باغتت ثورة يناير نظام مبارك في لحظة ضعف وغفلة (Getty)

(1)

التاريخ: منتصف يوم الثامن والعشرين من كانون الثاني/يناير عام 2011 (جمعة الغضب).

المشهد: مدرعة شرطة تتقدم نحو آلاف المتظاهرين المحتشدين في شارع قصر العيني بوسط القاهرة، قبل أن يتوقف أمامها بأمتار شاب يحول دون تقدمها في اتجاه رفاقه، لتتوقف المدرعة وتتعالى الهتافات من المتظاهرين والأهالي الذين كانوا يتابعون ما يحدث من الشرفات.

يجب أن نتمسك بحلمنا الذي خرجنا من أجله جميعا، العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لكن علينا أن نتقبل أيضًا واقع أن الطريق إلى ذلك سيكون أطول مما تصورنا في البداية

كان الشاب جسورًا حقًا، لكن الأكيد أنه بينما كان يتوجه نحو المدرعة كان هو والمتظاهرون والمتابعون عبر الشرفات ومن شاهدوا الفيديو لاحقًا متأكدين من وقوف سائق المدرعة وعدم إقدامه على دهسه. الآن بعد 9 سنوات من الواقعة الأولى، يؤمن كل من سبق ذكرهم أنه لو تكرر المشهد بنفس تفاصيله لما تردد السائق لحظة في دهسه.

اقرأ/ي أيضًا: السلطة المصرية تطارد "أشباح يناير" في المقاهي

يدرك الجميع أن قواعد اللعبة قد تغيرت، لكن هناك من يرغب في اللعب بنفس القواعد القديمة.

(2)

باغتت ثورة يناير نظام مبارك في لحظة ضعف وغفلة، لم يكن أشد المتفائلين يصدق أن الدعوة للنزول في ذكرى عيد الشرطة احتجاجًا على ممارسات الداخلية ستفضي بعد 18 يومًا فقط من ذلك التاريخ إلى خلع رئيس استقر على رأس السلطة في مصر ثلاثين عامًا، لكن هذا كله لم يكن ليحدث دون امتعاض بعض أجهزة الدولة من التحضيرات المتسارعة لتوريث عرش مبارك إلى نجله، ووجود ظرف إقليمي ودولي راغب في تغيير شكل السلطة وبنيتها ووجوهها في الشرق الأوسط، ورغبة محلية في تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ساءت في السنوات الخمس الأخيرة من حكم حسني مبارك.

الآن تغير كل شيء، لا يترك النظام أي شيء للصدفة ويستعد جيدًا لكل دعوة لنزول الشوارع مهما كانت خافتة وخلافية ولا يصدقها حتى من أطلقوها، أجهزة الدولة التي كانت ممتعضة من احتمالية توريث الحكم لجمال مبارك ورثته هي، الدول الكبرى التي كانت تدعم حراك الربيع العربي في موجته الأولى أصبح لديها أولويات أخرى كوقف الهجرة "غير الشرعية" التي فاقمها أصلًا هذا الحراك وأصبح أمامها تجارب مخيفة في سوريا وليبيا واليمن، جعلها ترى استمرار الحكام الأقوياء ولو كانوا مستبدين أقل كُلفة من تغيير غير مأمون العواقب، والناس رغم معاناتهم اقتصاديًا واجتماعيًا إلا أن أحداث السنوات الأخيرة تنهكهم وتجارب الدول الأخرى تخيفهم ومن يتجاوز كل ذلك سيجد يدًا أمنية غليظة تردعه.

لذلك، فشلت كل دعوات الحشد في السنوات الأربع الماضية، وستفشل كل محاولة لاستدعاء أدوات وأفكار صارت من الماضي، وحصل النظام على كل الأمصال اللازمة ضدها.

(3)

يؤمن كثيرون بأن ثورة يناير فشلت ويرى البعض أنها متعثرة فقط، لكن كونها تمر بأضعف وأسوأ أيامها محل إجماع، وفي لحظات الهزيمة لا يمكنك أن تُملي المطالب على المنتصر، وفي أوقات الضعف لن يغير في الأمر شيئا تظاهرك بالقوة.

يحتاج من شاركوا في الثورة ومن آمنوا بمبادئها أن ينزلوا على الأرض، من الجنون أن يكون مطلبك إسقاط النظام بينما كتلتك الرئيسية بين سجين ومطارد ومنفي ومعتزل، أولويتك يجب أن تكون تحرير السجناء السياسيين، والتفاوض مع النظام "المنتصر" على هدنة تلتقط فيها الأنفاس وتراجع فيها أخطاءك وترى نفسك دون نظارات معظِّمة.

وفي المقابل، يحتاج من يجلسون على مقاعد الحكم أن يفتحوا بابًا للعيش المشترك، ويدركوا أن سيطرتهم على الأوضاع بقوة الأمر الواقع وسحق كل معارضيهم ومنافسيهم رهان خطير، وأن إبقاء أجهزة الأمن على أطراف أصابعها طوال الوقت لن يضمن البقاء الطويل الآمن، وأن عدم رغبتك في الحكم على الطريقة الغربية، لا تعني أن تحكم على الطريقة الشمولية، هناك مساحات كثيرة في المنتصف.

اقرأ/ي أيضًا: بعد ثورة يناير في مصر: إلى أين انصرف رموزها؟ (1)

يحتاج هذا الوطن هدنة يتوقف فيها الجميع عن الصراخ والحشد والتجييش، يتطلب ذلك أن تقدم كل الأطراف بعض التنازلات. تتنازل قوى الثورة – أو ما تبقى منها – عن حلم التغيير الثوري الجذري السريع وترضى بمسار إصلاحي أطول وقتًا وأخفض سقفًا، وتتنازل النخبة الحاكمة عن شهوة الحكم المنفرد المغرية وتسمح ببعض المشاركة في السلطة وتسمح لبعض الهواء بالتسلل إلى الفضاء العام.

(4)

ستبقى ثورة يناير محبوبتي وفتاة أحلام جيلي، لكن 9 سنوات مرت على ذلك التاريخ، ومن لا يستطيع أن يتجاوز الماضي سيُحبس داخله. يجب أن نتمسك بحلمنا الذي خرجنا من أجله جميعا، العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لكن علينا أن نتقبل أيضًا واقع أن الطريق إلى ذلك سيكون أطول مما تصورنا في البداية.

نحتاج جميعًا سلطة ومعارضة وموالاة ألا ننسى درس يناير، كان مبارك يظن أن حكمه مستقر ولم يكن كذلك، كانت المعارضة ترى أن تغيير هذا النظام الراسخ ضرب من الخيال ولم يكن كذلك، كان الجميع يظن الشعب قد مات ولم يكن كذلك، لكن تكلفة تكذيب الظنون كانت فادحة على الجميع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عزمي بشارة.. الحفر في الثورة المصرية (1- 2)

عزمي بشارة... تحولات الثورة المصرية (2- 2)