"14 آذار" وفلسطين.. اسمع تفرح جرّب تحزن!

آرييل شارون وبشير الجميل في بيروت الشرقية 1982 (أرشيف القناة الإسرائيلية الثانية)

مقاربة العلاقات اللبنانية ــ الفلسطينية تحتاج لدراسات مُعمّقة حول طبيعة الصراع وامتداده السياسي والديمغرافي والجغرافي العابر للحدود اللبنانية. صحيحٌ أن خيار الدولة فرض نفسه بقوة وترك انطباعًا حتميًا معاديًا ومروجًا لشائعات توطين اللاجئين والتخلص من قضيتهم المحقة على حساب لبنان، لكن الصحيح أيضًا، أن مجابهة هذه الفرضية انطلقت من خلفيات متطرفة، وتعاظمت ككرة الثلج لتحط رحالها في قلب نزاع داخلي وإقليمي ودولي شديد التعقيد والحساسية. الأمر الذي ترك جروحًا عميقة في العلاقة بين اللبنانيين أنفسهم من جهة وفي العلاقة بين اللبنانيين والفلسطينين من جهة أخرى.

مجرد الإشارة إلى القضية الفلسطينة في بيان يمثل حزبي القوات والكتائب يُعد تطورًا استثنائيًا

مسار العلاقات بين اللبنانيين والفلسطينين انطلق مع بداية النكبة الفلسطينية في 1948، بعد أن أفرزت الحرب العالمية الأولى هؤلاء كلبنانيين وأولئك فلسطينيين، ومرّ بسلسلة طويلة من التعقيدات والعقبات وصولًا إلى اتفاق القاهرة في 1969 وما ترتب عليه. في ظروف مشحونة انطلقت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، التي انفجرت فيها العلاقة بين اليمين واليسار وبين المسلمين والمسيحيين. هذا الوضع المتفجّر تعاظم بشكل مرعب في الفترة الممتدة من العام 1975 وحتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. اجتاحت إسرائيل بيروت وخرج الفلسطينيون تحت ضغط اللبنانيين، ثم  حل اتفاق الطائف عام 1989 ليضع حدًا للحرب الأهلية اللبنانية، ويدخل لبنان عصر الوصاية السورّية. وفي شباط 2005 انفجر الوضع اللبناني مجددًا، على خلفية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وأخذت الأحداث تتسارع دراماتيكيًا، إذ خرجت سوريا من لبنان، عاد العماد عون من منفاه، وخرج قائد القوات اللبنانية سمير جعجع من السجن على وقع فوز كاسح لقوى الرابع عشر من آذار في الانتخابات النيابية من العام نفسه.

هذا التحالف العريض الذي جمع خليطًا واسعًا من المحتربين في القتال الأهلي، أسس لأدبيات جديدة في التعاطي مع القضية الفلسطينية ومع اللاجئين في لبنان. فليس عابرًا، كما يقول المتابعون، أن يتموضع الراحلون جورج حاوي وسمير قصير والصحفي الذي كان قريبًا من ياسر عرفات، نصير الأسعد، وغيرهم الكثيرون إلى جانب الرئيس أمين الجميل وسمير جعجع وغيرهم، وليس عابرًا أيضًا أن يتفق هذا المزيج السياسي الهائل على توصيف مشترك في مقاربة القضية الفلسطينة في غالبية البيانات المركزية لقوى 14 آذار. صحيحٌ أن الخطوات العملية لإعادة ترتيب العلاقات كانت، ولا تزال، خجولة لكن الصحيح أيضًا، أن غالبية هذه البيانات أكدت تمسكها المطلق بالقضية الفلسطينية وبضرورة الوصول إلى "سلامٍ عادل وشامل". وهذه أدبيات تختلف كثيرًا عن أدبيات الثورة الفلسطينية، التي انتمى إليها في وقتٍ سابق، عدد من قادة 14 آذار، كحاوي وقصير.

في المقابل، يرى البعض الآخر بأن تحالف الرابع عشر من آذار هو تحالف هجين قام وفق لحظة سياسية وتاريخية دقيقة، وتحوّل بعدها إلى مجموعة من الأحزاب المتناقضة بشكل جذري وعمودي، معتبرين بأن المرور العابر على القضية الفلسطينية في البيانات المركزية لا يعدو أكثر من كونه محاولة "رفع عتب" عبر تصفيف كلام فارغ من أي مضمون سياسي أو عملي.

الموقف الرسمي للآذاريين

بالعودة إلى غالبية البيانات المركزية والوثائق السياسية لقوى الرابع عشر من آذار، يلاحظ حضور القضية الفلسطينية حضورًا خجولًا. هذا الأمر يعود بحسب المطلعين إلى رغبة دائمة من الرئيس فؤاد السنيورة في مناصرة هذه القضية المحقة وإنصافها، ولو بكلمات بسيطة، لكن هذه الرغبة لا تعني اعتراض الآخرين عليها، "ربما يدور نقاش دقيق حول الكلمات المستخدمة"، يقول أحد المتابعين "مجرد الإشارة إلى القضية الفلسطينة في بيان يمثل حزبي القوات والكتائب يُعد تطورًا استثنائيًا ويُشكل إضافة نوعية يجب التوقف عندها".

وفي البحث عن طبيعة الكلمات المستخدمة تجاه القضية الفلسطينية في البيانات الرسمية لقوى الرابع عشر من آذار يتبيّن بأنها تقليدية ومتشابهة إلى حد بعيد وتصب جميعها ضمن فكرة دعم هذه القضية المحقة، من دون الغوص في التفاصيل أو التعقيدات. على سبيل المثال لا الحصر، يؤكد البيان السياسي الانتخابي لقوى الرابع عشر من آذار في 2009 التمسك بــ"القضايا العربية المحقة وفي طليعتها القضية الفلسطينية". وفي الوثيقة السياسية الرابعة التي صدرت عام 2011، أكدّت هذه القوى تمسكها "بدعم القضية الفلسطينية وحق العودة وقيام الدولة المستقلة"، وكذلك هي الحال مع البيان الختامي لاجتماعها الأخير في 15 آذار/مارس من العام الجاري، فقد ورد ما حرفيته "هذا المشرق بحاجة ماسة وكأولوية مطلقة إلى العمل على إيجاد الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية، وذلك استنادًا إلى رؤية الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية التي أعلنت من بيروت". وفي مسألة "الدولتين" ثمة سؤال عملاق.

خارج هذا السياق، أتت زيارة وفد يُمثل قوى الرابع عشر من آذار إلى قطاع غزة لزيارة حكومة حماس. في الشكل، الوفد ضم نائب عن القوات اللبنانية وهذا تطور نوعي وغير مسبوق ويحمل أكثر من رسالة. وأثار الأمر موجة استهجان نظرًا لتاريخ القوات الدموي ضد الفلسطينيين. أما في المضمون، فتوقيت الزيارة هو توقيت سياسي بامتياز، كونها أتت بعد فترة بسيطة رفض حركة حماس التخندق لصالح النظام السوري، مع ما كان يعنيه هذا التطور السياسي الكبير مطلع العام 2012. الشكل والمضمون يحملان أكثر من علامة استفهام ويتركان أكثر من انطباع، لكن المفارقة الأبرز كانت في تصريحات الوفد التي تمحورت بغالبيتها حول تهنئة رئيس الوزراء الفلسطيني، حينها، إسماعيل هنية ومعه الشعب الفلسطيني بــ"الانتصار على إسرائيل"، وهنا لا بد من استحضار كلام رئيس الوفد النائب جمال الجراح بحرفيته "إن انصياع العدو لشروط المقاومة يُعتبر نصراً مؤزرًا وتراجعًا في استراتيجية العدو"، وتابع "هذا النصر يُقربنا أكثر فأكثر من النصر على الصهيونية وتحرير كل الأراضي العربية المحتلة من قبل الكيان الزائل لا محالة". لكن هذا خطاب والحال أن 14 آذار ذهبت إلى هناك لتسجّل موقفًا ضدّ النظام في سوريا، الذي لم يقصّر، تاريخًا وحاضرًا، بدوره بارتكاب المجازر بحق السوريين والفلسطينيين واللبنانيين على السواء.

المفارقة في هذا الكلام تكمن في خروجه عن الأدبيات الثابتة والدقيقة في التعاطي اللبناني مع القضية الفلسطينية. كيف يمكن لفريق الرابع عشر من آذار أن يتحدث مع حماس بنفس اللغة التي يرفضها من حزب الله؟ أليس ما قاله رئيس الوفد ينطبق بشكل كامل مع أدبيات حزب الله وركونه إلى منطق النصر استنادًا إلى الصمود في المعركة وإلى منع الإسرائيليين من تحقيق أهدافهم؟ هذا ناهيك عن أن حالة حزب الله كانت بالنسبة لكثيرين، أفضل من حالة حماس، ولا سيما لناحية اندماجه، ولو الشكلي، بمنطق الدولة، بينما سيطرت حماس على قطاع غزة بقوة السلاح. وبناءً عليه، فإن هذه الاندفاعة لقوى الرابع عشر من آذار شكلت سقطة سياسية وأخلاقية وأظهرت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن التعاطي مع القضية الفلسطينية بالنسبة لهذه القوى، ليس مبدئيًا أو أخلاقيًا، إنما ينطلق من متغيرات سياسية طارئة.

 الكتائب على حالهِ

زيارة 14 آذار إلى قطاع غزة كانت لأهداف سياسية أخرى غير مناصرة الشعب الفلسطيني

هذا الجنوح من قبل فريق 14 آذار قابله حزب الكتائب بالرفض. ففي الشكل، لم يشارك أي عضو من حزب الكتائب ضمن الوفد. وفي المضمون، استمر الحزب بتمسكه بالأدبيات "الفضفاضة" في التعاطي مع القضية الفلسطينية. هذه السياسة ترافقت مع انفتاح هادئ لحزب الكتائب باتجاه معالجة هذه المسألة التاريخية عبر الاعتماد على وسائل ناجعة بدأها في 13 نيسان/أبريل 2008 من خلال لقاء المصارحة والمصالحة في بيت الكتائب والذي حضره السفير الفلسطيني في لبنان وحشد كبير من القوى السياسية اللبنانية والفلسطينة. يومها قدّم الرئيس أمين الجميل خطابًا وجدانيًا، حاكى عبره فترة طويلة من النزاعات الدموية بين الطرفين، وخلص إلى كلمات مؤثرة تختصر رغبة الجميع بعلاقات ودية يسودها السلام والاحترام المتبادل. لكن الفلسطينيين بقوا في مخيماتهم بلا حقوق عمل، ولم يعتذر أحد عن المجازر التي ارتكبت بحقهم.

وفي أي حال، الصفحة الجديدة بين الكتائب والفلسطنيين لن تُفتح بسهولة في ظل تاريخ عابق بالتقتيل، لكن الخطوات نحو ترميم العلاقات اتخذت طابعًا تراكميًا، وساهمت بشكل كبير في تبديد حالات الاحتقان والانتقال نحو حوارات مباشرة وغير مباشرة بين الطرفين. الثابت هنا أن حزب الكتائب اعتمد استراتيجية واضحة في التعاطي مع القضية الفلسطينية وكل ما يتفرع عنها من لاجئين ومخيمات وسلاح وحقوق مشروعة، أي رفضه الانتماء إليها. وفي هذه للأمانة، الحزب متصالح مع نفسه ومع تاريخه. والتاريخ معروف.

وبالعودة إلى غالبية المواقف التي تتعلق بهذه القضية، بدا واضحًا الحرص الدائم من قبل الكتائب على التعامل بشكل دقيق مع هذه القضية. يمكننا هنا أن نعود إلى كلام الرئيس الجميّل أثناء استقباله وفداً من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عام 2011. في البداية، السؤال المنطقي، ماذا يفعل وفد الجبهة الديمقراطية عند الرئيس الجمّيل. والأخير، بدبلوماسيته المعروفة، أعرب عن حرصه على "مصلحة الشعب الفلسطيني انطلاقًا من كون قضيتهم إنسانية وأرضهم عربية محتلة"، وكرر كذلك كلامه في المؤتمر الـ29 لحزب الكتائب "نحن مع القضية الفلسطينية لانها قضية حق". وللحق، يبدو هذا رائعًا.

جعجع "الفدائي"

كيف يمكن لفريق الرابع عشر من آذار أن يتحدث مع حماس بنفس اللغة التي يرفضها من حزب الله؟

يحاول رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، سمير جعجع، أن يثبت بأن ما قبل الـ2005 ليس كما بعدها، على الصعيدين الداخلي والخارجي، فالانفتاح بات أمرًا لا بد منه. هنا يقول قواتي قريب من جعجع أن الأخير "أعاد ترتيب أولوياته السياسية بناءً على رغبته بفتح صفحة جديدة مغايرة لتلك التي عُرف بها أيام الحرب الأهلية. إحدى هذه الصفحات هي ذهاب النائب أنطوان زهرة إلى غزة في الوفد الآذاري. وزهرة لم يكن معتكفًا بالحرب الأهلية، إنما شارك فيها حتى الثمالة.

الذي يسمع بيانات القوات، عن فلسطين، يظن أنها صادرة عن حزب تربطه علاقات ودية وتاريخية بالقيادات الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني وقضيته. يمكننا هنا أن نستحضر برقية تعزية وجهها جعجع في 19 آب/أغسطس من العام الجاري إلى السلطة الفلسطينية جراء استشهاد الوزير الفلسطيني زياد أبو عين، يقول فيها ما حرفيته "بأسى بالغ تلقيت نبأ وفاة الوزير زياد أبو عين وإنني إذ أعرب لكم جميعًا عن أصدق مشاعر العزاء والمواساة بهذا المصاب الجلل، أطلب من الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه مع الشهداء والصالحين والأبرار ويسبغ عليكم جميل الصبر". حسنًا، هذا منطقي وبروتوكولي في المواساة. لكن جعجع لم يتوقف عند هذا الحد، بل أضاف "القضية الفلسطينية بألف خير طالما تُقدم دماءً غالية كدماء أبو عين الذي كان رجلاً مقاومًا بطريقته السلمية، ولعلّ الإدانات لم تعد تكفي، فجرح فلسطين النازف لا يمكن أن يندمل إلا بإعلان دولة فلسطينية مستقلة". خطاب رائع وإن كان مساومًا، لكن الفلسطينيين في لبنان، ما زالوا بلا حقوق، وطبعًا، لم يعتذر أحد منهم عن المجازر التي ارتبكت بحقهم.