يعملون أكثر.. لكن هل يكسبون أكثر؟ مفارقات سوق العمل العربي
3 أغسطس 2026
يستيقظ قبل شروق الشمس، يغادر منزله مسرعًا إلى وظيفته الأولى، ثم ينتقل مباشرة إلى عمل آخر مع انتهاء دوامه. تمضي 12 ساعة، وربما أكثر، بين المكاتب أو المتاجر أو ورش العمل، قبل أن يعود إلى منزله منهكًا. لا يتبقى من يومه سوى ساعات قليلة للنوم، فيما تتحول الإجازات إلى فرصة لزيادة الدخل بدلًا من الراحة.
هذا المشهد لم يعد استثنائيًا بالنسبة لكثير من الشباب العربي. فبين ارتفاع تكاليف المعيشة، وثبات الأجور أو نموها بوتيرة أبطأ من الأسعار، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى العمل لساعات إضافية، أو الجمع بين وظيفتين، أو البحث عن مصدر دخل ثانٍ، ليس من أجل تحسين مستوى معيشتهم، بل لضمان الحد الأدنى من الاستقرار المالي.
ورغم أن المنطق الاقتصادي يفترض أن العمل لساعات أطول يعني دخلًا أكبر، فإن واقع أسواق العمل في عدد من الدول العربية يطرح صورة أكثر تعقيدًا. فبين تفاوت الأجور، وارتفاع تكاليف الحياة، وضعف الإنتاجية في بعض القطاعات، تتسع الفجوة بين الجهد الذي يبذله كثير من الشباب والعائد الذي يحصلون عليه. فهل تكمن المشكلة فعلًا في عدد ساعات العمل، أم في طبيعة سوق العمل نفسه؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي النظر إلى عدد ساعات الدوام أو قيمة الراتب الشهري، بل لا بد من قراءة أوسع تشمل الإنتاجية، وجودة الوظائف، وهيكل الاقتصاد، والمهارات المطلوبة، والعوامل التي تحدد في النهاية قيمة العمل وأجره.
الأجر لا يُحدد بعدد ساعات العمل وحدها، بل يرتبط بقيمة العمل نفسه. فالوظائف التي تعتمد على مهارات متخصصة، أو تستخدم تقنيات حديثة، أو تحقق إنتاجية أعلى، غالبًا ما تمنح أجورًا أفضل
هل المشكلة في عدد ساعات العمل.. أم في قيمة العمل؟
قد يبدو من المنطقي أن من يعمل أكثر، يكسب أكثر. لكن الواقع في كثير من أسواق العمل لا يسير دائمًا بهذه المعادلة. فهناك من يقضي يومه بين وظيفتين، أو يعمل لساعات إضافية بشكل شبه يومي، ومع ذلك لا يلمس فرقًا حقيقيًا في دخله، بينما يحصل آخرون على رواتب أعلى رغم أنهم يعملون ساعات أقل.
ويفسر خبراء الاقتصاد هذه المفارقة بأن الأجر لا يُحدد بعدد ساعات العمل وحدها، بل يرتبط بقيمة العمل نفسه. فالوظائف التي تعتمد على مهارات متخصصة، أو تستخدم تقنيات حديثة، أو تحقق إنتاجية أعلى، غالبًا ما تمنح أجورًا أفضل، في حين تبقى الرواتب منخفضة في الأعمال التي لا تضيف قيمة اقتصادية كبيرة، حتى لو استغرقت وقتًا أطول أو تطلبت جهدًا مضاعفًا.
وفي المنطقة العربية، لا تتعلق التحديات بنقص فرص العمل فحسب، بل أيضًا بطبيعة هذه الفرص. فبحسب البنك الدولي، لا تزال اقتصادات عديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه صعوبة في خلق وظائف ذات إنتاجية مرتفعة، خصوصًا للشباب، وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين مؤهلات كثير من الخريجين والوظائف التي ينتهي بهم المطاف إليها، سواء من حيث طبيعة العمل أو مستوى الأجور.
ثلاثة شباب.. وثلاث حكايات يجمعها سؤال واحد: لماذا لا يكفي العمل؟
بعيدًا عن الأرقام والتقارير، تكشف تجارب الشباب أنفسهم الوجه الآخر لسوق العمل العربي. تختلف البلدان والوظائف، لكن القاسم المشترك بينهم هو السعي الدائم وراء دخل يكفي لتغطية متطلبات الحياة. بين مهندس يعمل في عطلة نهاية الأسبوع، وشابة تجمع بين وظيفتين، ومصمم لا ينتهي يومه بانتهاء الدوام، تبدو ساعات العمل الطويلة جزءًا من الحياة اليومية، لا استثناءً.
عبد الرحمن.. مهندس يبحث عن فرصة ثالثة
يعيش عبد الرحمن، وهو شاب فلسطيني يقيم في تركيا، يومًا يبدأ مبكرًا وينتهي متأخرًا. يعمل مهندسًا خلال أيام الأسبوع، لكن الراتب وحده لا يكفي لتلبية احتياجاته، لذلك يستغل عطلة نهاية الأسبوع للعمل في شركة متخصصة بالتسويق الرقمي. وبين الوظيفتين، بالكاد يجد وقتًا للراحة أو لممارسة حياته الشخصية.
يقول عبد الرحمن إن أكثر ما يرهقه ليس عدد ساعات العمل بحد ذاته، بل شعوره بأن الجهد الذي يبذله لا ينعكس على دخله بالشكل الذي كان يتوقعه. ويضيف: "أحيانًا أنظر إلى أسبوعي فأشعر أنني أعيش من أجل العمل فقط. أخرج صباحًا وأعود مساءً، ثم أبدأ التفكير في التزامات الشهر المقبل قبل أن ينتهي الشهر الحالي."
ورغم ذلك، لا يزال يفكر في خطوة جديدة قد تضيف عبئًا آخر إلى يومه؛ إذ بدأ يخطط لإنشاء محتوى على الإنترنت، على أمل أن يتحول مستقبلًا إلى مصدر دخل إضافي يساعده على تحسين وضعه المالي. ويقول: "لم أكن أتخيل يومًا أن أفكر في عمل ثالث، لكن الظروف تدفعك للبحث عن أي فرصة يمكن أن توفر دخلًا أفضل".
مروى.. وظيفتان ومسؤوليات لا تنتهي
في تونس، تبدأ مروى يومها بين مسؤوليات المنزل والعمل. فهي متزوجة، وتدير مشروعًا صغيرًا تحاول من خلاله زيادة دخلها، إلى جانب عملها في محل لبيع الهواتف. وتقول إن الجمع بين الوظيفتين لم يكن خيارًا كانت تخطط له، بل نتيجة مباشرة لارتفاع تكاليف المعيشة، التي جعلت الاعتماد على مصدر دخل واحد أمرًا بالغ الصعوبة.
وتوضح أن ساعات يومها تكاد تكون موزعة بالكامل بين العمل والالتزامات العائلية، بينما أصبحت الراحة رفاهية يصعب الحصول عليها. وتقول: "أحيانًا أشعر أن اليوم ينتهي قبل أن أحقق كل ما يجب عليّ إنجازه. أحاول الموازنة بين عملي وبيتي، لكن مع ارتفاع الأسعار أصبح من الصعب الاستغناء عن أي مصدر دخل."
وترى مروى أن المشكلة لا تكمن في العمل نفسه، بل في أن الجهد المبذول لا يمنحها الإحساس بالأمان المالي، إذ يبقى التفكير في مصاريف الشهر المقبل حاضرًا حتى بعد ساعات العمل الطويلة.
محمد.. دوام لا ينتهي مع انتهاء المكتب
أما محمد، وهو مصمم من مصر، فينتهي دوامه الرسمي ليبدأ عملًا آخر من المنزل عبر مشاريع العمل الحر (Freelance). ويقول إن التصميم أصبح بالنسبة إليه مصدرين للدخل في الوقت نفسه، لكن ذلك جاء على حساب وقته الشخصي وراحته.
ويضيف: "بعد انتهاء عملي، أفتح الحاسوب من جديد لأكمل مشاريع العملاء. أحيانًا أعمل حتى منتصف الليل، لأن دخلي من الوظيفة الأساسية وحده لا يكفي."
ويشير إلى أن العمل الحر ساعده في تجاوز بعض الأزمات المالية، لكنه لم ينهِ الضغوط اليومية، بل زاد من عدد ساعات العمل. ويقول: "أحاول أن أستغل كل فرصة، لأن الظروف لا تترك أمامي خيارات كثيرة. أحلم فقط بأن أصل إلى مرحلة أستطيع فيها الاكتفاء بوظيفة واحدة."
ورغم اختلاف تجارب عبد الرحمن ومروى ومحمد، فإن قصصهم تكشف واقعًا يتكرر لدى كثير من الشباب العرب؛ فزيادة ساعات العمل أو تعدد الوظائف لا تعني بالضرورة تحسنًا ملموسًا في مستوى المعيشة، بل قد تصبح وسيلة للحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية.
لماذا لا تتحول ساعات العمل الطويلة إلى دخل أعلى في العالم العربي؟
لا ترتبط الأجور في كثير من أسواق العمل العربية بعدد ساعات العمل فقط، بل بمجموعة من العوامل الاقتصادية التي تحدد قيمة الوظيفة ومستوى الدخل. وتشير منظمة العمل الدولية في تقريرها "آفاق التشغيل والأوضاع الاجتماعية في الدول العربية 2024" إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه أسواق العمل العربية يتمثل في بطء تعافيها، واستمرار ارتفاع معدلات البطالة، وضعف نمو القطاع الخاص في عدد من الدول، ما يحد من قدرة الاقتصادات على خلق وظائف منتجة توفر أجورًا أفضل.
ومن أبرز العوامل التي تفسر هذه الفجوة:
ضعف الإنتاجية في بعض القطاعات
تشير منظمة العمل الدولية إلى أن تحسين الأجور لا يرتبط بزيادة ساعات العمل وحدها، بل يتطلب خلق وظائف ذات إنتاجية أعلى وقيمة مضافة أكبر، بما ينعكس على دخل العاملين.
اتساع نطاق العمل غير الرسمي:
وتوضح منظمة العمل الدولية أن العمل غير الرسمي لا يزال يشكل تحديًا في عدد من الدول العربية، وهو ما يحرم كثيرًا من العاملين من الحماية الاجتماعية وفرص تحسين الأجور والتطور المهني.
فجوة المهارات ومتطلبات السوق
كما يؤكد التقرير أن أسواق العمل العربية تواجه تحديًا متزايدًا في مواءمة مهارات الشباب مع احتياجات سوق العمل، خاصة مع التحولات الرقمية وتغير طبيعة الوظائف، وهو ما ينعكس على فرص الحصول على وظائف ذات إنتاجية وأجور أعلى.
ارتفاع تكاليف المعيشة
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع والخدمات في عدد من الدول العربية، يجد كثير من العاملين أن أي زيادة محدودة في الأجور لا تكفي للحفاظ على قدرتهم الشرائية، ما يعزز الشعور بأن ساعات العمل الإضافية لا تحقق تحسنًا ملموسًا في مستوى المعيشة.
وبين هذه العوامل، يجد كثير من الشباب العرب أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ فزيادة ساعات العمل لا تعني بالضرورة دخلًا أعلى، بل قد تعني في أحيان كثيرة بذل جهد أكبر لمجاراة تكاليف الحياة المتزايدة.
أحيانًا أشعر أن اليوم ينتهي قبل أن أحقق كل ما يجب عليّ إنجازه. أحاول الموازنة بين عملي وبيتي، لكن مع ارتفاع الأسعار أصبح من الصعب الاستغناء عن أي مصدر دخل
الهجرة.. عندما يصبح الرحيل جزءًا من الخطة
بالنسبة إلى كثير من الشباب العرب، لم تعد الهجرة مجرد حلم بالسفر أو تحسين مستوى الدخل، بل أصبحت خيارًا يفرضه شعور متزايد بأن الجهد الذي يبذلونه لا يقود إلى الاستقرار الذي يبحثون عنه. فبعد سنوات من الدراسة والعمل، يجد بعضهم أن وظيفة واحدة لم تعد تكفي، وأن العمل لساعات أطول لا يضمن بالضرورة مستقبلًا أفضل، ما يدفعهم إلى البحث عن فرصة خارج حدود بلدانهم، حيث يأملون في سوق عمل يكافئ المهارة، ويوفر مسارًا مهنيًا واضحًا، وحماية اجتماعية، وقدرة أكبر على الادخار وبناء حياة مستقرة.
لكن خبراء الاقتصاد والتنمية يرون أن الهجرة، رغم أنها قد تفتح آفاقًا فردية جديدة، ليست حلًا لأزمة سوق العمل في المنطقة. فالتحدي الحقيقي يكمن في قدرة الاقتصادات العربية على خلق وظائف منتجة، ورفع الإنتاجية، وتحسين بيئة الأعمال، وربط التعليم باحتياجات السوق، بما يمنح الشباب فرصة لبناء مستقبلهم داخل أوطانهم، لا البحث عنه في مكان آخر.
وفي نهاية المطاف، لا تختصر أزمة سوق العمل العربي في عدد ساعات العمل، ولا في قيمة الراتب المكتوب على الورق، بل في سؤال أكثر عمقًا: هل يمنح العمل صاحبه حياة كريمة؟ فحين يضطر شاب إلى العمل في وظيفتين، أو تتخلى شابة عن وقتها مع أسرتها لتأمين احتياجاتها الأساسية، تصبح المشكلة أكبر من معادلة "الجهد مقابل الأجر". إنها معادلة ترتبط ببنية الاقتصاد، وفرص النمو، والعدالة في توزيع الفرص.
وربما لهذا السبب، لم يعد كثير من الشباب العربي يسأل: "كم سأربح؟" بقدر ما أصبح يسأل: "أين سأجد فرصة تمنح عملي قيمته؟"
اقرأ أيضًا: منح دراسية ممولة بالكامل لعام 2027.. كيف تتقدم؟