13-أغسطس-2018

هيروشيما 1945

نيسان 1945

مذ ركلني العالم، وأنا أحاول الإفضاء إلى حقيقة يقينية واحدة، صغيرة وفريدة. ليس مهمًا مقدار بشاعتها أو جمالها. وليس مهمًا إذا ما كنت سأصدقها أم لا. ولكنّني أريد أن أعرف، لماذا أنا؟

لقد سمعتُ بابا يقول إنّه لا يؤمن بالشنتو. وأنّه لا يرى أيضًا مع ماما الجميلة سببًا لزيارة "الكامي" هذا الربيع. وأنّ بوذا والمسيح والرسول محمد لن يحزنوا لأنّنا لا نؤمن بهم. وهذا لا يعني أنّ بابا ينكر وجودهم، إنّما يعني أنّنا يجب أن نصل في نهاية الأمر لحقيقة واحدة، بغض النظر عن الطريق الذي سوف نسلكه. ولم يقل لي بابا أبدًا ما هو الطريق الذي يخوضه مع تجاهله لكلّ هؤلاء الذي يقدّسهم العالم. ولكنّه قرص أذني أثناء تناولنا الطعام اليوم، وقال لي: أبدًا، لن تعرف.

لن نذهب هذا الربيع إلى الكامي إذًا. لقد نسيناه في رأس السنة، ويوم زواج عمّتي وحتّى عندما بلغت التاسعة من عمري. كم كنت أشعر بالأسف عندما كان "تاكاشي" يحكي لي عن كل كامي زاره في اليابان. كان حينها يشعرني كما لو أنّني لن أكتمل أبدًا إذا لم أذهب إلى هناك.

 

أيار 1945

كانت ماما تحضر هذا المساء طعامي المفضل "سوكي ياكي". بقيت في المطبخ معها، تارةً أحرّك سيارتي الصغيرة على الحائط، وتارةً أخرى أدفعها أسفل الثلاجة لتخرجها ماما اللطيفة مُدركةً وجودي. لكنها لم تهتم؛ المذياع والأخبار المتدفقة منه أنساها وجودي:

موت أكثر من ألف وخمسمئة مدني في طوكيو، ونزوح الآلاف ممن دمّرت منازلهم إلى المناطق المجاورة. لاتزال المنطقة تعاني من فسخ الاتحاد السوفييتي لمعاهدة عدم الاعتداء عليها. ولكنّ بلادنا الغالية سوف تظلّ صامدة.

اللعنة.

كانت هذه المرّة الأولى التي تلعن فيها ماما أمامي، ولكنّها لم تكن الأخيرة.

العشاء كان حداد جديد آخر. لم ينظر بابا إلى وجهي أو وجه ماما، وكلّ سعادة كنّا نحاول صنعها حينها كانت إلى أفول. وكلّ خبر نسمعه كان يحتوي على حديثي الموت، تمامًا كما حديثي الولادة، بحسب ما أخبرتني ماما. وعلى الرغم من عدم إدراكي تمامًا لأشكالهم في القبور؛ المحروقين منهم، والمكسّرة أطرافهم والمقطّعة رؤوسهم، إلا أنّ ألمي كان يشتدّ كلما شعرت بألم بابا وماما يمتد من طوكيو إلى هنا – هيروشيما – ويأكلني أنا الآخر.

 

تموز 1945

كنتُ ممدًا على فراشي الصغير الموضوع على مصطبة خشبية خارجية، والعرق يملأ جبيني ورقبتي، والذبابة لا تغادر رأسي، تلتصق بالعرق وأنفضها، لكنّها تعود. لا شيء يجعلني أبقى إلا النجمة التي أوهمني " تاكاشي" أنّها ملكة، قال لي إنّ معلمته في المدرسة تُهدي كل طالب مجتهد نجمة، وهذه الزرقاء الرابضة في السماء تخصّه وحده. في الحقيقة لم أميز جيدًا إذا ما كانت زرقاء أو حمراء أو خضراء. تبدو لي نجمة سحرية متعدّدة الألوان. لا بد وأنّ " تاكاشي " كان مجتهدًا جدًا حتّى حصل على نجمة عظيمة كهذه!

 

آب 1945

الحرارة في ازدياد، الجو مشمسٌ تمامًا، وبابا يُقبّل ماما على جبينها قبل ذهابه إلى العمل. المذياع يتحدّث قليلًا ثم يئزّ، ويتحدّث مرة أخرى:

يرفض الرئيس الياباني سوزوكي رفضًا قاطعًا العمل بإعلان بوتسدام، وبلادنا الغالية ستظل صامدة.

المذياع يئزّ مرّة أخرى طويلة، تحركه ماما قليلًا ولكن دون جدوى. تصفعه بكلتا يديها، يعلو التشويش وينخفض، وماما تغضب؛ على المذياع أن يعمل وإلا كسرته ولن أسمع أنشودتي المفضلة مرّةً أخرى.

يعود الصوت من جديد:

قول أنّه ليس هناك مدنيون في اليابان!

انطفأ المذياع. بابا يصول ويجول في الغرفة، وماما تخوض حديثها بتوتر: "من الذي قال؟".

بابا يرد عليها: "لم أسمع".

تعود ماما: "هل سمعت يا هيرومي؟ لقد قالت إنّه لا يوجد مدنيون في اليابان"!

ماما، ماذا تعني كلمة مدنيون؟

لا أحد يسمع سؤالي. يملُّ بابا من تواجده معنا ويذهب أخيرًا إلى عمله. تجلسني ماما على المصطبة الخارجية لتنظف أرضية المنزل من الداخل، يندفع السؤال مرًا هذه المرّة: " ماذا يعني مدنيون "؟ تبدو كلمة خطيرة وقاسية، وإلّا لم تكن ماما لتبكي وهي تنظف الأرضية. حسنًا، عندما يحاول "تاكاشي" إغاظتي في المرّة القادمة، سأشتمه بكلمة "مدني" حتّى لا يفعلها معي مرّة أخرى.

في اليوم التالي، لم يذهب "تاكاشي" معي إلى المدرسة. اضطررت أن أشتمه في سري طوال الطريق: "مدني، مدني، مدني" كما لو أنه مدني كبير!

وصلت متأخرًا كعادتي، وفوّت الطابور الصباحي والفطور الجماعي. دلفت إلى القاعة الدراسية مطأطئًا رأسي، حتّى تشعر معلمتي باعتذاري الضمني عن فعلتي دون تأنيبي. جلست في مكاني المعتاد، في منتصف القاعة تمامًا، وأخرجت دفتري لأبدو مجتهدًا كالبقية، وغارقًا في اعتذاري الضمني وندمي على تأخّري. لكنّ وجه المعلمة احترق وتلاشى قبل أن تراني.

الركام يؤلمني، أكثر ما يزعج هنا كمية الغبار العالقة على وجهي، أريد إزاحة الغبار. أين يدي؟ أستطيع الآن تمييز القطع الخشبية المتفحمة وقطع صغيرة من حقيبتي. أغمض عيني ويعود النور متفجرًا كأنّه يحدث لأوّل مرّة. وأفتح عيني على الظلمة والرماد.

أنين. أغفو ناظرًا إلى الانفجار، وأصحو بأنين مرّةً أخرى.

يضايقني الرماد أكثر مما يضايقني عدم إيجادي ليدي. إغماضة أخرى وينفجر العالم بأكمله. أتمنّى لو أنّ بابا استطاع تقديس الشخص المناسب حتى لا يحدث كل هذا. بابا... أين بابا؟

تنتشلني يد سوداء، يعلو صوتي وأنا غارق في الضوء: "أين بابا؟". لا صوت يطمئنني، ولا يد تحنو أيضًا. لا بّد وأنّ هذه اليد السوداء بائسة لدرجة تجعلها ممتنعة عن الحديث.

لم يتغير شيء، جسدي لا يزال غارقًا في ركام، لكنّه هذه المرة ركام بشري؛ أقدام ملتحمة برؤوس مبللة بالدماء، امرأة تمشي مسرعة ويدها أمامها، وفي يدها دائرة لزجة، وفي مكان عينها اليسرى ثقب بشع. عينها في يديها و، آه تذكّرت: أين يدي؟

لا أستطيع تحريك رقبتي بما يكفي لأتأكّد. الجموع مرّة تمشي ومرة تنام ومرة تموت. كلما صرخ أحدهم يرمقه شخص آخر ببرود. لا شيء يجعل الآخرين يعبأون بآلام بعضهم عندما يتشاركونها في نفس الوقت، ونفس مقدار الألم أيضًا.

إغفاءة متفجرة أخرى. جسدي ممتد على لوح قماشي بأطراف خشبية. أظنّني ذاهب إلى المنزل. الجموع أيضًا تمشي ولكنهم هذه المرّة يمدّون أيديهم أمامهم، كما لو أنّهم في طابور صباحي إجباري قاسٍ. التفرّس في الوجوه لا يجدي نفعًا، الدماء والرماد والخدوش والشعور الكثّة الممزقة أخفت ملامحهم لكنّني أتألم. المُسعف لديه أسنان مكسورة والفراغ بينها أسود، لحظة، هذا فراغ أم أن أسنانه سوداء؟ لماذا يبتسم؟

لم ينته سؤالي "أين بابا؟" الكل يركض في ممرات المستشفى. وقف أحدهم بجانبي، قال لي سنجده لك. هنالك حالات مستعصية أكثر منك، سنعود، ولكن هل تتألم؟

كنت سأقول "نعم"، لكنّه ذهب عني.

المذياع يعمل مرّة أخرى. من الذي شغّل المذياع؟ "يقول إنّه ليس هنالك مدنيون في اليابان. ولكن على الرغم من ذلك، بلادنا الغالية ستظل صامدة".

ماما تنظر إلي وتبتسم، لم تشتم هذه المرة، إنها تعرف أخيرًا أن لا داعي للقلق، لأنّ المرأة في المذياع كانت تكذب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

طريق الشمال

لولا هذه الحرب

دلالات: