معلومات تاريخية وجغرافية عن هذا المكان، الذي بدا مكانًا مكتشفًا توًّا بالنسبة للسوريين المُكتشفِيْن أنفسهم توًّا أيضًا. في بوستر مدينة المعضمية في ريف دمشق، كان القمح الذي تشتهر به المدينة هو المتن، وفي البوستر المخصص لحي "المزة" الدمشقي أصبح الصبّار علامةً للمكان، وفي بوستر ثالث يتناول بلدة "داعل" في حوران احتلت المشهد صورة امرأة ذات وشم بدوي.

كانت أعمال تمام عزام الرقمية نوعًا من تعويض خسارة المرسم بتشكيل مرسمٍ افتراضي

"أماكن الثورة السورية" أعمالٌ ذات نزعة توثيقية، تُبرز الإنسانيَّ الذي يغيّبه الإعلام فيما يركز على السياسي والعسكري، وكأن الإنسان ومكانه ببعديه التاريخي والجغرافي لا وجود لهما.

اقرأ/ي أيضًا: حسكو حسكو... شمال يتذكر في الشمال

هناك أعمال أخرى للفنان تمام عزام حملت عنوان "الربيع السوري"، وقد تألّقت في ذكائها وبلاغتها، لا سيما حين تقول أشقّ الأشياء ببساطة لا متناهية: طفل ذاهب إلى المدرسة وحقيبته مملوءة بالأسلحة. طائر يهرّب بعض القذائف. بيوت منهارة لكن ألوان ركامها في غاية السحر والروعة.

إلى جانب ذلك، صنع تمام عزام ما أسماه بـ"المتحف السوري"، وهو مجموعة أعمال رقمية تشاكس التحف التشكيلية الكبرى في تاريخ الفن، حيث نجد أعمال دافنشي وغويا وكليمت وغوغان وسواهم في الشوارع السورية، كما لو أنه أراد مقارنة أعظم إنجازات الفن الإنساني بالدمار الذي يستطيع الإنسان أيضًا صنعه. ثمة مشاكسات حادة المعنى حيث نجد لوحة غويا، "الثالث من أيار/مايو"، وقد انتقلَ مسرحُ حدثها من إسبانيا إلى سوريا، كما نرى الموناليزا بكامل هدوئها وغموضها ومن خلفها أبنية مدمرة، كذلك ستنتقل نساء بول غوغان التاهيتيات من ضفاف الكاريبي إلى مخيمات اللاجئين السوريين.

فعل تمام عزام كل ذلك ليقول لنا إن العمل الفني لا يقتصر على اللوحة التي تضمها سَكِينة صالات العرض، بل يجب أن تكون هناك، في الحياة، بين الناس، في أشدّ لحظات الوجود عسفًا وقتامة، وإلاّ ما قيمة الفن؟

تمام عزام

2. مصطفى يعقوب: شاشات الرعب

جاء مصطفى يعقوب من خلفية تقنية، حيث درس هندسة الاتصالات، وكان للثورة الدور الأكبر في إعادته إلى شغفه القديم بالرسم، لكن رسوماته/ تصميماته ذهبت إلى الاشتغال على صور من الوقائع السورية، ومعالجتها بأفكار فنية ذات طابع سوداوي، عنيف، قاسٍ، يجعلها تبدو خارجة من شاشات أفلام الرعب.

مصطفى يعقوب الذي تميّز باشتغاله الخلّاق على عمله الرقمي، وبتقنية بصرية عالية، بدأ تجربته في هذا المجال مع بداية الثورة، وذلك من خلال عمل لبنت صغيرة تقف أمام صورة عبد الباسط الساروت. ثم أطلق صفحة فيسبوكية بعنوان "فنون من قلب الفوضى"، وقد قدّم خلال هذه السنوات عشرات من الأعمال الفنية، وتميّزت أعمال مصطفى يعقوب بأن بعضها كان يأتي في سياق حملات ذات أهداف سياسية معينة مثل حملة "أنا سوري/ I am Syrian"، التي قامت على مجموعة من البوسترات التي حملت صورًا لبعض مشاهير العالم من ذوي الأصول السورية، وذلك إثر الهجمة الإعلامية على اللاجئين السوريين واتهامهم بالهمجية والتخلف.

قدّم الفنان مصطفى يعقوب أعماله الرقمية بطريقة سوداوية تجعلها تبدو خارجة من أفلام الرعب

كذلك تناول قضية اللاجئين السوريين في العديد من الأعمال عند مصطفى يعقوب، فنرى عائلات تمشي فوق شفرة حلاقة حادة للدلالة على مأساوية الطريق وقسوة العبور إلى النّجاة، ونرى أيضًا قاربًا مطاطيًا مليئًا باللاجئين ومن تحته حوت عملاق، ما يعني أن هؤلاء اللاجئين سوف يكونون لاحقًا طعامًا في جوفه.

اقرأ/ي أيضًا: سرى الخفاجي.. عراقٌ لا مرئي

لكن مصطفى يعقوب غرق في الحدث إلى درجة أنه بات يذهب إلى حدود المباشرة في بعض الأحيان، حيث صار العمل الفني مرهونًا لخدمة الفكرة السياسية، مهتمًا بالقول أكثر من طريقة القول، هكذا صارت أعمال مصطفى يعقوب نوعًا مطورًا من الكاريكاتير السياسي، نرى ذلك ممثّلًا في أعماله التي تتناول قادة سياسيين حيث يضع على رأس كلّ واحد منهم رمزًا يمثّله، إذ يضع على رأس علي خامنئي صورة للشباب، من العرب والأكراد، الذي لا تتوقف السلطات الإيرانية عن شنقهم، وعلى رأس علي عبد الله صالح نجد مقاتلًا من الحوثيين، بينما يحتل رأسَ القذافي كتابُهُ الأخضر، أما بشار الأسد فعلى رأسه كرسي حكم، هو كل ما يريده.

مصطفى يعقوب

3. سلافة حجازي.. أطفال يسخرون من العالم

قدمت الفنانة سلافة حجازي (1977) مجموعة من الأعمال الرقمية ذات اللمسة الطفولية الساخرة، حيث ذهبت إلى معالجة الحدث باستحضار براءة الأطفال، الذين نراهم يصطادون طلقات الرصاص بدلًا من الفراشات، أو يلتهمون حديد إحدى الدبابات، أو يمتطون الجنود كما لو كانوا أحصنة.

أعمالٌ تستلهم طريقة الحلم في تركيب الصّور بطريقة سريالية، تجمع البراءة والشرّ، الخوف والرفض في آن معًا من دون أن تتخلّى، في الوقت نفسه، عن إرسائل رسائل حادة المعنى عن الحياة السورية المحصورة في فوهة بركان.

قدمت الفنانة سلافة حجازي مجموعة من الأعمال الرقمية ذات اللمسة الطفولية الساخرة

من جهة أخرى، اشتغلت سلافة حجازي على وحشية الجنود الذين يشاركون في الحروب ويرتكبون فظائعها كلّها، وفي هذه المجموعة استلهمت أسلوب "الإنيميشن" من حيث التركيز على شخصيات لها هويّة واضحة. في عمل بسيط في مفرداته نطالع يدًا تحمل بندقيةً على شكل إبرة طبية لتحقن ساعدًا، لا نعلم ما هي المادة التي تتسرب من الحقنة إلى أوردة ذلك الساعد، لكنها بالتأكيد حقنة لها دورها في تأجيج التوحش واللاإنسانية في جسد صاحب الساعد المحقون. وفي عمل آخر نجد بندقية حبلى بجنين وسبطانتها موجهة إليه، في لحظة سريالية وفجائعية في آن. كذلك هناك جندي يمارس الاستمناء على مشاهد الدمار في التلفزيون، لكن الضربة الذكية في أن عضوه الذكري يتحول إلى بندقية.

لم تعمل سلافة حجازي بشكل منهجيٍّ متواصلٍ كحال عزّام ويعقوب، بل كانت أعمالها تظهر إلى الفضاء العام في فتراتٍ متباعدة، بشكل يجعلنا نشعر أننا حيال قصائدَ ما كان لها أن تكون لولا قوّة إلحاحها على صاحبتها.

سلافة حجازي

الفن الرقمي السوري لم يبدأ بعد

يقول المشهد إن الأعمال الرقمية التي تدخل في باب الفن السياسي المباشر أكثر بكثير من الأعمال التي تدخل من باب الفن. لكنّ إصرار بعض الفنانين على قيم الفنّ، أولًا ودائمًا، يؤسس لتقليد جديد قد يقود لاحقًا إلى تشكيل اتجاه فنيّ، يحتكّ فيه الفنانون بالواقع وحركة المجتمع، من دون تقديم تنازلات أيديولوجية، تحت مسميّات بائدة مثل "فن المعركة" أو "الفن المقاتل"، كما هو حال عدد من الفنانين السوريين (مثل نذير نبعة، ويوسف عبدلكي، ومنير الشعراني...) الذين عملوا، في السبعينيات والثمانينيات، مع فصائل الثورة الفلسطينة المعاصرة، وغرقوا في الشعارات والخطابية، على الرغم من أنهم قدّموا لاحقًا تجارب فنية حداثية بارزة.

اقرأ/ي أيضًا: هل يوجد فن سيئ؟

يستخدم الفنان السوريّ "الديجتال آرت" بالصرامة التي تُستخدم فيها الريش والألوان، ولا يدخل إلى هذه المساحة تحت أوهام كبرى كالتغيير، ذلك أنه يدرك أنه لن يكون بمقدور الفن إنقاذ العالم، لكنّه يتمسك بحقّ الإنسان في التعبير عن الواقع، وملاحقة تحولاته، والعمل على محاولة تشكيل رواية بصرية فنية لهذا الكابوس.

مع ذلك كلّه، لا يمكننا الحديث عن فن رقمي سوري حتى الآن، فلا يزال، كتيارات ومدراس وتقاليد، قيدَ التشكل في سوريا، وكذلك في المنطقة العربية ككل، ما لدينا تجارب فردية، بعضها مستمر وبعضها الآخر متوقف، لكنها بالتأكيد علامات أولى على طريق فني رقمي سوري.

 

  • المقال مشاركة في الكتاب الجماعي "أما بعد"، الصادر عن "دار ممدوح عدوان" بتحرير وائل قدور.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العراق.. التداوي بالفنون

عن الفن.. اقتراح للخلاص من القشعريرة