يصنعونني رصاصة ويضعونني شامة على جبينك

يصنعونني رصاصة ويضعونني شامة على جبينك

بسيم الريس/ سوريا

طابور على مدخل الليل...
قناصون في الأمكنة العفنة...
هررة تعبر الشارع لحتفها...
والعيون البراقة تأكل الظلام...
صمت بحجم الضجيج...
وكلام أقل من الألم...
عند سلم أقصر من سطح، ونافذة أعلى من رأس، وباب أضيق من مفتاح... تكون غرفتي.
فوق وسادة تقطر دمعًا، وفراش افترسه الألم... يكون سريري.
بزاوية تئن على الأخرى... يكون جسدي.
وعلى جنح طائر دمشقي... ترفرف روحي.
أخوتي كلمات على الجدار... ورفقتي خيط عطر عابر في الهواء...
ذاكرتي خربشات طباشير على الأرض... محبوبتي قبلة على الوسادة... والآخرون آثار أقدام عليّ.
وأنت؟
في انتظار النهار يكون الليل أرضًا خصبة للانتحار، وفي انتظار النوم يمر القطار مسرعًا أمام الروح التي لا تجيء ولا تروح... ويقطر العمر بين انتظارين..
من ثقب بجانبي، أرى الحمائم الزرقاء تسير بغير درب... والحمائم البيضاء تنتظر قدوم المطر، والمطر غزير داخل المقلتين المغلقتين على المشهد الأخير...
من ثقب برأسي، أراهم يصنعوني رصاصة ويضعوني شامة على جبينك... وأراهم يصنعوك رصاصة ويضعوك شامة على جبيني...
أرمي آخر حروفي قبل أن يلمس خدي التراب... وأبصر آخر شعاع لأحفظ المشهد الأخير قبل الرحيل الأخير... لأتلوه عليهم في الشتاء القادم. 
كلي يناديني... وكلك يناديك... وروحي تحوم فوق جسدي البارد، خوفاً من أن تذوي معي لرمادي... يا صديقي... خذ ما تبقى مني، علّي أموت من جديد... أو أعطني مكانك فالقبر ضيق عليك.
أوقظك من غفوتك... وأشير بيدي:
أنظر يا صديقي... لتلك الأبنية كيف تنام على جنبها ممددة على الطريق، أتعبها الوقوف ومزقها زرق الطيور المعدنية الحارقة... وانظر كيف يغفوا الصبية تحتها مغلقين أجفانهم بسبات للأبد.
تذكر يا صديقي... أن للغبار فوق الرصيف ذاكرة الحجر... وللحجر المكوّم فوقنا ذاكرتنا... ولأرواحنا المهشمة بريق الزجاج... ولأجسادنا العارية تحت الرمال رائحة الحياة.
لا مكان للظل ولا للمقعد الخشبي المزدوج خارج غرفتي الآن... لا مكان لظل غرفتي الآن...هناك فقط مكان لطائر يتيم تحت غيمة جافة...
هنا... تخرج من الركام حروف من شفاه صامتة... لأذن لا تبالي بها... وتتبعثر حروف على شجرة رمان حبلى بكلمات حامضة.
وهناك... تتجمع حروف على رقعة شطرنج لتملأها وعودًا بالانتظار... أو ترسم بها قطارًا دون محطة، ليصبح حية ترقص دون مزمار.
وبين هنا وهناك... تتبادل الحروف مواقعها، لتهطل دعاءً على طول الطريق العائد إليها بأيد بيضاء.
أهو المطر يهطل غزيرًا...؟! أم هي دموعي؟ أهو الليل قد أتى...؟! أم عيوني لم تعد تبصر؟ أهو الطقس قارس...؟! أم أن قلبي أخذته الرياح معها أثناء رحيلها للبعيد؟
أيها الباكون من بعدي عليّ... لا تشربوا دمي، سأحمل صليبي عاليًا وأجلس فوق المطر.
أيها الباكون... لا تفصلوا جناح الفراشة عنها، فهي قادمة إلي... ولا تزغردوا لقدوم الشتاء... فمطري قادم كسيل.
أيها المدمنون أشياءكم... لا تحلبوا النمل فهو قادم إليكم لا محالة... الأشياء تشبه بعضها... فرحي كدمكم أزرق وكلنا للهاوية.
أيها العائدون باكرًا من رحلة الوحل... تذكروا آثار أقدامكم ومن زرعتم تحتها.
تذكروا... أن هذه الفقاعات الخارجة من الوحل هي أنفاس من بقي خلفكم.
أيها العائدون باكرًا...
أعدكم بأني سأعدّ لكم بجانبي مقعداً من ضباب... 
وسأنثر نطافي على وحلكم، كي ينبت وردة... أو صبارةَ... أو أرنبًا... أو حمارًا لا يشبهني.

اقرأ/ي أيضًا:

الطريق إلى برلين

الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي!