يوميّات سامبوزيوم: 28 شباط/فبراير 2019

يوميّات سامبوزيوم: 28 شباط/فبراير 2019

هاينريش كامبيندونك/ ألمانيا

أؤمن بحريّة التعبير وأنّ ممارسة الفنون لا تخضع لقيود المعتقدات الدينيّة -مهما كان نوعها. تخرّجت من كليّة هندسة وعملت بالمجال طوال عشرين عامًا، رغم إحساسي باختلافي عن عالم المهندسين المترع بالنظريّات والمعادلات الرياضيّة، وعدم اهتمامهم بعالم الفنون والآداب. ظلّ فكري مشغولًا لمدّة يومين، بسبب خصومة مع مجموعة من المهندسين الزملاء في العمل.

أحاول دائمًا ألا أثير خصومات في العمل. أطبّع مع الجميع وأتحاشى كلّ ما يتعلّق بالدين والسياسة، وصل الأمر بالبعض إلى محوي من قائمة أصدقائهم على الفيسبوك بسبب نشر مقتطفات من نصوصي   قالوا إنّها مخلّة بالحياء. كان أغلبهم متدينين بأقصى ما يستطيعون، وأغلب النساء هنا محجبات ويقصون كل امرأة لا تحمل حجابًا. أعرف زميلًا يستهلّ حصّته حول الهندسة الكهربائيّة ببعض الحكايات عن عذاب القبر. نسي أن يذكر مقدار التيّار الكهربيّ الذّي يستعمله منكر ونكير في تعذيب الميّت!

اضطررت منذ يومين إلى حضور مجلس تأديب لعقاب متربصين قاما بتصوير قضيب ذكري على كرسي زميلهم، غادره لإصلاح تمرين على السبورة. تمّت إحالة الثلاثة فورًا، وأحيلا بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على المجلس ودعيت على عجل لحضوره بصفتي عضوًا منتخبًا بالمجلس. اتّفق الجميع الأعضاء ورئيس الجلسة على تطبيق أقصى العقوبة ضدّ صاحب الفعلة، رغم اعتقادي الجازم أنهما كان يمزحان وأثارت الأمر ضحك من بقاعة الدرس. استشاط المدرّس غضبًا وأحالهم على المجلس بما أنّه كان عضوا فيه أيضا.

بعد مشاورات مستفيضة، واستجواب للمتربّصين، قضى القرار أن يطرد كل أفراد المجموعة، إلا إذا اعترف أحدهم بمسؤوليته عن هذه الفعلة المشؤومة. يمحو قرار الطرد هذا قرابة عام ونصف من الدراسة بجرّة قلم. وقّعت على محضر الجلسة ونصّ القرار، وأصابتني عقدة شعور بالذنب لأنّني سأتسبب بطرد شابّ وتهديد مستقبله المهنيّ لأجل رسم. فكرت في أن أستقيل من عضوية مجلس التأديب وعدلت عن القرار.

فكرت طويلًا في هذا الأمر الجلل. وقعتُ بين مطرقة ما يمثله فعل رسم عضو ذكري على كرسي وسندان قناعاتي أن التعبير الفني حرّ. نشرت رواية منذ أشهر حول المثلية الجنسية بعنوان "مأزق تشايكوفسكي" ولم أخف قط من نشرها. أدرك أن راسم القضيب موهبة مطمورة ومهدورة، رغم أنّه أخطأ باختيار المكان الذي عرض فيه منجزه الفني. تساءلت: ماذا لو رسم شيئًا آخر، خرطوم طفاية حرائق مثلًا أو برغيًّا أو ذراع توصيل محرّك سيّارة أو ماسورة؟ توجد كلّ هذه القطع الميكانيكيّة وغيرها في أرجاء المركز منتصبة وظاهرة للعيان.

استلمتُ الدعوة لمجلس التأديب صباح ذلك اليوم، وقرأت تقرير المدرّس. دعاني زملائي قبل انطلاق الحصّة المسائيّة للجلوس والحديث. شغل موضوع القضيب الجميع هنا، كان حديث الساعة. سمعت أنّ العديد حاول الإطّلاع على الكرسيّ ورؤية القضيب المسكين. لقّبتُ القضيب في روايتي الأخيرة بـ"مالك الحزين" رغم معرفتي أنّ له كثيرًا من الأسماء الحسنى، الحمامة والطّنّانة والهرماق والزّدّام والخيّاط ومشفي الغليل وغيرها. ذكرها باستفاضة الشيخ النفزاوي التونسي في كتابه "الروض العاطر في نزهة الخاطر" الذّي ألّفه بناء على أمر أحد السلاطين الحفصيّين في القرن الخامس عشر ميلادي. تبجّح ش.م: "منعت أطفالي من الدخول إلى متحف باردو، لأنّني لمحت منحوتة رومانية لرجل عار. لم أحتمل أن يرى أطفالي قضيبه الممدود للزائرين في مدخل المتحف. إنّه تفسّخ اجتماعي، لو طبّقنا ديننا الحنيف لقضينا على كلّ هذا".

آثرت السكوت رغم استثارته لأعصابي، لكنّه أمعن في استفزازي حين وجّه إليّ الكلام مبتسمًا: "أنت خبير في الكتابة عن الجنس... قرأت لك على الفيسبوك منذ عامين وعديد من الزميلات محوك من الفيسبوك لهذا السبب! احترمنا يا أخي!".

أفلتت في هذه اللّحظة كلّ فراملي، وأطلقت العنان للساني: "من فضلك... أنا حرّ فيما أكتب على صفحتي في الفيسبوك، ومن لم تعجبه كتاباتي يمكنه فسخي... ما يربط بيننا زرّ فقط... زرّ لا غير".

تعاظم صوتي مع انفلات أعصابي، بحضور المدرّس صاحب الدعوى وزميل آخر. انتبه بعض المتكوّنين لصوتي المرتفع، قبل أن أغادر إلى ورشتي وأبدأ الدرس. حضرت مجلس التأديب بعد ساعة ونصف من الخصومة، وحاولت أن أكون صارمًا مع الشباب المتّهمين، وأمارس بعض النفاق الاجتماعي حتّى لا أثبت على نفسي تهمة الفسق والتشجيع على التجاهر بما ينافي الحياء. أعتقد أنّه لا جدوى من إقناعهم بضرورة تخفيف العقوبة حول جريمة رسم قضيب ذكريّ. ماذا سأقول لهم؟ هل أخبرهم بقصّة مهرجان "كانامارا ماتسوري"، بذلك الاحتفال العالميّ اليابانيّ بالقضيب الحديديّ، الذّي يقام في فصل الربيع من كلّ عام منذ أربعين عامًا ويقدّم منحوتات وتماثيل للزينة في شكل قضيب من مخلف الألوان والأحجام وسط مواكب وحفلات موسيقيّة. هل أخبرهم أنّ هذا المهرجان صار محجًّا للسوّاح من دول العالم وتصرف بعض مداخيله لمحاربة مرض السيدا؟ هل أحدّثهم عن الإله الفرعونيّ القليل الظهور "مين" صاحب اليد الواحدة والقضيب المنتصب في وجوه عابديه، صانع الآلهة والرجال كما يلقّب؟

فكّرتُ في شيء آخر تمامًا! ماذا يفعلون لو تسنّت لهم فرصة زيارة متحف أورسيه فرنسا والوقوف وجهًا لوجه مع لوحة "أصل العالم" للرسام الفرنسيّ غوستاف كوربيه. أعود لأقول أنّ هؤلاء الناس من المستحيل أن يزوروا معرضا للفنّ التشكيليّ، أو متحفًا، فالفنّ حرام. سمعت نفس التعاليق من العديدين عندما قام أحد الممثّلين خلال أيّام قرطاج المسرحيّة -وفي غفلة من الجمهور- بالوقوف كما ولدته أمّه مدلدلًا مالكه الحزين على الركح منذ أشهر. حاولت حينها تفسير المسألة وضرورة التفريق بين الفنّ  المسرحيّ والحياة العاديّة، فشلت في إقناعهم وتحاشيت الدخول في مهاترات تضيّع وقتي إلى أن أتت حادثة القضيب.

منحت نفسي إجازة للذهاب مع زوجتي إلى سامبوزيوم للفنّ التشكيليّ، ستشارك فيه كرسّامة ضمن نخبة من تونس والعالم. منحتني منظّمة التظاهرة إقامة مجانيّة بعد أن كتبت مقالًا حول الندوة الصحفيّة لتقديمها. كانت مصادفة أحسن تغطية ضمن بعض مقالات صدرت، رغم إنّني كتبت المقال تطوّعًا ومتعة وليس من باب الواجب المهنيّ. سأستمتع بالألوان وبجنون الرسّامين والنحّاتين وأبتعد عن عالم الميكانيكا والكهرباء.

أخبرتني زوجتي نجاة أنّ هنالك رسّامًا أمريكيًّا يرسم لوحات تشكيليّة بقضيبه، اسمه برينت راي فرايزر. أشاهد الآن بعض الفيديوهات حول إبداعاته في اليوتيوب، نكاية في الجميع.

 

اقرأ/ي أيضًا:​

ماناش باتاشارجي: امرأة

ديريك والكوت: الغريب الذي أحبّكَ

:دلالات