10 ألمان وسورية.. الصوف علينا والحياكة عليهن

10 ألمان وسورية.. الصوف علينا والحياكة عليهن

السوريون في لبنان بأمس الحاجة إلى الدفء (بلال جاويش/الأناضول/Getty)

في فترة الصيف زرنا مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان. تنقلنا بينها وتحدثنا مع الناس ولامسنا عن قرب وجعهم. وكأي سوري يشعر بالانتماء إلى هذا الشعب، وبفعل شيء ما مهما كان صغيرًا، عدنا إلى إلمانيا وفي نيتي تأسيس جمعية. بسرعة كبيرة اقتنع عشرة ألمان بالفكرة وأسسنا جمعية نوح الألمانية لدعم اللاجئين السوريين في دول الجوار وفي سوريا. بحثنا عن أكثر الأفكار جذبًا للألمان لكي نقنع الناس بفكرة الجمعية وبفكرة التبرع. كان من الأنسب البداية بمشروع بسيط للتنبيه على أهمية دعم السوريين وكذلك لبث روح المبادرة في المواطن الألماني الذي يرغب بالمساعدة.

هكذا، كانت فكرة إرسال صوف إلى لبنان، لكي تحيكه النساء. طًرحت الفكرة على أسامة من فريق مهلم الناشط، هو ومجموعة من شباب  الفريق، بعد البحث، كون أسامة يشرف على مجموعة عمل من النساء في دير القمر، لديهن الإستعداد للنسج في حال توافر الصوف. هكذا أيضًا بدأت حملة في مدينتنا الألمانية لجمع الصوف، حتى بث إعلان خاص في إذاعة المدينة المحلية حول المبادرة، تحت عنون "الصوف علينا والحياكة عليهن".

ذات مرة جاءت طالبة ألمانية من المدينة المجاورة تحمل  كيسًا يبلغ حوالي ١٠ كيلوغرامًا من الصوف

إن التجرية الأولى على بساطتها مرت في الكثير من المطبات وقد يصح القول التحديات. بدأت الجمعية تتلقى الصوف من كل حدب وصوب. تلقت اتصالات يومية تسأل عن العنوان الذي يمكن أن يرسل إليه الصوف. مكتب حزب الخضر الذي اشترك بالحملة، وفتح بابه للمتبرعين تلقى مئات الكبب الصوفية خلال فترة وجيزة. ذات مرة جاءت طالبة من المدينة المجاورة تحمل  كيسًا يبلغ حوالي ١٠ كيلوغرامًا من الصوف، قد جمعته من كبار السن في ضيعتها والضيع المجاورة. آخر التبرعات وصل من برلين من إحدى السيدات السوريات المستقرات منذ زمن في ألمانيا بعد أن قرأت الإعلان في موقع الجمعية. امتلأت غرفة المعيشة بالصوف، وهنا، صار الأمر شخصيًا قليلًا.

كان علينا أنا وزوجي تصنيف الخيوط الصوفية المتشابهة في الحجم واللون. تحولت ليالي نهاية الأسبوع إلى ليالٍ صوفية! نقاشات حول اللون والحجم والشكل. هذا الصوف يصلح شالًا وذلك يصلح حقيبة. وإذا كانت السيدة موهوبة قد تصنع ألعابًا صوفية على هذا النحو. أعادت كرات الصوف تلك، ذكريات الطفولة لدى كلينا. قال لي زوجي: بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في ألمانيا، ارتدى جميع الأطفال الصغار قبعات وثيابًا صوفية. لم يكن هناك أمام الأمهات الألمانيات المنكوبات إلا حل الصوف لكي يلبسه الأطفال في أيام البرد الشديد، والعوز المرير. هكذا علم هو من حكايا الأمهات والجدات.

أرسلت في البداية عبر ال ديتش أل، صندوقين من الصوف. قام زوجي بمراقبة الشحنة عبر الإنترنت، فهذا أمر ممكن. ترقب الشحنة منذ خروجها من مطار فرانكفورت حتى وصولها مطار بيروت. خلال هذا الوقت لم يتوقف أسامة عن سؤالي عن موعد الوصول، حيث كنا قد أرسلنا سابقا مبلغًا ماليًا ليشتري أسامة الصوف. وسعدت النساء بالصوف. أردن المزيد. أسامة كان ُيضغط بسبب  الحاح النساء. وفجأة انقطع الإنترنت في المكان الذي كنا مسافرين إليه، فلم يعد بإمكان زوجي مراقبة الشحنة.

في ألمانيا، التعريف بالجمعية ولم التبرعات يتطلب الكثير من الأسئلة التي تكشف أجوبتها منها أن معظم الألمان لا يعرفون ما الذي جرى في سوريا عام 2011

 يومان بدون إنترنت. فقدنا المسار، ولم نفقد التواصل مع أسامة، في النهاية وصلت الكمية. اسامة استعار سيارة من صديقه وذهب لجلب الصوف. طلبت منه الجمرك مبلغًا ليستطيع تخليصه، فلم يكن بحوزته. عاد خائبًا إلى النساء، وغاضبًا من جمعيتنا. في الحقيقة كانت هذه الإجراءات مجهولة بالنسبة لنا. حولنا المبلغ المطلوب بسرعة، أما النساء فقد قلن لأسامة: نستطيع تجميع المبلغ.

الصوف عادةً، يرسل إلى منطقتي الشوف ومخيّم البقاع. وبعد جمع مبلغ مالي لحقائب الأطفال السوريين، ستستمر حملة أخرى لجمع مبلغ مالي لترميم مدرسة في سوريا. لدينا الآن صور الفساتين الصغيرة التي حاكتها النساء في دير القمر، ومن مجموعة المتطوعات السوريات الرائعات في لبنان وتركيا وسوريا.

في ألمانيا، التعريف بالجمعية ولم التبرعات يتطلب الكثير من الأسئلة التي تكشف أجوبتها، أن معظم الألمان لا يعرفون ما الذي جرى في سوريا عام 2011. كما أن معاناة السوري في دول الجوار لم تصل بعد، وكثر لا يعرفون القنوات الحقيقية التي يمكن من خلالها أن تصل مساعداتهم دون أن تلوثها يد الفساد. ويوجد إجماع لدى الأغلب بضرورة تقديم مساعدات فعالة للسوريين في دول الجوار ودعم التعليم بصورة خاصة. ولكن يبقى السؤال عن الكيفية والطرق المقنعة للألمان ليقبلوا على المساعدة الفعالة. الأمر ليس صعبًا إلى هذه الدرجة.

إقرأ/ي أيضًا:
أبو صطيف يرسم ذكريات سوريا في ألمانيا
الهاربون إلى الله.. الوصول إلى ألمانيا!