يبدو الأمرُ مختلفًا يا ناجي الجرف

يبدو الأمرُ مختلفًا يا ناجي الجرف

ناجي الجرف

* إلى روح ناجي الجرف 

يبدو الأمرُ مختلفًا، ليس لأنّكَ تمضي الآنَ كأنّما قد غيّرتَ موعدَ الطائرة ووجهتها ليس إلّا، باعتيادية شديدة، بينما كان أصدقاؤكَ في باريس يراجعونَ يوميًا رقم الرّحلةِ الآتية من إسطنبول إلى شارل ديغول، الرّحلة التي لن تصل أبدًا.

كان لكَ من اسمِ سلفِكَ ناجي العلي نصيب، ولكنّكما لم تحظيا بنصيبٍ من اسمِكما المشترك

***

يبدو الأمر مختلفًا يا ناجي الجرف، تبدو الطعنة شديدة، خاطفةً وسريعة ومباغتة، وكذا يقولون كان ناجي العلي. هنا الأمرُ مختلفٌ تمامًا، لكلّ امرئ من اسمهِ نصيب؟ أمّا أنت، فقد كان لكَ من اسمِ سلفِكَ ناجي العلي نصيب، ولكنّكما لم تحظيا بنصيبٍ من اسمِكما المشترك، إنما اكتفيتما بشكلِ الاسمِ، بموسيقاهُ، وبقدرِه أيضًا. فلم ينجُ ناجي العلي، ولم تنجُ أنت.

***

يبدو الأمرُ مختلفًا، أولئكَ الذينَ يقفونَ اليومَ حولَ العالم -العالم الذي تعرفُ أنّهُ ساهمَ بتشظينا المرّ، ثمّ أقفلَ حدودهُ في وجهِ شظايانا الهاربة بأعجوبةٍ من الموت- لا يقفون مودّعينَ وحسب، إنما مذهولين أيضًا، مترقّبين متوجّسين، فقد فتحَت الطلقةُ التي أصابت رأسكَ مباشرةً البابَ مشرعًا على كلّ تلك الأسئلة. أولئكَ الذين يقفون حول العالم، صامتين باردين، يسألون: إلى أيّ مكانٍ علينا أن نرحلَ لكي نموتَ على فراشنا؟!

نريدُ أن نمرضَ مثلما يفعلُ البشرُ عادةً، أن نصابَ بالزّكام الذي قد يتحولُ لالتهاباتٍ رئويةٍ تخنقُ الهواء فتميتنا. نريدُ أن نصابَ بالسرطان، بالحمّى، بالأمراضِ السارية، ولكنّنا نحلمُ أن نموتَ على فراشٍ دافئ. ولكنّكَ، ولأنّكَ عرفتَ مبكّرًا أن لا مكانَ في العالم قد يحميك، ولا فراشَ دافئ ينتظرُ الذي يطلبُ الحريّة، قبلتَ السقوطَ من ارتفاعِ قامتِك الباسقة. هكذا، مرّةً واحدةً، مثلما تهوي شجرةٌ على الأرض. هل قبلتَ فعلًا يا ناجي؟!

***

يبدو الأمرُ مختلفًا، ليست المسافةُ وحدها ما أبعدنا عن طقوس الحزن التي خبرناها، إنما الموتُ الكثيفُ أيضًا، الموتُ الذي ما عادَ أمرًا استثنائيًا، بلا قدسيّةٍ كبيرة. حدثٌ يوميّ يشبهُ واجباتِنا اليومية. كم هوَ صعبٌ أنّ يصبح موتُنا واجبًا يوميًا!. كلّ هذا أخذنا، ساقنا كقطعانٍ بشريّةٍ تمشي بغيرِ هدىً إلى غدٍ مشوّشٍ غير واضحٍ، وساقَنا بالتوازي، إلى التآلفِ مع الموتِ اليوميّ، ونسيانِ واجباتِ العزاء وطقوسه. غيرَ أنّكَ أرجعتنا، بشكلٍ استثنائيٍّ إلى إنسانيتنا قبلَ أيّ شيء، وإلى هويّتنا الجامعة، تلك التي تخطّى فهمُنا لها الحدود المرسومة مسبقًا، ليصير شكلُ الهويّة الجامعة، مبنيًّا على مطلبِ حاملِها. وحّدَ هويّتنا المطلبُ، وأرجعَنا دمُكَ إلى تلكَ الهويّة يا ناجي الجرف.

شكرًا لدمكَ يا ناجي، فقد ستطاعَ أن يأخذنا من تحتِ الرّايات، ليضمّنا في بيتِ عزاءٍ واحدٍ

وها نحنُ الآن، نفتحُ صفحاتِ الأخبار، لنجدَ سرادقَ عزاءٍ ممتدًّا على مساحات القارّات الخمس، سرادق عزاءٍ طويل وواسعٌ، وفي الداخلِ سوريون وأصدقاء من جنسيّاتٍ مختلفةٍ، كلّ يودّعك على طريقته. ها إننا اليوم نتذكّرُ كيف يفرضُ الموتُ مهابتهُ وجلالهُ، وها إنّ دمك يمدُّ خيطًا كنا نظنّهُ  قد قُطعَبيننا إلى الأبد.

***

يبدو الأمرُ مختلفًا، فنحنُ مطالبونَ اليومَ بالبكاء، بعدَ أكثر من نصفِ مليون شهيدٍ، بعدَ ملايين الجرحى والمغيّبين والنازحين واللاجئين، بعد الدمارِ العميم، بعد أن حدثَ كلّ هذا ولم يفلح في تحويلِنا إلى بكّائين، على الرغمِ من أنّنا بتنا نتجنّبُ حتى الأغنيات السوريّة لئلّا تهشّمَ غلافَ القلبِ والعاطفة، إلا أنهُ لم يحوّلنا بعدُ إلى بكّائين. نحنُ اليوم مطالبونَ بالبكاء، كسوريين، كقتلى حاضرٍ ذميمٍ، كجرحى ومكلومين، كبشرٍ طبيعيين طلبوا حياةً طبيعيةً فلم تأتِهم، فباتوا يطلبونَ موتًا طبيعيًا لا يبدو أنهُ سيأتي أيضًا، كأحياء مؤقتين، كمقيمين مؤقتين، كمواطنين مؤقتين، كثوّار مؤقتين، وكموتى يحاولونَ أن يكونوا موتى مؤقتين أيضًا. مطالبونَ بالبكاء، بالصراخ، بإخراجِ صراخِنا وعويلِنا ونحيبِنا من صدورِنا، وليتفرّج العالمُ علينا، وليأخذ تماسكنا قيلولة، وليعرفَ هذا الكونُ أنّ السوريّ الذي لا يبكي اليوم يا ناجي، يقدّمُ درسًا للإنسانيةِ بأسرها، السوريّ الذي لا ينتحبُ اليوم، الذي يبتسمُ، وما زالَ قادرًا على الغناء والرّقص والشعر والحبّ والفنون، هو في مصافِ الأنبياء. ها نحنُ يا ناجي الجرف، حولَ العالم، في أصقاع الأرض، نمشي في الشوارعِ، في المدن الباردة والحارّة، في الحارات المكتظة والأحياء الهادئة، نمشي، وكأننا نريدُ القولَ للبشرِ إنّهم لن ينقرضوا، وكأننا نريدُ طمأنة البشرية على مستقبلِها، ما دامَ سوريٌّ واحدٌ يمشي يا ناجي فهذه البشرية بأمان.

وبالتأكيد، ولأنّ الأمرَ يبدو مختلفًا مثلما قلتُ لك، فإنّنا كسوريين قبل أي شيء، عرفنا أنّنا ما زلنا على قيدِ الحياة، حينَ خطفكَ الموتُ من الحياة! فأيّ مفارقةٍ مريرةٍ هذه.

شكرًا لحياتِك وحياة أمثالك، شكرًا لدمكَ يا ناجي، فقد ستطاعَ أن يأخذنا من تحتِ الرّايات، ليضمّنا في بيتِ عزاءٍ واحدٍ، لنقفَ جميعًا كما يليقُ بالحريّة التي طلبناها، وبنُبلِ العاداتِ التي كنا نسيناها وذكّرنا بها موتُك، معزّينَ أنفسنا، وصارخينَ بصوتٍ واحدٍ: يا حيف.

اقرأ/ي أيضًا:

أساطير العسكري السوري.. جنس وحب وقوة

هذيان في الثورة والخيانة والمال السياسي