يوميات القتل

يوميات القتل "غير" العادي

الجرائم تجتاح النيوزفيد عبر المواقع الإخبارية الإلكترونية (Getty)

لا يكاد المرء يتخلص من خبر على النيوزفيد في موقع فيسبوك عن جريمة قتل، حتى تطالعه أخرى. والجرائم كثيرة، وهنا نتحدث عن ما يسمى بالجرائم "الفردية" في لبنان، أي تلك التي ترّد غالباً إلى "إشكال فردي"، ولا تتخذ طابعاً "إرهابيًا" أو "سياسيًا" على غرار جريمة شارلي إيبدو في فرنسا مثلاً، أو جريمة شاطئ سوسة في تونس. ومعظم هذه الجرائم التي تجتاح النيوزفيد عبر المواقع الإخبارية الإلكترونية، ترتكب بأسلحة "فردية" أيضاً. وهذه الأسلحة بعضها مرخص وبعضها غير مرخص، ويقال، وفي ذلك مبالغة كبيرة، إن أي بيت لبناني لا يخلو من قطعة سلاح واحدة على الأقل. وعلى الأقل، من باب الموضوعية، كاتب هذه السطور لا يوجد في بيته قطعة سلاح واحدة، إلا اذا عدّت سكاكين المطبخ في زمان داعش سلاحاً، وهي بيد داعش... تجرح.

لماذا يحتفظ رجل مدني بسلاح حربي في بيته؟ لا جواب على هذا السؤال

السلاح منتشر بشكل كبير بين أيادي اللبنانيين، وهم يستخدمونه لقتل بعضهم البعض. فهذا زوج أفرغ 17 رصاصة في جسد زوجته، وهز الخبر البلاد والمجتمع المدني الذي تنادي بعض جمعياته بحماية المرأة من العنف الأسري. لماذا يحتفظ زوج برشاش حربي في منزله الزوجي؟ هذا ما لا يمكن أن تعثر له على إجابة شافية. برشاش حربي أيضاً "كلاشينكوف" أطلق النار على جيرانه لأنهم يملكون شاحنات وجرافات ينزعج من صوتها حينما يشغلونها في الصباح. أصاب شاباً في العشرين من عمره في قلبه وأرداه. الأب مات بعد أقل من ساعة بسكتة قلبية حزناً على ابنه. والأبناء الآخرون اجتاحوا بيت الجاني بالجرافات وهدموه. السؤال نفسه: لماذا يحتفظ رجل مدني بسلاح حربي في بيته؟ لا جواب شاف على هذا السؤال.

هذه الحوادث لا يمكن أن توضع في إطارها الفردي. وهي تذكر بحوادث وقعت في السابق وقيل أيضاً إنها فردية، لكنها كانت تحمل مدلولات جماعية خطيرة، منها مثلاً تلك الجريمة التي ارتكبها أحمد منصور قبل سنوات طويلة في الأونيسكو، حينما أطلق النار على زملائه في العمل في دائرة رسمية من رشاش حربي وأردى ثمانية موظفين قتلى فضلاً عن عدد من الجرحى. يومها برزت دوافع طائفية دفينة للجريمة، لكنها وضعت في سياق فردي، وأعدم منفذها لدفن الاسئلة المحرجة. كانت جريمة عادية، وهذا ما دفع وضاح شرارة إلى جعلها جزءاً من كتابه الذي حمل عنوان "يوميات القتل العادي"، والذي يتناول جرائم شهيرة وقعت في تاريخ لبنان. وضع شرارة هذه الجريمة مع جرائم اغتيال أخرى، كجريمة اغتيال رفيق الحريري وجريمة اغتيال رياض الصلح. ليست جريمة عادية. وليست حادثاً فردياً. هذا ما حاول شرارة أن يقوله.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الجرائم التي تقع اليوم، والتي تتحمل مسؤوليتها منظومة كاملة من القيم الاجتماعية والثقافية والسياسات الرسمية للدولة اللبنانية. ويتحمل مسؤوليتها صحفيون، يتباهون على النيوزفيد نفسه الذي تظهر عليه أخبار هذه الجرائم، بممارسة "هواية" الرماية بأسلحة حربية، في "نادي الجيش اللبناني للرماية". إذا كان الجيش اللبناني ومعه صحفيون مرموقون، يسوقون لـ"هواية" الرماية بالأسلحة الحربية، فلا عجب من ممارسة اللبنانيين "هواية" قتل بعضهم البعض. ويقفز السؤال المحرج مجدداً: ما حاجة صحفي إلى التدرب على الرماية من سلاح حربي؟

وقد يأتيك الجواب: هذه مسألة فردية، لا تشغلوا بالكم!

اقرأ/ي أيضا: سياسيو لبنان من "طهّر نيعك" إلى "سد بوزك"