يسمونها

يسمونها "سياسة" لا سمح الله!

يشكل البرلمان المصري مجرد "ديكور" في النظام السياسي (Getty)

يسمونه التغيير السلمي.. تنتطلق مجموعة من المسيرات السلمية المعارضة لحكم رئيس الوزراء سيرج ساركسيان  في نيسان/إبريل الماضي، يقودها خطيب  سياسي مفوه يُدعى نيكول باشينيان عضو في البرلمان، ورئيس حزب العقد الاجتماعي المعارض.

قبل شهر من قيام الثورة الأرمينية، كان نيكول باشينيان يسير من قرية إلى أخرى عبر أرمينيا في احتجاج ضد الاستيلاء على السلطة من جانب رئيس وزراء البلاد سيرج سركسيان

قبل شهر من قيام الثورة الأرمينية، كان نيكول باشينيان يسير من قرية إلى أخرى عبر أرمينيا في احتجاج يائس ضد الاستيلاء على السلطة من جانب رئيس وزراء البلاد سيرج سركسيان. نجح  باشنياين الذي أمضى العقد الماضي في الشارع كسياسي وسط الناس، على ما يبدو في اختبار السياسة، فقد أمسك العصا من المنتصف، فهو على علاقة جيدة بالكرملين، وحين نجح في الانتخابات وأصبح رئيسًا للوزراء هنأه بوتين، إلا أنه قال في تصريح نقلته عنه الغارديان البريطانية: "بالنسبة لي، هدفي هو ألا أصبح رئيس الوزراء. هدفي هو إحداث تغييرات حقيقية في أرمينيا". صحيح أن السياسيين يقولون كلامًا كثيرًا أو يقولون أي شيء ليجري انتخابهم، لكن باشينان بالفعل كان في موقع المنتصر. حيث استقال الأسبوع الماضي ببساطة، قائلًا: "إن تركيبة البرلمان لا تعكس الواقع السياسي الجديد للبلاد".

المشهد السياسي في البلد الفقير مرتبك، فأرمينيا تتشارك حدودًا مع إيران وتركيا، ولها صراع مع جارة أخرى هي أذربيجان. المشهد السياسي الجديد في أرمينيا، مبشر للعجائز والشباب على حد سواء، وخاصة الشباب الذين احتلوا ميدان فرنسا في قلب العاصمة يريفان، إبان ثورتهم بخيامهم وشعاراتهم الثورية.. وهو مشهد بات مربكًا للذاكرة العربية، التي تعيش شتاءً شموليًا عميقًا.  

اقرأ/ي أيضًا: كيف جرت عملية إجهاض الربيع العربي؟

برلمانات أو دكاكين

هناك برلمانات أخرى تحولت إلى دكاكين لبيع تصريحاتِ مضحكة أو مسكنة أو موالية لما تريده السُلطة. منذ ثلاثة أعوام وفي ظل مشاركة ضئيلة لم تنكرها الحكومة أو الإعلام الرسمي، تم الاقتراع على مقاعد البرلمان المصري، كاستكمال لآخر مراحل خارطة طريق نظام السيسي الجديد، وفي ظل غياب تام لأي صوت يعلو فوق صوت "المعركة"، حقق مؤيدو النظام نصرًا مؤزرًا أرضى غرورهم. عين السيسي من هذا البرلمان 28 عضوًا وقتها، واستطاع خلال سلسلة من المحطات أن يشكل الإرادة السياسية للنظام.

كانت واحدة من أهم تلك المحطات، تمرير اتفاقية تيران وصنافير في صيف 2017 القائظ، بعدما قيل إنه ناقش الاتفاقية بين البلدين من وجهة نظر "الأمن القومي"، وأقر وبصم وأعلن بأنها اتفاقية لا تناقض صحيح الدستور والقانون.

وفي صيف هذا العام، وافق البرلمان بغالبية ثلثي أعضائه، على قوانين الصحافة والإعلام الثلاثة الجديدة، التي نسج بموجبها المواد المسؤولة عن نقل سلطة حجب المواقع ومصادرة الصحف من الأجهزة الأمنية السيادية إلى المجلس الأعلى للإعلام، والذي يكون له أن يصادر حريات المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي وفقًا لمواد قانون تنظيم الإعلام الجديد.

وأخيرًا وليس آخرًا، يصف رئيس البرلمان علي عبد العال رفع الدعم عن السلع التمويلية للفقراء بأنه الدواء المر، وأنه أمر حتمي في ظل ارتفاع عجز الموازنة إلى مستويات قياسية. وسط غياب كامل لأي استجواب حكومي على أي من هذه القرارات في البرلمان، منذ 2016، رغم أن كثيرًا من الطلبات التي تم توجيهها للأعضاء كانت مستوفية لإجراءاتها الشكلية المطلوبة.

ولعل الجرأة في تصريحات تلوم الفقير على فقره، هي التيار الجاهز في البرلمان اليوم، فتارة تسمع بهاء أبو شقة، رئيس اللجنة التشريعية في المؤسسة التي يفترض أن تمثل تطلعات الناس، يقول إن المصري يستطيع أن يعيش بخمسة جنيهات في اليوم، وهو نفس المواطن الذي سيدفع في المترو سبع جنيهات يوميًا للتذكرة الواحدة. وتارة تسمع وكيل لجنة الطاقة في البرلمان يقول إن رفع الدعم عن الطاقة تأخر ثلاثين عامًا، وأن الأجيال القادمة هي من سيدفع فاتورة رفع الدعم.

يسمونها كل شيء ماعدا أنها "سياسة"، تلك الآليات التي يتم خلقها كديكور من أجل "تفصيل" تشريعات تُماشي الهوى السياسي العام، الذي هو فعليًا بلا هواء، بلا أكسجين سياسي حقيقي، وبلا صوت. وبالتالي، تتحول البرلمانات إلى محطات "تمرير" للقوانين، رغمًا عن الشعب، أراد أم لم يرد.. لا فارق!

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مصر.. رئيس البرلمان ينتقم من الصحافة

علي عبد العال..9 أخطاء لكل دقيقة