"يوروفيجن 2026": مقاطعة واسعة وانقسام أوروبي غير مسبوق حول مشاركة إسرائيل
15 مايو 2026
تختم النسخة السبعون من مسابقة "يوروفيجن" الغنائية فعالياتها في 16 أيار/مايو في العاصمة النمساوية فيينا، وسط أجواء توصف بأنها الأكثر توترًا في تاريخ الحدث الممتد منذ عام 1956. فالمسابقة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية كمشروع ثقافي يهدف إلى تعزيز التقارب بين الشعوب الأوروبية عبر الموسيقى، تجد نفسها اليوم في قلب جدل سياسي وإنساني واسع، على خلفية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ومشاركة إسرائيل في نسخة هذا العام، وما ترتب على ذلك من مقاطعات واحتجاجات وانقسامات داخل أوروبا وخارجها.
رافق هذه النسخة انسحاب خمس دول هي إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا وآيسلندا وهولندا، في خطوة عكست حجم التوتر داخل المشهد الأوروبي بين مؤيد لفصل الثقافة عن السياسة، وآخر يرى أن استمرار المشاركة في ظل حرب إبادة يمثل تطبيعًا غير مقبول مع واقع إنساني مأساوي. كما لم يقتصر الأمر على الغياب عن المنافسة، بل امتد إلى قرارات تتعلق بالبث والتغطية الإعلامية، حيث امتنعت هيئات بث عامة في عدد من هذه الدول عن نقل الحدث، فيما اختارت أخرى تقديم بدائل رمزية أو محتوى موازيًا يعكس موقفًا احتجاجيًا.
رافق هذه النسخة انسحاب خمس دول هي إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا وآيسلندا وهولندا، ما عكس تصاعد التوتر في أوروبا بين من يدعو لفصل الثقافة عن السياسة، ومن يرى أن المشاركة في ظل الحرب تمثل تطبيعًا مع واقع إنساني مأساوي
مقاطعة وانسحاب وبث بديل
تجلّى الانقسام بوضوح في سياسات المؤسسات الإعلامية الأوروبية. فقد أعلنت هيئات البث العامة في إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا أنها لن تبث المسابقة احتجاجًا على قرار اتحاد البث الأوروبي (EBU) السماح بمشاركة إسرائيل، معتبرة أن هذا القرار يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان التي ينبغي أن تحكم الفعاليات الدولية الكبرى.
أما آيسلندا وهولندا، فقد اتخذتا مسارًا مختلفًا، إذ قررتا الانسحاب من المشاركة في المسابقة، مع الإبقاء على بث الحفل. وفي المقابل، حصل الجمهور في بعض الدول على إمكانية متابعة المسابقة عبر قنوات بديلة، بينها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في حالات معينة، ما يعكس تشابك شبكات البث الأوروبية وتعقيد مواقفها.
هذا التباين في المواقف الإعلامية لم يمر دون أثر، إذ أشارت تقارير إلى انخفاض ملحوظ في نسب المشاهدة في بعض الدول، بينها بلجيكا، حيث تراجعت المتابعة لنصف النهائي إلى نحو النصف مقارنة بالعام الماضي، وهو ما رُبط جزئيًا بالمقاطعة والجدل السياسي المحيط بالمسابقة.
فنانون ومسابقات موازية: احتجاج يتجاوز المؤسسات
لم تقتصر ردود الفعل على الحكومات أو هيئات البث، بل امتدت إلى الفنانين أنفسهم. فقد أعلن عدد من الفائزين السابقين في المسابقة، من بينهم نيمو (الفائز بنسخة 2024) وتشارلي ماكغيتيغان (فائز 1994)، نيتهم إعادة جوائزهم احتجاجًا على مشاركة إسرائيل.
كما رفضت الفنانة التركية سرتاب إرينر، الفائزة بنسخة 2003، حضور أو المشاركة في نسخة 2026، مؤكدة أن موقفها يأتي انسجامًا مع رفضها مشاركة إسرائيل في ظل الحرب على غزة، واعتبارها أن ذلك يتعارض مع القيم الأساسية للمسابقة مثل السلام والوحدة.
غزة في قلب الحدث: الثقافة تحت ضغط الحرب
وفي سياق موازٍ، برزت في عدد من الدول الأوروبية مبادرات ثقافية بديلة، شملت حفلات مشاهدة جماعية وتنظيم فعاليات رمزية موازية للمسابقة، في محاولة لإعادة صياغة علاقة الجمهور بـ"يوروفيجن" خارج الإطار الرسمي الذي تفرضه هيئات البث.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ولبنان، ما أضفى على الحدث الثقافي بُعدًا سياسيًا وإنسانيًا بالغ الحساسية، وحوّله إلى مساحة جدل تتقاطع فيها الفنون مع مآلات الصراع الميداني. وقد بررت الدول والهيئات المقاطِعة مواقفها بالاحتجاج على مقتل المدنيين والصحفيين الفلسطينيين، معتبرة أن مشاركة إسرائيل في حدث يُفترض أنه يحتفي بالسلام والتنوع تمثل تناقضاً مع القيم التي تأسس عليها.
وامتدت تداعيات هذا الجدل إلى خارج الإطار المؤسسي، حيث ظهرت أشكال متعددة من التفاعل الشعبي والإعلامي، تراوحت بين المقاطعة الرمزية، والفعاليات البديلة، والمواقف الثقافية الاحتجاجية، ما يعكس انتقال النقاش من مستوى القرار الرسمي إلى الفضاء العام الأوسع.
ففي بلجيكا، جرى تنظيم مهرجان بديل حمل شعار "متحدون من أجل فلسطين – لا منصة للإبادة الجماعية"، حيث شُجّع الجمهور على إقامة حفلات مشاهدة بديلة بعيدًا عن المسابقة الرسمية. كما بثت هيئة الإذاعة والتلفزيون السلوفينية برامج وثائقية عن غزة ضمن إطار خاص حمل عنوان "أصوات فلسطين"، في إشارة إلى محاولة إعادة توجيه البث نحو محتوى احتجاجي.
كما شهدت فيينا نفسها توترًا ميدانيًا، حيث أفاد المتسابق الإسرائيلي نوعام بيتان بأنه تعرض لاستهجان من متظاهرين مؤيدين للفلسطينيين خلال أدائه في نصف النهائي، ما يعكس انتقال الجدل من المؤسسات إلى فضاء الأداء المباشر على المسرح.
"يوروفيجن" بين الحياد المعلن والسياسة الواقعية
على الرغم من تأكيد اتحاد البث الأوروبي (EBU) المستمر بأن المسابقة غير سياسية، فإن التطورات الحالية تضع هذا المبدأ أمام اختبار صعب. فالمسابقة التي تعتمد على مشاركة هيئات بث عامة من دول متعددة، وتُبنى على نظام تصويت دولي واسع، باتت عرضة لتأثيرات سياسية لا يمكن فصلها بسهولة عن سياقها الثقافي.
ويستند المدافعون عن المقاطعة إلى مقارنة مباشرة مع سابقة استبعاد روسيا من المسابقة عقب غزو أوكرانيا، معتبرين أن استمرار مشاركة إسرائيل يعكس ازدواجية في تطبيق المعايير. في المقابل، يتمسك الاتحاد الأوروبي للبث بمبدأ فصل الثقافة عن السياسة، لكن تصاعد المقاطعات يجعل هذا الفصل أكثر أقل استقرارًا.
وفي موازاة ذلك، تبرز أصوات داخل أوروبا، بينها مسؤولون سياسيون، ترى أن استخدام الثقافة لتغطية "الجرائم الكبرى" أمر غير مقبول، وهو ما عبّر عنه رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، قائلًا: "نقف في الجانب الصحيح من التاريخ". مؤكدًا أن الوقوف إلى جانب القيم والمبادئ أهم من الحضور.
بدوره، اعتبر وزير الثقافة الإسباني إرنست أورتاسون، أن ما يفرق الناس اليوم ليس الموسيقى بل القرارات السياسية المتعلقة بالاستبعاد والمشاركة.
"يوروفيجن" كأداة دعائية إسرائيلية
إلى جانب البعد السياسي المباشر، تكشف تقارير إعلامية دولية عن استخدام مسابقة "يوروفيجن" كأداة للقوة الناعمة والتأثير الدعائي. فقد أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن إسرائيل عملت خلال السنوات الماضية على توظيف المسابقة كمنصة للتأثير الإعلامي، عبر حملات تمويل وإعلانات رسمية مرتبطة بالحدث، في خطوة تثير انتقادات واسعة بشأن استغلال الفعاليات الثقافية الدولية لتلميع صورة سياسية في ظل استمرار الحرب على غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية.
وبحسب هذه التقارير، شملت هذه الجهود إشراف جهات رسمية، بينها مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، على حملات دعائية وتغطيات رقمية، إضافة إلى إنفاق مبالغ مالية كبيرة لدعم حضور إسرائيل في المسابقة والتأثير في الرأي العام والتصويت. كما تمت الإشارة إلى أن هذا التوجه تصاعد بشكل خاص بعد فوز إسرائيل في نسخة 2018، ما عزز النظر إلى "يوروفيجن" كأداة استراتيجية تتجاوز حدود الفن.
وتضيف هذه المعطيات طبقة جديدة من التعقيد إلى النقاش الدائر، إذ لا يعود الجدل مقتصرًا على المشاركة، بل يمتد إلى طبيعة استخدام الحدث نفسه في سياقات سياسية ودبلوماسية غير مباشرة.
جذور المسابقة ومعناها الأصلي في مواجهة التحول
تأسست مسابقة "يوروفيجن" في عام 1956، مستلهمة من مهرجان "سان ريمو" الإيطالي، بهدف خلق منصة موسيقية توحد أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت واحدة من أكبر الفعاليات التلفزيونية الموسيقية في العالم، إذ يتابعها مئات الملايين سنوياً، وتُعد أطول مسابقة غنائية مستمرة في التاريخ الحديث.
وتقوم فلسفة المسابقة على فكرة بسيطة: الموسيقى كجسر بين الشعوب، بعيدًا عن الانقسامات السياسية. غير أن تطورات السنوات الأخيرة، وخاصة في ظل الأزمات الجيوسياسية الكبرى، جعلت هذا التصور موضع إعادة نظر مستمرة.
هل ما زالت الموسيقى كافية؟
مع إسدال الستار على نسخة فيينا، لا تبدو "يوروفيجن" مجرد مسابقة موسيقية تنتهي بفائز وخاسر، بل حدثًا يعكس تحولات أعمق في المزاج الأوروبي والعالمي. فالمقاطعات، والانسحابات، والاحتجاجات، والتقارير عن التأثير السياسي، كلها تشير إلى أن المسابقة دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها الموسيقى وحدها كافية لتحديد معنى الحدث أو حمايته من التسييس.
وبين خطاب "الحياد الثقافي" الذي يتمسك به الاتحاد الأوروبي للبث، وخطاب "المسؤولية الأخلاقية" الذي ترفعه الدول المقاطِعة، تبدو “يوروفيجن” اليوم أقرب إلى ساحة اختبار مفتوحة: اختبار لحدود الفن، وحدود السياسة، وحدود قدرة أوروبا على الفصل بينهما في زمن حروب الإبادة والانقسامات.