1925.. حين اشتعلت المعركة حول غطاء الرأس وهوية المواطن المصري الجديد
10 نوفمبر 2025
بعد اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون في عشرينيات القرن الماضي أي منذ مئة عام كاملة، دارت مناقشات حامية بين الكُتّاب والأدباء والمفكرين في ذلك العصر حول مسألة مهمة في وقتها، ألا وهي مسألة غطاء الرأس عند المواطن المصري.
كان الكتّاب والمشايخ قد انقسموا في بداية القرن بين من يؤيد ارتداء الطربوش ومن يؤيد ارتداء العمامة، ثم تطور الخلاف في عام 1925، لينحصر بين الطربوش والبرنيطة أو القبعة. فالطربوش هو غطاء للرأس تم استعماله في مصر وتركيا. وأصل الاسم فارسي "سرپوش" وهو لفظ مركّب يعني غطاء رأس يكوّن من: "سر" ومعناها رأس، و "پوش" ومعناها غطاء، ثم تغيّر حرف السين لحرف الطاء مع مرور الزمن لتصبح "طر- پوش".
ويُقال إن العثمانيين أخذوا الطربوش عن اليونان، وظل زيًا قوميًا في تركيا حتى إلغاء الخلافة. فلم يكن لبس الطربوش في بداية القرن مجرد لباسٍ للرأس، وإنما كان رمزًا ثقافيًا هامًا. وعندما بدأت الخلافات في مصر بخصوص لبس الطربوش أو البرنيطة، اختار المؤيدون لحكم الأتراك أن ينادوا بارتداء الطربوش، بعكس الآخرين الذين كانوا يميلون للثقافة الغربية ويرون أن مصر لن تتطور إلا بالأخذ بعلوم وثقافة الغرب.
احتدم هذا الخلاف في بداية القرن العشرين بين العمة والطربوش، حيث اتجه بعض المثقفين الشباب لارتداء الطربوش ليظهروا بمظهر المتحضرين في نظر المجتمع وقتها. وكانت لحادثة طه حسين، الذي ألقى عمامته في البحر عند سفره إلى باريس عام 1914، دورًا مؤثرًا في تشجيع الشباب لارتداء الطربوش كإشارةٍ إلى التحضر وقتها.
واستمر هذا السجال حتى العشرينيات من القرن المنصرم، حينما دخلت البُرنيطة أو القُبعة ضمن المعادلة، وانقسم كبار الكتاب كما انقسم الأفراد بين من يؤيد ارتداء الطربوش ومن يؤيد ارتداء القبعة. فنجد مثلًا الأديب مصطفى صادق الرافعي وهو من مؤيدي الطربوش، يعتبر أن لبس المصري القبعة انهيار أخلاقي، وأن الطربوش ليس به ما يعيب، إلا أن الأخلاق هي التي انحدرت، وأن الأمة أصبحت مريضة بداء التقليد.
وعلى النقيض من هذا الرأي، نجد الدكتور محمود عزمي وهو من مؤيدي لبس البُرنيطة، يعلن أنه صرّح لكل أصدقائه ومعارفه أنه سيلبس القُبعة على رأسه بداية من أول تموز/يوليو 1925 رغم أنّه تراجع عن ذلك لاحقًا.
ولذا نجد أن الجانب المناصر للطربوش دافع عنه باعتباره رمزًا قوميًا وطنيًا من زمن العثمانيين ولأجيال قادمة عدة، كما أنهم رأوا فيه ميزةً للحماية من العادات الأوروبية كرفع القُبعة عند التحية، وحماية الرأس أيضًا من الهواء البارد عند الحاجة. كما عارضوا لبس القبعة أو البرنيطة بقوة باعتبارها شعارًا أوروبيًا دخيلًا. ووصفوا من يلبسها من المصريين بتدني الأخلاق والتقليد الأعمى للغرب، مما دفعهم للاستهزاء صراحة بهم.
أما الجانب المناصر للقبعة الأوروبية، فقد رأوا فيها رمزًا للحداثة والتمدن والتطور اللازمين لتقدم المجتمع المصري بالتوازي مع النهضة العلمية والأدبية، خاصة في ظل زيادة التأثير الأوروبي، وازدياد البعثات العائدة من أوروبا، حيث كان أغلب أفرادها من العلماء والأساتذة والكتّاب الذين استبدلوا الطربوش بالبرنيطة. كما دعوا للاستغناء عن لبس الطربوش، لأن ارتداءه غير مناسب أو مريح لبيئة البلاد الحارة. وصرّح الحكماء وقتها أنه يتسبب في سهولة نقل الأمراض بسبب طول بقاءه على الرأس أو تنقله من رأس لأخرى. فنجد أن جمعية الأطباء المصرية سنة 1926، قد نشرت بيانًا تقول فيه إن الطربوش لباس غير صحي، لأنه قد يسبب الصداع والصلع، إضافة إلى اتساخ الجبهة بسبب العرق. كما أكدت بعض الفتاوى الدينية أنه ليس من شعائر الإسلام، وإنما مجرد تقليد.
الجانب المناصر للقبعة الأوروبية، فقد رأوا فيها رمزًا للحداثة والتمدن والتطور اللازمين لتقدم المجتمع المصري بالتوازي مع النهضة العلمية والأدبية، خاصة في ظل زيادة التأثير الأوروبي
ففي مقال نشرته مجلة "المصور" المصرية في آذار/مارس 1925، جاء فيه: "الطربوش يزاحم العمامة، والبرنيطة تحارب الطربوش، وقد اتسع ميدان الكفاح، فبعد أن كانت حرب الطربوش والعمامة منحصرة في مدرسة دار العلوم، انتقلت إلى القرى والكفور حيث تنتشر مدارس التعليم الأولي، وانفسح المجال لحرب القبعة والطربوش في المدارس الأميرية كلها، فتألفت لهذه الحرب لجنة أركان حرب أصدرت بيانًا لا بد منه قالت فيه: "تخلص الكماليون من قلبقهم الذي لا يحمل الزر الأسود الذي هو، مع ارتكاب العبث في حمله، أكبر مظهر من مظاهر السذاجة والفطرة الأولى". والقلبق هُنا هو قبعة عالية التاج يرتديها الشركس والرجال في تركيا والبلقان والقوقاز، عادة ما تكون مصنوعة من اللباد أو الجلود.
ويكمل البيان: "ليس من داعٍ إلى التشبث بهذا النوع من الغطاء، مع أنه لم يكن يومًا ما لباسًا لأجدادنا الفراعنة ولا لأئمتنا في الدين، وقد ثبت أنه كان شعار اليونان قديما وقد تخلوا عنه". والظاهر أن هذه الحركة لم ترضِ الشيخ النائب حسن أفندي يس زعيم الطلبة فرد على بيان اللجنة التنفيذية مدعيًّا أن لبس القبعة فتنة وبدعة وخيانة وطنية إلى آخر ما هنالك من الكليشيهات المحفوظة. ولكن اللجنة ردت له الصاع بالصاع، وقرر التلاميذ أنه إذا قاومهم وزير المعارف فلا بد من ارتداء الباناما أثناء فصل الصيف، ويقال إن بعضهم شرع في حبك نوع صيفي من البرانيط ذي ثمن لا يزيد على خمسة قروش. وسنرى به تلاميذ المدارس في الاجازة المدرسية مقدمة للاتفاق على زي خاص من البرانيط يلبسه كل فريق من التلاميذ في أيام الدراسة.
كما أرسل وقتها بعض التلاميذ للزعيم سعد زغلول، طالبين رأيه في هذه المسألة، فجاء رأيه مُخيبًا لمناصري لبس البرنيطة وما كان أكثرهم من تلامذة المدارس، حيث قال في جريدة الأهرام: "تعتبر الشعائر والعادات التي عمت بين قوم ورسخت فيهم ونقلها الأبناء عن الآباء، من مقومات القومية ومشخصاتها ومنابع تفيض على من تمكنت فيهم شعورًا من المودة والأنس يعرف مقداره كل من تتبع تواريخ الأمم، ومن أجل هذا يجب أن يحافظ عليها كل المحافظة، وألا يبدل شيء منها، لأن العمل على تبديله تفريط في تنفيذ الوصية التي كتبها الآباء علينا، وهروب من الدفاع عن الوطنية الصحيحة، وسقوط في الهمم".
كما قال أيضا في هذا الأمر: "مثل الذين يبدلون شعارهم بشعار غيرهم، كمثل الذين تبرأوا من أنسابهم".
كان قد خطر للبعض أن يحل هذه المشكلة عن طريق ابتكار شكلٍ لغطاء رأس قومي جديد يحفظ الصبغة القومية من جهة ومن جهة أخرى يناسب جو مصر، بحيث يكون مريحًا ومصنوعًا من خامات مصرية. ومن بين هؤلاء الذين عملوا على ذلك الأديب شعبان أفندي زكي والذي ظهر في إحدى الصور وهو يرتدي ثلاثة أغطية رأس مختلفة، ففي أول صورة لبس الطربوش، وفي الأخرى لبس القبعة، وفي الصورة الثالثة ظهر بالطربوش القومي الجديد. وهذا الطربوش مسجل باسمه، وهو مقتبس من لباس الرأس الفرعوني والإفرنجي، ويتكون من ثلاث قطع هي: الكسوة الخارجية المصنوعة من قماش مصري بالأحمر والأزرق، أما الجزء الداخلي المجوف فهو يحافظ على جسم الكساء ومبّطن بقماش خفيف لتغطية الرأس، أما الجزء الثالث فهو عبارة عن المظلة المتصلة بالقالب وتنفصل عنه بكبسول. ويُمكن للقارئ أن يفاضل بنفسه بين الأشكال الثلاثة.






